الأرملة عندنا... عقوبة بلا قاض ولا قانون
نيسان ـ نشر في 2026/06/24 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
في الأردن 221 ألف أرملة، هذا ليس رقما سكانيا عابرا، ولا تفصيلا يمكن المرور عليه في تقرير إحصائي ثم الانتقال إلى ما بعده. فهذا الرقم لا يتحدث عن نساء فقدن أزواجهن فقط، بل يكشف عن خلل عميق في طريقة تفكيرنا وفي نظرتنا إلى الحياة نفسها.
يموت الرجل مرة واحدة، لكن بعض مجتمعاتنا تصر على أن تموت زوجته معه كل يوم. وتموت آلاف المرات.
نواسيها إذا بكت، ونمتدح صبرها إذا احتملت، لكننا نرتبك إذا فكرت أن تبدأ من جديد. نتعاطف مع حزنها، لكننا لا نتسامح بسهولة مع حقها في الحياة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
في هذا العصر أصبحت الأرقام صماء. ننشغل بتدقيقها وتحليلها وننسى أن خلف كل رقم إنسانا من لحم ودم. وحين وقفت أمام رقم 221 ألف أرملة، لم أر إحصاء سكانيا، بل رأيت آلاف القصص المؤجلة وآلاف الحيوات التي يضعها المجتمع على الرف وكأن دورها في الحياة قد انتهى.
هذا الرقم، بهذا الحجم، لا يخص وزارة أو مؤسسة اجتماعية. إنه اختبار حقيقي لحيوية المجتمع الأردني وقدرته على تجديد نفسه ومراجعة أفكاره. فمجتمع يعجز عن إعادة دمج هذا العدد من النساء في دورة الحياة الطبيعية، هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة عميقة لآلياته وقناعاته.
لكن التعميم هنا يظلم الحقيقة.
فلسنا نتحدث عن جيل الجدات اللواتي عبرن رحلة العمر واستقررن في دفء الأبناء والأحفاد. هؤلاء لهن مكانتهن وتجربتهن وخياراتهن الخاصة.
الحديث هنا عن أرامل الثلاثين والأربعين، وأحيانا العشرين. عن نساء في ذروة العطاء والحيوية والقدرة على بناء حياة جديدة. نساء يجدن أنفسهن فجأة أمام حكم اجتماعي غير مكتوب يقضي عليهن بالعزلة، ويعامل أي محاولة لبدء حياة جديدة وكأنها خروج على المألوف.
ما الذي تحتاجه امرأة في هذا العمر؟
هي لا تبحث فقط عن معيل أو عن مصدر دخل. هذا اختزال مهين للإنسان. ما تحتاجه هو ما يحتاجه أي إنسان: شريك، وسند، وسكن نفسي، وشعور طبيعي بأنها ما زالت جزءا من الحياة لا شاهدة عليها من بعيد.
لكن الماكينة الاجتماعية عندنا تبدو في هذا الملف وكأنها أصيبت بعطل مزمن.
هناك موروث ثقيل يتنازع قرار الأرملة بين فكرتين قاسيتين: مفهوم مشوه للوفاء يجعل استمرار الحياة خيانة للذكرى، ونظرة اجتماعية تتعامل مع المرأة وكأنها جزء من تركة يجب أن تبقى حيث وضعها القدر.
وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: تعطيل الحياة.
لهذا لا أعتقد أن القضية تحتاج إلى حملات توعية، أو مبادرات مؤسسية، ما نحتاجه هو مراجعة شاملة للعقل الاجتماعي نفسه.
نحتاج إلى خطاب جديد يرى في زواج الأرملة الشابة أمرا طبيعيا لا استثنائيا، وفي حقها في بناء حياة جديدة حقا إنسانيا لا يحتاج إلى إذن من أحد.
المجتمعات الحية لا تحتفل بالموت أكثر مما تحتفل بالحياة. ولا تجعل الفقد قدرا أبديا. ولا تحكم على إنسان بالسجن داخل ذكرى مهما كانت عزيزة.
أما المجتمعات التي تضع العراقيل أمام الحياة ثم تتساءل عن أسباب القلق والعزلة والتفكك، فهي مجتمعات تعاني من خلل في فهمها للحياة نفسها.
الرقم الحقيقي هنا ليس 221 ألف أرملة. الرقم الحقيقي هو حجم الخسارة التي يتكبدها مجتمع يصر على إبقاء أبواب الحياة موصدة في وجه نساء ما زلن قادرات على الحب والعطاء وبناء مستقبل جديد.
بقي أن نقول هناك نساء تحولن إلى أرامل قبل أن يموت أزواجهن. فكم من امرأة تعيش وحيدة، وتواجه ألسنة الحياة منفردة فيما يكتفي الرجل بدور المتفرج في عزلة لا تختلف كثيرا عن عزلة الموت.
في الأردن 221 ألف أرملة، هذا ليس رقما سكانيا عابرا، ولا تفصيلا يمكن المرور عليه في تقرير إحصائي ثم الانتقال إلى ما بعده. فهذا الرقم لا يتحدث عن نساء فقدن أزواجهن فقط، بل يكشف عن خلل عميق في طريقة تفكيرنا وفي نظرتنا إلى الحياة نفسها.
يموت الرجل مرة واحدة، لكن بعض مجتمعاتنا تصر على أن تموت زوجته معه كل يوم. وتموت آلاف المرات.
نواسيها إذا بكت، ونمتدح صبرها إذا احتملت، لكننا نرتبك إذا فكرت أن تبدأ من جديد. نتعاطف مع حزنها، لكننا لا نتسامح بسهولة مع حقها في الحياة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
في هذا العصر أصبحت الأرقام صماء. ننشغل بتدقيقها وتحليلها وننسى أن خلف كل رقم إنسانا من لحم ودم. وحين وقفت أمام رقم 221 ألف أرملة، لم أر إحصاء سكانيا، بل رأيت آلاف القصص المؤجلة وآلاف الحيوات التي يضعها المجتمع على الرف وكأن دورها في الحياة قد انتهى.
هذا الرقم، بهذا الحجم، لا يخص وزارة أو مؤسسة اجتماعية. إنه اختبار حقيقي لحيوية المجتمع الأردني وقدرته على تجديد نفسه ومراجعة أفكاره. فمجتمع يعجز عن إعادة دمج هذا العدد من النساء في دورة الحياة الطبيعية، هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة عميقة لآلياته وقناعاته.
لكن التعميم هنا يظلم الحقيقة.
فلسنا نتحدث عن جيل الجدات اللواتي عبرن رحلة العمر واستقررن في دفء الأبناء والأحفاد. هؤلاء لهن مكانتهن وتجربتهن وخياراتهن الخاصة.
الحديث هنا عن أرامل الثلاثين والأربعين، وأحيانا العشرين. عن نساء في ذروة العطاء والحيوية والقدرة على بناء حياة جديدة. نساء يجدن أنفسهن فجأة أمام حكم اجتماعي غير مكتوب يقضي عليهن بالعزلة، ويعامل أي محاولة لبدء حياة جديدة وكأنها خروج على المألوف.
ما الذي تحتاجه امرأة في هذا العمر؟
هي لا تبحث فقط عن معيل أو عن مصدر دخل. هذا اختزال مهين للإنسان. ما تحتاجه هو ما يحتاجه أي إنسان: شريك، وسند، وسكن نفسي، وشعور طبيعي بأنها ما زالت جزءا من الحياة لا شاهدة عليها من بعيد.
لكن الماكينة الاجتماعية عندنا تبدو في هذا الملف وكأنها أصيبت بعطل مزمن.
هناك موروث ثقيل يتنازع قرار الأرملة بين فكرتين قاسيتين: مفهوم مشوه للوفاء يجعل استمرار الحياة خيانة للذكرى، ونظرة اجتماعية تتعامل مع المرأة وكأنها جزء من تركة يجب أن تبقى حيث وضعها القدر.
وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: تعطيل الحياة.
لهذا لا أعتقد أن القضية تحتاج إلى حملات توعية، أو مبادرات مؤسسية، ما نحتاجه هو مراجعة شاملة للعقل الاجتماعي نفسه.
نحتاج إلى خطاب جديد يرى في زواج الأرملة الشابة أمرا طبيعيا لا استثنائيا، وفي حقها في بناء حياة جديدة حقا إنسانيا لا يحتاج إلى إذن من أحد.
المجتمعات الحية لا تحتفل بالموت أكثر مما تحتفل بالحياة. ولا تجعل الفقد قدرا أبديا. ولا تحكم على إنسان بالسجن داخل ذكرى مهما كانت عزيزة.
أما المجتمعات التي تضع العراقيل أمام الحياة ثم تتساءل عن أسباب القلق والعزلة والتفكك، فهي مجتمعات تعاني من خلل في فهمها للحياة نفسها.
الرقم الحقيقي هنا ليس 221 ألف أرملة. الرقم الحقيقي هو حجم الخسارة التي يتكبدها مجتمع يصر على إبقاء أبواب الحياة موصدة في وجه نساء ما زلن قادرات على الحب والعطاء وبناء مستقبل جديد.
بقي أن نقول هناك نساء تحولن إلى أرامل قبل أن يموت أزواجهن. فكم من امرأة تعيش وحيدة، وتواجه ألسنة الحياة منفردة فيما يكتفي الرجل بدور المتفرج في عزلة لا تختلف كثيرا عن عزلة الموت.
نيسان ـ نشر في 2026/06/24 الساعة 00:00