من سرق دموع الرجال؟... حتى مات آباؤنا واقفين
نيسان ـ نشر في 2026/06/25 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
هناك جيل كامل من الرجال لم يمت بسبب الجلطات وحدها، ولا أنهكه الفقر وحده، ولا قتله التعب وحده.
لقد مات لأنه لم يتعلم يوما كيف يقول: أنا متعب.
أكثر الجنازات وجعا ليست تلك التي يرحل فيها الشباب، بل تلك التي يكتشف فيها الأبناء، بعد فوات الأوان، أن آباءهم لم يكونوا جبالا كما ظنوهم، ولا أبطالا من حديد كما رسمتهم ذاكرتهم.
كانوا بشرا.
لكننا لم نسمح لهم بأن يكونوا كذلك.
حين يموت الأب، يبدأ الناس بتعداد مناقبه: كان لا ينام، كان يعمل ليل نهار، لم يشتك يوما، وكان يتحمل كل شيء.
نردد هذه الجمل باعتبارها أوسمة شرف، بينما هي، في الحقيقة، لائحة اتهام لمجتمع كامل.
من الذي قرر أن الرجل لا يحق له أن يتعب؟
ومن الذي أقنعه بأن الدموع تنتقص من رجولته؟
ومن الذي علمه أن الصمت بطولة، وأن الاعتراف بالألم هزيمة؟
أظن أن أبي، رحمه الله، كان واحدا من هؤلاء.
وأظن أن أباكم أيضا.
كانوا يخرجون قبل أن تستيقظ الشمس، ويعودون وقد أنهك النهار أجسادهم، يحملون على ظهورهم أثقال البيوت، كما يحمل الفلاح شوال القمح في موسم الحصاد.
في الحقيقة، لقد ظلمناهم مرتين.
مرة لأننا أخذنا منهم أعمارهم، ومرة لأننا صادرنا حقهم في الضعف والبكاء.
لم نسمح لهم أن يخافوا.
ولم نسمح لهم أن يبكوا.
بل حتى شكواهم كانت تُعد نقصا في الرجولة.
كان الحب عندهم فعلا لا قولا ولا وردا أحمر.
لم يعرفوا أهياد الميلاد، ولا الرسائل الطويلة، ولا عبارات "أحبكم".
كانت لغتهم رغيف الخبز الذي يعودون به إلى البيت، وقسط الجامعة الذي يدفعونه بصمت، وثياب العيد التي يحرصون عليها أكثر من ثيابهم، وأيديهم الخشنة التي أخفت عن أبنائها قسوة الحياة.
ذلك كان قاموس الحب الذي أتقنوه.
أما نحن، فلم نقرأه جيدا.
وحين رحلوا، اكتشفنا أننا لم نعرفهم كما يجب.
لم نكن نبكي رجلا واحدا.
كنا نبكي مكتبة كاملة أغلقت أبوابها، قبل أن نقرأ ما فيها.
نبكي أحاديث لم تُحكَ.
وأحضانًا تأخرت.
ورائحة عرق الآباء عند الظهيرة، وهم يعودون من الحقول والورش والمصانع والمكاتب، يحملون تعبهم في الداخل، ويتركون لنا ابتسامة صغيرة عند الباب.
ربما لا يحتاج آباؤنا، وقد غادر كثير منهم، إلى دموعنا الآن، هم يحتاجون إلى شجاعة مختلفة، شجاعة أن نكسر هذه الوصية القاسية التي توارثناها جيلا بعد جيل.
وأن نخبر أولادنا، للمرة الأولى، أن الرجل لا تنقص رجولته إذا بكى، ولا تسقط هيبته إذا اعترف بالتعب.
فالرجال لا يموتون لأنهم بكوا.
كثير منهم ماتوا... لأنهم لم يبكوا أبدا.
هناك جيل كامل من الرجال لم يمت بسبب الجلطات وحدها، ولا أنهكه الفقر وحده، ولا قتله التعب وحده.
لقد مات لأنه لم يتعلم يوما كيف يقول: أنا متعب.
أكثر الجنازات وجعا ليست تلك التي يرحل فيها الشباب، بل تلك التي يكتشف فيها الأبناء، بعد فوات الأوان، أن آباءهم لم يكونوا جبالا كما ظنوهم، ولا أبطالا من حديد كما رسمتهم ذاكرتهم.
كانوا بشرا.
لكننا لم نسمح لهم بأن يكونوا كذلك.
حين يموت الأب، يبدأ الناس بتعداد مناقبه: كان لا ينام، كان يعمل ليل نهار، لم يشتك يوما، وكان يتحمل كل شيء.
نردد هذه الجمل باعتبارها أوسمة شرف، بينما هي، في الحقيقة، لائحة اتهام لمجتمع كامل.
من الذي قرر أن الرجل لا يحق له أن يتعب؟
ومن الذي أقنعه بأن الدموع تنتقص من رجولته؟
ومن الذي علمه أن الصمت بطولة، وأن الاعتراف بالألم هزيمة؟
أظن أن أبي، رحمه الله، كان واحدا من هؤلاء.
وأظن أن أباكم أيضا.
كانوا يخرجون قبل أن تستيقظ الشمس، ويعودون وقد أنهك النهار أجسادهم، يحملون على ظهورهم أثقال البيوت، كما يحمل الفلاح شوال القمح في موسم الحصاد.
في الحقيقة، لقد ظلمناهم مرتين.
مرة لأننا أخذنا منهم أعمارهم، ومرة لأننا صادرنا حقهم في الضعف والبكاء.
لم نسمح لهم أن يخافوا.
ولم نسمح لهم أن يبكوا.
بل حتى شكواهم كانت تُعد نقصا في الرجولة.
كان الحب عندهم فعلا لا قولا ولا وردا أحمر.
لم يعرفوا أهياد الميلاد، ولا الرسائل الطويلة، ولا عبارات "أحبكم".
كانت لغتهم رغيف الخبز الذي يعودون به إلى البيت، وقسط الجامعة الذي يدفعونه بصمت، وثياب العيد التي يحرصون عليها أكثر من ثيابهم، وأيديهم الخشنة التي أخفت عن أبنائها قسوة الحياة.
ذلك كان قاموس الحب الذي أتقنوه.
أما نحن، فلم نقرأه جيدا.
وحين رحلوا، اكتشفنا أننا لم نعرفهم كما يجب.
لم نكن نبكي رجلا واحدا.
كنا نبكي مكتبة كاملة أغلقت أبوابها، قبل أن نقرأ ما فيها.
نبكي أحاديث لم تُحكَ.
وأحضانًا تأخرت.
ورائحة عرق الآباء عند الظهيرة، وهم يعودون من الحقول والورش والمصانع والمكاتب، يحملون تعبهم في الداخل، ويتركون لنا ابتسامة صغيرة عند الباب.
ربما لا يحتاج آباؤنا، وقد غادر كثير منهم، إلى دموعنا الآن، هم يحتاجون إلى شجاعة مختلفة، شجاعة أن نكسر هذه الوصية القاسية التي توارثناها جيلا بعد جيل.
وأن نخبر أولادنا، للمرة الأولى، أن الرجل لا تنقص رجولته إذا بكى، ولا تسقط هيبته إذا اعترف بالتعب.
فالرجال لا يموتون لأنهم بكوا.
كثير منهم ماتوا... لأنهم لم يبكوا أبدا.
نيسان ـ نشر في 2026/06/25 الساعة 00:00