لماذا تفرغ الطائرات وقودها قبل الهبوط الاضطراري؟

نيسان ـ نشر في 2026/06/26 الساعة 00:00
قد يثير مشهد تفريغ الطائرة لوقودها في الجو قبل تنفيذ هبوط اضطراري تساؤلات كثيرة بين المسافرين، إلا أن هذه الخطوة تُعد من الإجراءات القياسية التي تلجأ إليها أطقم الطيران في ظروف محددة، وتهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان سلامة الركاب والطائرة.
ويرجع ذلك إلى أن معظم الطائرات الركاب تقلع وهي محملة بكميات كبيرة من الوقود تكفي للوصول إلى وجهتها مع الاحتفاظ باحتياطي يسمح لها بالتحويل إلى مطار بديل عند الضرورة، ما يجعل وزنها عند الإقلاع أعلى بكثير من الوزن الآمن للهبوط.
وتُصمم الطائرات الركاب بحيث تقلع عند الحد الأقصى المسموح به لوزن الإقلاع، ثم تفقد جزءا كبيرا من هذا الوزن تدريجيا أثناء الرحلة نتيجة استهلاك الوقود، لكن إذا تعرضت الطائرة لعطل فني أو حالة طارئة بعد وقت قصير من الإقلاع، فإنها تكون لا تزال تحمل معظم الوقود الذي زُودت به، وهو ما يجعل الهبوط المباشر مخاطرة قد تؤدي إلى أضرار في هيكل الطائرة أو منظومة الهبوط، لذلك يصبح التخلص من جزء من الوقود الخيار الأسرع لتخفيف الوزن والوصول إلى الحدود الآمنة قبل العودة إلى المطار.
وتبرز أهمية هذا الإجراء في حماية معدات الهبوط، التي صُممت لتحمل صدمات قوية أثناء ملامسة المدرج، لكنها ليست مهيأة لاستقبال طائرة تتجاوز الوزن المسموح به.
كما أن الوزن الزائد يفرض على الطيار الهبوط بسرعة أعلى من المعتاد بسبب ارتفاع سرعة الانهيار الهوائي، وهو ما يزيد من مسافة التوقف المطلوبة بعد الهبوط ويضاعف الضغط على المكابح والإطارات، خاصة إذا كان المدرج قصيرا أو كانت الظروف الجوية غير مستقرة.
ويخضع احتساب كمية الوقود قبل كل رحلة لعمليات دقيقة يجريها الطيارون بالتعاون مع فرق التشغيل، إذ تشمل الحسابات عدد الركاب، ووزن الأمتعة والبضائع، والمسافة إلى الوجهة، والظروف الجوية، إضافة إلى كمية الوقود الاحتياطية اللازمة للوصول إلى مطار بديل عند الحاجة.
كما تؤخذ في الاعتبار مسألة توازن الطائرة، حيث توزع كميات الوقود بين خزانات الأجنحة وجسم الطائرة للحفاظ على مركز الثقل ضمن الحدود التصميمية، مع إمكانية نقل الوقود بين الخزانات تلقائيًا أثناء الرحلة لضمان أفضل توازن ممكن.
ورغم أن التخلص من الوقود يُعد إجراءً مشروعا في حالات الطوارئ، فإن القوانين الدولية تشدد على ضرورة تنفيذه فوق مناطق غير مأهولة وبالتنسيق الكامل مع سلطات مراقبة الحركة الجوية، للحد من أي آثار محتملة على السكان والبيئة.
ويأتي ذلك لأن وقود الطائرات قد يشكل خطرا صحيا وبيئيا إذا أُطلق فوق المناطق السكنية، حتى وإن كان جزء كبير منه يتبخر قبل وصوله إلى سطح الأرض.
ويُعد حادث رحلة "دلتا إيرلاينز 89" في عام 2020 من أبرز الأمثلة على المخاطر المرتبطة بسوء تنفيذ هذه العملية، بعدما اضطرت طائرة من طراز "بوينغ 777-200" إلى العودة إلى مطار لوس أنجلوس إثر عطل في أحد المحركات، لكنها أفرغت الوقود فوق منطقة مأهولة دون إخطار مراقبة الحركة الجوية، ما أدى إلى سقوط الوقود على مدرسة وعدد من المنازل وإصابة أشخاص بإصابات طفيفة، وفتح تحقيق رسمي في الواقعة.
ويؤكد خبراء الطيران أن تفريغ الوقود لا يُستخدم إلا في حالات الضرورة القصوى، وأن الطيارين يفضلون، متى سمحت الظروف، التحليق لفترة إضافية لاستهلاك الوقود طبيعيًا قبل الهبوط.
أما عندما يفرض العطل أو الخطر العودة الفورية، فإن التخلص من الوقود يبقى أحد أهم الإجراءات الوقائية التي توازن بين سلامة الطائرة والركاب وتقليل المخاطر التشغيلية والبيئية إلى أدنى حد ممكن.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/26 الساعة 00:00