القبيلة الجميلة
نيسان ـ نشر في 2026/06/28 الساعة 00:00
يكفي في بعض الأحيان هدف في الدقيقة التسعين لتنسى مدينة كاملة فواتيرها، وخصوماتها، وخيباتها الصغيرة، وتخرج إلى الشارع كأنها نجت من كارثة كونية. هذا السخاء العاطفي الذي تمنحه كرة القدم لا يفسره منطق الرياضة وحده. فالحكاية لم تعد مجرد اثنين وعشرين لاعبا يركضون خلف كرة، وإنما شيء أعمق بكثير: طقس جماعي يعيد ترتيب مشاعر الناس، ويمنحهم، ولو مؤقتا، شعورا نادرا بأنهم جزء من شيء أكبر من وحدتهم.
لهذا يصعب التعامل مع كرة القدم بوصفها لعبة فقط. الملعب ليس مستطيلا أخضر فحسب، والمدرج ليس مكانا للفرجة. هناك، تحت الأضواء، تتقاطع حاجات البشر القديمة مع أشكال السلطة الحديثة: الرغبة في الانتماء، الحاجة إلى الاصطفاف، الخوف من الهزيمة، وشهية السوق إلى تحويل كل هذا الشغف إلى سلعة تلمع أكثر كل موسم. ما يبدو تسلية عابرة، ينكشف أحيانا كمرآة مضغوطة للمجتمع نفسه: طبقاته، غضبه، أوهامه، وحاجته الدائمة إلى راية يلتف حولها.
في أصلها البعيد، تحمل اللعبة شيئا من معنى الطقس. جمهور يرتدي الألوان نفسها، يردد الأناشيد نفسها، ويذوب في لحظة واحدة داخل حنجرة جماعية. هنا لا يكتفي الإنسان بمشاهدة مباراة، بل يختبر شكلا خاما من الانتماء، كأنه يستعيد حاجة قديمة إلى القبيلة، إلى أن يهتف مع الآخرين ويغضب معهم ويقفز في اللحظة ذاتها. وربما لهذا السبب تبدو كرة القدم، في أحد وجوهها، طريقة مهذبة لتصريف العنف لا لإلغائه. الصدام ما يزال حاضرا، غير أنه محكوم بخطوط بيضاء وصفارة وقوانين، ومسموح له أن ينفجر داخل مساحة مضبوطة ثم يعود إلى بيته.
غير أن هذه الطاقة ليست بريئة دائما. المدرج الذي يحتضن الفرد قد يتحول بسرعة إلى قفص يطرد المختلف. الهتاف الذي يصنع الجماعة قد ينقلب إلى كراهية، والراية التي توحد لربما تصير أداة إقصاء. وفي اللحظة نفسها التي تمنح فيها اللعبة دفئا إنسانيا نادرا، تستطيع أن تنتج قبيلة ضيقة، عصبية، ترى العالم من ثقب القميص الذي ترتديه.
لهذا فهمت السلطات اللعبة باكرا. عرفت أن الجماهير التي تهتف في المدرجات يمكن استثمارها خارج الملعب أيضا. بطولة ناجحة قد تلمع وجها سياسيا متعبا، وانتصار كروي قد يتحول إلى ستارة توضع أمام خراب أوسع. ثم جاءت السوق وأكملت ما بدأته السياسة: حقوق بث هائلة، أندية تتحول إلى شركات، وجمهور يدفع أكثر ليقترب أقل من لعبته القديمة.
ومع ذلك، ما تزال كرة القدم تفلت من كل من يريد احتكار معناها. ففي قلب هذا الضجيج كله، تبقى فيها لحظة نقية تقاوم الترويض: تمريرة تشبه الذكاء الخالص، مراوغة صغيرة تهزم الحسابات، ومدرج يشتعل لا لأن السلطة أمرت، ولا لأن السوق دفعت، بل لأن قلوبا كثيرة خفقت دفعة واحدة. هناك، في تلك اللحظة التي ترتفع فيها الكرة ويرتفع معها الصراخ، تنكشف اللعبة على حقيقتها: مرآة هائلة للبشر، بكل ما فيهم من جمال ووحشية، ومن حاجة قديمة إلى الفرح، ولو جاء راكضا على عشب أخضر.
لهذا يصعب التعامل مع كرة القدم بوصفها لعبة فقط. الملعب ليس مستطيلا أخضر فحسب، والمدرج ليس مكانا للفرجة. هناك، تحت الأضواء، تتقاطع حاجات البشر القديمة مع أشكال السلطة الحديثة: الرغبة في الانتماء، الحاجة إلى الاصطفاف، الخوف من الهزيمة، وشهية السوق إلى تحويل كل هذا الشغف إلى سلعة تلمع أكثر كل موسم. ما يبدو تسلية عابرة، ينكشف أحيانا كمرآة مضغوطة للمجتمع نفسه: طبقاته، غضبه، أوهامه، وحاجته الدائمة إلى راية يلتف حولها.
في أصلها البعيد، تحمل اللعبة شيئا من معنى الطقس. جمهور يرتدي الألوان نفسها، يردد الأناشيد نفسها، ويذوب في لحظة واحدة داخل حنجرة جماعية. هنا لا يكتفي الإنسان بمشاهدة مباراة، بل يختبر شكلا خاما من الانتماء، كأنه يستعيد حاجة قديمة إلى القبيلة، إلى أن يهتف مع الآخرين ويغضب معهم ويقفز في اللحظة ذاتها. وربما لهذا السبب تبدو كرة القدم، في أحد وجوهها، طريقة مهذبة لتصريف العنف لا لإلغائه. الصدام ما يزال حاضرا، غير أنه محكوم بخطوط بيضاء وصفارة وقوانين، ومسموح له أن ينفجر داخل مساحة مضبوطة ثم يعود إلى بيته.
غير أن هذه الطاقة ليست بريئة دائما. المدرج الذي يحتضن الفرد قد يتحول بسرعة إلى قفص يطرد المختلف. الهتاف الذي يصنع الجماعة قد ينقلب إلى كراهية، والراية التي توحد لربما تصير أداة إقصاء. وفي اللحظة نفسها التي تمنح فيها اللعبة دفئا إنسانيا نادرا، تستطيع أن تنتج قبيلة ضيقة، عصبية، ترى العالم من ثقب القميص الذي ترتديه.
لهذا فهمت السلطات اللعبة باكرا. عرفت أن الجماهير التي تهتف في المدرجات يمكن استثمارها خارج الملعب أيضا. بطولة ناجحة قد تلمع وجها سياسيا متعبا، وانتصار كروي قد يتحول إلى ستارة توضع أمام خراب أوسع. ثم جاءت السوق وأكملت ما بدأته السياسة: حقوق بث هائلة، أندية تتحول إلى شركات، وجمهور يدفع أكثر ليقترب أقل من لعبته القديمة.
ومع ذلك، ما تزال كرة القدم تفلت من كل من يريد احتكار معناها. ففي قلب هذا الضجيج كله، تبقى فيها لحظة نقية تقاوم الترويض: تمريرة تشبه الذكاء الخالص، مراوغة صغيرة تهزم الحسابات، ومدرج يشتعل لا لأن السلطة أمرت، ولا لأن السوق دفعت، بل لأن قلوبا كثيرة خفقت دفعة واحدة. هناك، في تلك اللحظة التي ترتفع فيها الكرة ويرتفع معها الصراخ، تنكشف اللعبة على حقيقتها: مرآة هائلة للبشر، بكل ما فيهم من جمال ووحشية، ومن حاجة قديمة إلى الفرح، ولو جاء راكضا على عشب أخضر.
نيسان ـ نشر في 2026/06/28 الساعة 00:00