عيب.. استحوا : حين يصرخ العلم المقلوب بصمت

نيسان ـ نشر في 2026/06/28 الساعة 00:00
ابراهيم قبيلات
في احتفالاتنا الرسمية، نبحث عن لحظات تليق بنا، نرتدي أجمل ما لدينا، ونرفع راياتنا عاليا وكأننا نقول للعالم: ها نحن. لكن ثمَّة هفوات لا تغتفر، لا لأنها كبيرة بحجمها، بل لأنها صغيرة بحجم من يفترض بهم الانتباه. هفوة واحدة كفيلة بأن تهزّ هيبة مؤسسة بأكملها، وتفضح تناقضا لا يقل خطرا عن أي تلوث بيئي. فخلال توقيع مذكرة تفاهم مع شركة "جوبترول" خلال المؤتمر الوطني الثاني للتغير المناخي، ظهر العلم الأردني مقلوبا. لكن هذه ليست حبكة القصة، بل بدايتها فقط.
في خضم إحدى فعاليات وزارة البيئة المهمة، رُفع العلم الأردني مقلوبا. وفي بلدان كثيرة، قد يُتسامح مع المحتجين في كل شيء تجاه العلم، إلا في قلبه. أما هنا، فلم تكن القصة حبكة سياسية، ولا احتجاجا مفتعلا.
للناس مع الوزارة ثأر قديم محفور في الصدور؛ فأسرع بعض الحاضرين لمّا وقعت أعينهم على العلم المقلوب، وصرخ: "عيب.. استحوا". ولم تلبث الوزارة أن فهمت الرسالة، وكأنها سمعت النداء لأول مرة: "عيب.. استحوا".
لكن السؤال الأعمق: مَنْ خاط ذلك العلم؟ وكيف مرّ من تحت أيدي اللجان، والمشرفين، والمصورين، وصولا إلى معالي الوزير الذي وقف مبتسما للكاميرات، دون أن ينتبه أحد؟ أما شعر أحدهم في قرارة نفسه: "هناك خطب ما، أشعر بالخجل، لكني لا أدري لماذا؟".
إنه العلم المقلوب، صارخا في خلفية الصور: "عيب.. استحوا".
في بلدٍ يُفترض أن تُقاس هيبة مؤسساته بدقة تفاصيلها، يمر العلم المقلوب من تحت أنوف الجميع، حتى يصل إلى الوزير نفسه، فيما الخلفية خلفه تنطق نَكَسا. هل أصبحت بوابات الوزارة واسعة إلى حد أنها تمرّر الجمل بما حمل، وتُعمي الأعين عن راية كُتبت بالدم؟
الفعالية انتهت، والتُقطت الصور، وبقي العلم مقلوبا في الذاكرة. وفي أعراف الدول، للعلم المقلوب معنى واحد فقط: نحن في حالة استغاثة وخطر شديد. وربما، من دون أن تدري الوزارة، كانت هذه هي الحقيقة الوحيدة الصادقة في ذلك اليوم. فوزارة البيئة نفسها مستغيثة، لكنها في غيبوبة، والناس لم يعد لديهم ما يقولونه سوى تلك العبارة الموجعة: "عيب.. استحوا".
يقول صاحب الثأر، ساخرا، ولكن بجرح غائر: "إذا كانت وزارة البيئة عاجزة عن ضبط اتجاه علمها الوطني في قاعة مغلقة، فكيف لنا أن نأتمنها على ضبط بوصلة التلوث، وحماية شجر البلاد، ومراقبة مصانعها؟.
أتُريدون الحق؟ القصة ليست رمانة، فالقلوب مليانة. أليس كذلك؟ .
    نيسان ـ نشر في 2026/06/28 الساعة 00:00