سوريا والدور الإقليمي المنتظر
نيسان ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 00:00
منذ سنوات طويلة، اعتاد العالم النظر إلى سوريا بوصفها أزمة مفتوحة، أو ساحة صراع تتقاطع فوقها المصالح الدولية والإقليمية، حتى بدا وكأن هذا البلد لم يعد قادرا على إنتاج أي دور خارج حدود الحرب نفسها. غير أن المشهد أخذ يتغير تدريجيا خلال الأشهر الأخيرة، ليس لأن جميع مشكلات سوريا قد حُلّت، ولا لأن الدولة استعادت كامل عافيتها، وإنما لأن البيئة الإقليمية المحيطة بها بدأت تتغير بوتيرة أسرع من الداخل السوري نفسه. فالحروب التي أعادت رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، والتفاهمات الجديدة بين القوى الكبرى، وتراجع بعض أولويات الصراع التقليدية، كلها دفعت إلى إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه سوريا في المنطقة خلال السنوات المقبلة؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من دمشق وحدها، بل من طبيعة الشرق الأوسط الذي خرج من سلسلة طويلة من حروب والاستنزاف. فالمنطقة التي عرفتها سوريا قبل عام 2011 لم تعد موجودة؛ النفوذ الإيراني يعاد تعريفه، والعلاقات التركية العربية شهدت تحولات كبيرة، ودول الخليج انتقلت من إدارة الأزمات إلى البحث عن الاستقرار الاقتصادي، فيما أصبحت إسرائيل أكثر انخراطا في رسم معادلات الأمن الإقليمي، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها العسكري المباشر، مع الحفاظ على نفوذها السياسي. وفي خضم هذه التحولات، لم تعد سوريا مجرد ملف إنساني أو أمني، بل عقدة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها في أي مشروع لإعادة ترتيب الإقليم.
هذا التحول انعكس حتى في الخطاب الدولي، فبعد سنوات طويلة كان الحديث فيها يدور حول الإغاثة الإنسانية وإدارة الكارثة، بدأت المؤسسات الدولية تستخدم لغة مختلفة، فقد أكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن هناك «فرصة حقيقية لمساعدة السوريين على الانتقال من البقاء إلى التعافي»، وهي عبارة تختزل تغيرا مهما في المقاربة الدولية؛ إذ لم يعد الهدف منع الانهيار فقط، وإنما البحث عن أسس الاستقرار وإعادة البناء. وفي السياق نفسه، وصف نائب المبعوث الأممي إلى سوريا المرحلة الحالية بأنها مرحلة تتجاور فيها «الفرصة والهشاشة»، في إشارة دقيقة إلى أن مستقبل سوريا لم يُحسم بعد، لكنه لم يعد أيضا أسير الحرب وحدها.
الحديث عن دور إقليمي جديد لسوريا لا يمكن أن ينفصل عن قدرتها أولا على تثبيت استقرارها الداخلي، لأن الدول المنهكة لا تصنع سياسات إقليمية مؤثرة مهما كانت أهميتها الجغرافية
غير أن هذا التحول ينبغي أن لا يقود إلى قراءة متفائلة أكثر مما ينبغي. فالدولة السورية ما زالت تواجه تحديات داخلية عميقة، تبدأ بإعادة بناء المؤسسات ولا تنتهي عند معالجة الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، التي خلفتها سنوات الصراع. كما أن بسط السلطة على كامل الجغرافيا السورية ما يزال يواجه تعقيدات أمنية وسياسية، سواء في الجنوب أو في الشمال الشرقي، فضلا عن استمرار الضربات الإسرائيلية، وبقاء ملف تنظيم الدولة (داعش) مصدر قلق أمني دائم. ولذلك فإن الحديث عن دور إقليمي جديد لسوريا لا يمكن أن ينفصل عن قدرتها أولا على تثبيت استقرارها الداخلي، لأن الدول المنهكة لا تصنع سياسات إقليمية مؤثرة مهما كانت أهميتها الجغرافية.
لكن الجغرافيا كانت دائما أحد أهم عناصر القوة السورية، فسوريا تقع عند نقطة التقاء المشرق العربي بالأناضول والبحر المتوسط والعراق والخليج، وهي عقدة طبيعية لخطوط التجارة والطاقة والاتصال بين آسيا وأوروبا. هذه الحقيقة لم تتغير رغم الحرب، بل ربما ازدادت أهميتها مع عودة الحديث عن الممرات الاقتصادية الإقليمية ومشروعات الربط البري والسككي والطاقة. ومن هنا، فإن الدور السوري المقبل قد لا يكون عسكريا، كما كان يُتصور في العقود السابقة، وإنما اقتصاديا ولوجستيا وسياسيا، يرتبط بإعادة دمج البلاد في شبكات الاقتصاد الإقليمي أكثر من ارتباطه بإعادة إنتاج نفوذها التقليدي.
ومن اللافت أن الخطاب الرسمي السوري خلال المرحلة الأخيرة يعكس إدراكا لهذه الحقيقة. فدمشق تبدو حريصة على تقديم نفسها بوصفها شريكا في الاستقرار أكثر من كونها طرفا في الصراعات، وقد ظهر ذلك في مواقفها المعلنة تجاه لبنان، حيث شددت على احترام سيادته، ونفت أي حديث عن عودة الدور العسكري السوري، مؤكدة أن العلاقة المستقبلية ينبغي أن تقوم على التعاون السياسي والاقتصادي، لا على معادلات الوصاية التي طبعت مراحل سابقة من تاريخ البلدين. وهذا التحول، إذا استمر، قد يفتح الباب أمام صياغة مختلفة للعلاقات السورية اللبنانية، تقوم على المصالح المتبادلة بدلا من اختلال موازين القوة.
وفي الوقت نفسه، تبدو العلاقة مع تركيا مرشحة لتكون إحدى أهم ركائز الدور السوري المقبل. فعلى الرغم من تراكمات الصراع، فإن الجغرافيا والاقتصاد والأمن تجعل من الصعب تصور استقرار دائم في سوريا من دون تفاهمات مستدامة بين دمشق وأنقرة. كما أن ملف الحدود، وعودة اللاجئين، والتبادل التجاري، وإعادة الإعمار، كلها ملفات تفرض على الطرفين البحث عن صيغ جديدة للتعاون، حتى إن بقيت الخلافات السياسية قائمة في بعض القضايا، وبشكل خاص ملف أكراد سوريا. أما العلاقة مع إيران، فهي الأخرى تدخل مرحلة مختلفة، فمن المرجح أن تتحول من علاقة فرضتها ضرورات الحرب إلى علاقة تحكمها حسابات الدولة ومصالحها الاقتصادية والسياسية، وهذا لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة، لكنه يعني أن دمشق ستسعى إلى توسيع هامش حركتها الخارجية، وعدم حصر خياراتها ضمن محور واحد، خاصة في ظل انفتاحها المتزايد على الدول العربية وبعض القوى الغربية. وفي المقابل، يبقى العامل الإسرائيلي أحد أكثر المتغيرات تأثيرا في تحديد الدور السوري المنتظر. فإسرائيل لا تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة خارجة من الحرب فحسب، وإنما باعتبارها عنصرا أساسيا في معادلة الأمن الإقليمي، ولذلك تواصل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، وتؤكد تمسكها بترتيبات أمنية تراها ضرورية لحماية حدودها. وفي المقابل، تشير مواقف الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية إلى ضرورة احترام السيادة السورية والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يعكس وجود إدراك دولي بأن استمرار التوتر في الجنوب السوري يهدد أي عملية انتقال سياسي أو اقتصادي مستقرة. وفي هذا السياق، يبدو أن الدور السوري المقبل لن يُقاس بحجم النفوذ العسكري، كما كان الحال خلال عقود سابقة، بل بقدرتها على إنتاج الاستقرار داخل حدودها أولا، ثم تحويل هذا الاستقرار إلى عنصر توازن في الإقليم، فالدول لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة صلبة، وإنما أيضا بقدرتها على أن تكون مساحة للتفاهم بدلا من أن تكون ساحة للصراع، وأن تتحول إلى حلقة وصل بين المتنافسين، بدلا من أن تكون جزءا من الاستقطاب. وربما يكون التحدي الأكبر أمام دمشق هو كيفية الموازنة بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج. فإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وإعادة اللاجئين، وتحسين الاقتصاد، ليست ملفات منفصلة عن السياسة الخارجية، بل هي التي ستحدد في النهاية مقدار الحرية التي تمتلكها سوريا في رسم دورها الإقليمي، وكلما نجحت في بناء دولة أكثر استقرارا، ازدادت قدرتها على التحرك خارج حدودها بوصفها شريكا لا عبئا على المنطقة.
ولعل المفارقة الأهم أن سوريا، التي كانت طوال سنوات الحرب موضوعا لتنافس الآخرين، قد تجد نفسها خلال المرحلة المقبلة مطالبة بالانتقال من موقع الساحة إلى موقع الفاعل. غير أن هذا الانتقال لن يتحقق بالشعارات، ولا باستعادة صور الماضي، وإنما ببناء نموذج مختلف للدولة، قادر على التوفيق بين مقتضيات السيادة ومتطلبات التنمية، والمصالح الوطنية وتعقيدات البيئة الإقليمية.
لهذا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت سوريا ستعود إلى المنطقة، فهي لم تغادرها يوما بحكم التاريخ والجغرافيا، وإنما بأي صورة ستعود، وما طبيعة الدور الذي ستختاره لنفسها. فإذا كان القرن الماضي قد منحها دورا استند إلى موازين القوة التقليدية، فإن العقد المقبل قد يفرض عليها دورا مختلفا، يقوم على الوساطة، والانفتاح الاقتصادي، وإدارة التوازنات، والمشاركة في إنتاج الاستقرار الإقليمي. وعندها فقط، لن يكون نجاح سوريا نجاحا لدولة استعادت عافيتها فحسب، بل سيكون مؤشرا على أن الشرق الأوسط نفسه بدأ يبحث عن لغة جديدة، أقل اعتمادا على الحروب، وأكثر انشغالا ببناء نظام إقليمي يتسع للجميع.
كاتب عراقي
الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من دمشق وحدها، بل من طبيعة الشرق الأوسط الذي خرج من سلسلة طويلة من حروب والاستنزاف. فالمنطقة التي عرفتها سوريا قبل عام 2011 لم تعد موجودة؛ النفوذ الإيراني يعاد تعريفه، والعلاقات التركية العربية شهدت تحولات كبيرة، ودول الخليج انتقلت من إدارة الأزمات إلى البحث عن الاستقرار الاقتصادي، فيما أصبحت إسرائيل أكثر انخراطا في رسم معادلات الأمن الإقليمي، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها العسكري المباشر، مع الحفاظ على نفوذها السياسي. وفي خضم هذه التحولات، لم تعد سوريا مجرد ملف إنساني أو أمني، بل عقدة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها في أي مشروع لإعادة ترتيب الإقليم.
هذا التحول انعكس حتى في الخطاب الدولي، فبعد سنوات طويلة كان الحديث فيها يدور حول الإغاثة الإنسانية وإدارة الكارثة، بدأت المؤسسات الدولية تستخدم لغة مختلفة، فقد أكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن هناك «فرصة حقيقية لمساعدة السوريين على الانتقال من البقاء إلى التعافي»، وهي عبارة تختزل تغيرا مهما في المقاربة الدولية؛ إذ لم يعد الهدف منع الانهيار فقط، وإنما البحث عن أسس الاستقرار وإعادة البناء. وفي السياق نفسه، وصف نائب المبعوث الأممي إلى سوريا المرحلة الحالية بأنها مرحلة تتجاور فيها «الفرصة والهشاشة»، في إشارة دقيقة إلى أن مستقبل سوريا لم يُحسم بعد، لكنه لم يعد أيضا أسير الحرب وحدها.
الحديث عن دور إقليمي جديد لسوريا لا يمكن أن ينفصل عن قدرتها أولا على تثبيت استقرارها الداخلي، لأن الدول المنهكة لا تصنع سياسات إقليمية مؤثرة مهما كانت أهميتها الجغرافية
غير أن هذا التحول ينبغي أن لا يقود إلى قراءة متفائلة أكثر مما ينبغي. فالدولة السورية ما زالت تواجه تحديات داخلية عميقة، تبدأ بإعادة بناء المؤسسات ولا تنتهي عند معالجة الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، التي خلفتها سنوات الصراع. كما أن بسط السلطة على كامل الجغرافيا السورية ما يزال يواجه تعقيدات أمنية وسياسية، سواء في الجنوب أو في الشمال الشرقي، فضلا عن استمرار الضربات الإسرائيلية، وبقاء ملف تنظيم الدولة (داعش) مصدر قلق أمني دائم. ولذلك فإن الحديث عن دور إقليمي جديد لسوريا لا يمكن أن ينفصل عن قدرتها أولا على تثبيت استقرارها الداخلي، لأن الدول المنهكة لا تصنع سياسات إقليمية مؤثرة مهما كانت أهميتها الجغرافية.
لكن الجغرافيا كانت دائما أحد أهم عناصر القوة السورية، فسوريا تقع عند نقطة التقاء المشرق العربي بالأناضول والبحر المتوسط والعراق والخليج، وهي عقدة طبيعية لخطوط التجارة والطاقة والاتصال بين آسيا وأوروبا. هذه الحقيقة لم تتغير رغم الحرب، بل ربما ازدادت أهميتها مع عودة الحديث عن الممرات الاقتصادية الإقليمية ومشروعات الربط البري والسككي والطاقة. ومن هنا، فإن الدور السوري المقبل قد لا يكون عسكريا، كما كان يُتصور في العقود السابقة، وإنما اقتصاديا ولوجستيا وسياسيا، يرتبط بإعادة دمج البلاد في شبكات الاقتصاد الإقليمي أكثر من ارتباطه بإعادة إنتاج نفوذها التقليدي.
ومن اللافت أن الخطاب الرسمي السوري خلال المرحلة الأخيرة يعكس إدراكا لهذه الحقيقة. فدمشق تبدو حريصة على تقديم نفسها بوصفها شريكا في الاستقرار أكثر من كونها طرفا في الصراعات، وقد ظهر ذلك في مواقفها المعلنة تجاه لبنان، حيث شددت على احترام سيادته، ونفت أي حديث عن عودة الدور العسكري السوري، مؤكدة أن العلاقة المستقبلية ينبغي أن تقوم على التعاون السياسي والاقتصادي، لا على معادلات الوصاية التي طبعت مراحل سابقة من تاريخ البلدين. وهذا التحول، إذا استمر، قد يفتح الباب أمام صياغة مختلفة للعلاقات السورية اللبنانية، تقوم على المصالح المتبادلة بدلا من اختلال موازين القوة.
وفي الوقت نفسه، تبدو العلاقة مع تركيا مرشحة لتكون إحدى أهم ركائز الدور السوري المقبل. فعلى الرغم من تراكمات الصراع، فإن الجغرافيا والاقتصاد والأمن تجعل من الصعب تصور استقرار دائم في سوريا من دون تفاهمات مستدامة بين دمشق وأنقرة. كما أن ملف الحدود، وعودة اللاجئين، والتبادل التجاري، وإعادة الإعمار، كلها ملفات تفرض على الطرفين البحث عن صيغ جديدة للتعاون، حتى إن بقيت الخلافات السياسية قائمة في بعض القضايا، وبشكل خاص ملف أكراد سوريا. أما العلاقة مع إيران، فهي الأخرى تدخل مرحلة مختلفة، فمن المرجح أن تتحول من علاقة فرضتها ضرورات الحرب إلى علاقة تحكمها حسابات الدولة ومصالحها الاقتصادية والسياسية، وهذا لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة، لكنه يعني أن دمشق ستسعى إلى توسيع هامش حركتها الخارجية، وعدم حصر خياراتها ضمن محور واحد، خاصة في ظل انفتاحها المتزايد على الدول العربية وبعض القوى الغربية. وفي المقابل، يبقى العامل الإسرائيلي أحد أكثر المتغيرات تأثيرا في تحديد الدور السوري المنتظر. فإسرائيل لا تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة خارجة من الحرب فحسب، وإنما باعتبارها عنصرا أساسيا في معادلة الأمن الإقليمي، ولذلك تواصل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، وتؤكد تمسكها بترتيبات أمنية تراها ضرورية لحماية حدودها. وفي المقابل، تشير مواقف الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية إلى ضرورة احترام السيادة السورية والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يعكس وجود إدراك دولي بأن استمرار التوتر في الجنوب السوري يهدد أي عملية انتقال سياسي أو اقتصادي مستقرة. وفي هذا السياق، يبدو أن الدور السوري المقبل لن يُقاس بحجم النفوذ العسكري، كما كان الحال خلال عقود سابقة، بل بقدرتها على إنتاج الاستقرار داخل حدودها أولا، ثم تحويل هذا الاستقرار إلى عنصر توازن في الإقليم، فالدول لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة صلبة، وإنما أيضا بقدرتها على أن تكون مساحة للتفاهم بدلا من أن تكون ساحة للصراع، وأن تتحول إلى حلقة وصل بين المتنافسين، بدلا من أن تكون جزءا من الاستقطاب. وربما يكون التحدي الأكبر أمام دمشق هو كيفية الموازنة بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج. فإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وإعادة اللاجئين، وتحسين الاقتصاد، ليست ملفات منفصلة عن السياسة الخارجية، بل هي التي ستحدد في النهاية مقدار الحرية التي تمتلكها سوريا في رسم دورها الإقليمي، وكلما نجحت في بناء دولة أكثر استقرارا، ازدادت قدرتها على التحرك خارج حدودها بوصفها شريكا لا عبئا على المنطقة.
ولعل المفارقة الأهم أن سوريا، التي كانت طوال سنوات الحرب موضوعا لتنافس الآخرين، قد تجد نفسها خلال المرحلة المقبلة مطالبة بالانتقال من موقع الساحة إلى موقع الفاعل. غير أن هذا الانتقال لن يتحقق بالشعارات، ولا باستعادة صور الماضي، وإنما ببناء نموذج مختلف للدولة، قادر على التوفيق بين مقتضيات السيادة ومتطلبات التنمية، والمصالح الوطنية وتعقيدات البيئة الإقليمية.
لهذا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت سوريا ستعود إلى المنطقة، فهي لم تغادرها يوما بحكم التاريخ والجغرافيا، وإنما بأي صورة ستعود، وما طبيعة الدور الذي ستختاره لنفسها. فإذا كان القرن الماضي قد منحها دورا استند إلى موازين القوة التقليدية، فإن العقد المقبل قد يفرض عليها دورا مختلفا، يقوم على الوساطة، والانفتاح الاقتصادي، وإدارة التوازنات، والمشاركة في إنتاج الاستقرار الإقليمي. وعندها فقط، لن يكون نجاح سوريا نجاحا لدولة استعادت عافيتها فحسب، بل سيكون مؤشرا على أن الشرق الأوسط نفسه بدأ يبحث عن لغة جديدة، أقل اعتمادا على الحروب، وأكثر انشغالا ببناء نظام إقليمي يتسع للجميع.
كاتب عراقي
نيسان ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 00:00