ما فقدناه في الطريق
نيسان ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 00:00
لم يحدث الأمر دفعة واحدة. لم نستيقظ ذات صباح لنجد عقولنا أقل حدة مما كانت عليه. جرى كل شيء بهدوء يليق بالأشياء التي تغيّرنا من الداخل. في البداية قبلنا أن توفر لنا الآلة بعض الوقت، ثم قبلنا أن تختصر علينا البحث، ثم أن ترتب أفكارنا، ثم أن تقترح كلماتنا. ومع كل خدمة جديدة، كنا نتخلى عن مهارة قديمة، حتى أصبحنا نملك الإجابة أسرع من أي وقت، ونصل إليها بأقل جهد، ونشعر بفراغ لا نعرف له اسما.
التفكير لم يكن وسيلة للوصول إلى الجواب فقط. كان طريقة لبناء الإنسان نفسه. الحيرة لم تكن عطلا في العقل، وإنما الورشة التي تتشكل فيها الأفكار. والتردد لم يكن ضعفا، بل المسافة التي تمنحنا فرصة لمراجعة أنفسنا. كل سؤال احتاج زمنا، وكل فكرة نضجت ببطء، تركت داخل صاحبها أثرا لا يتركه أي جواب جاهز، مهما بلغت دقته.
اليوم، تغير الإيقاع كله. لم تعد المعرفة رحلة، وإنما خدمة فورية. السؤال يخرج من أصابعنا، والجواب يعود إليها قبل أن يتاح للعقل أن يبدأ عمله. ومع كل اختصار جديد، تنكمش تلك المساحة التي كان الوعي يتمرن فيها على المقارنة والشك والتركيب والاستنتاج. لم نعد نفتقد المعلومات بقدر ما نفتقد الطريق الذي كانت تسلكه حتى تصبح جزءا منا.
وليس أخطر ما في هذا التحول أن الآلة صارت تكتب وتترجم وتحلل، فهذه وظائف يمكن تقاسمها معها. الخسارة الحقيقية أن الإنسان بدأ يعامل عقله كما يعامل عضلة لا يريد أن يرهقها. يفضل الطريق الأسهل، والعبارة الأسرع، والرأي الذي وصل جاهزا، حتى أصبح التأمل يبدو عملا شاقا، وأصبح الصمت الذي تسبق فيه الفكرة كلماتها زمنا ضائعا لا يحتمله إيقاع العصر.
ولأن العقل لا يعيش بالمعلومات وحدها، بدأت الذاكرة تفقد شيئا من صلابتها أيضا. نقرأ كثيرا، ويستقر في داخلنا القليل. نعبر عشرات النصوص كل يوم، ثم نعجز عن استحضار فكرة واحدة صاحبتنا حتى المساء. صرنا كمسافر يعبر المدن من نافذة قطار لا يتوقف.
بعيدا عن كل ذلك، وتحديدا في المسافة ما بين الشك واليقين، لربما على الواحد منا أن يحتفظ بالشيء الوحيد الذي لا ينبغي له التخلي عنه. القدرة على السؤال وتمحيص إجاباته بذكاء بشري.
التفكير لم يكن وسيلة للوصول إلى الجواب فقط. كان طريقة لبناء الإنسان نفسه. الحيرة لم تكن عطلا في العقل، وإنما الورشة التي تتشكل فيها الأفكار. والتردد لم يكن ضعفا، بل المسافة التي تمنحنا فرصة لمراجعة أنفسنا. كل سؤال احتاج زمنا، وكل فكرة نضجت ببطء، تركت داخل صاحبها أثرا لا يتركه أي جواب جاهز، مهما بلغت دقته.
اليوم، تغير الإيقاع كله. لم تعد المعرفة رحلة، وإنما خدمة فورية. السؤال يخرج من أصابعنا، والجواب يعود إليها قبل أن يتاح للعقل أن يبدأ عمله. ومع كل اختصار جديد، تنكمش تلك المساحة التي كان الوعي يتمرن فيها على المقارنة والشك والتركيب والاستنتاج. لم نعد نفتقد المعلومات بقدر ما نفتقد الطريق الذي كانت تسلكه حتى تصبح جزءا منا.
وليس أخطر ما في هذا التحول أن الآلة صارت تكتب وتترجم وتحلل، فهذه وظائف يمكن تقاسمها معها. الخسارة الحقيقية أن الإنسان بدأ يعامل عقله كما يعامل عضلة لا يريد أن يرهقها. يفضل الطريق الأسهل، والعبارة الأسرع، والرأي الذي وصل جاهزا، حتى أصبح التأمل يبدو عملا شاقا، وأصبح الصمت الذي تسبق فيه الفكرة كلماتها زمنا ضائعا لا يحتمله إيقاع العصر.
ولأن العقل لا يعيش بالمعلومات وحدها، بدأت الذاكرة تفقد شيئا من صلابتها أيضا. نقرأ كثيرا، ويستقر في داخلنا القليل. نعبر عشرات النصوص كل يوم، ثم نعجز عن استحضار فكرة واحدة صاحبتنا حتى المساء. صرنا كمسافر يعبر المدن من نافذة قطار لا يتوقف.
بعيدا عن كل ذلك، وتحديدا في المسافة ما بين الشك واليقين، لربما على الواحد منا أن يحتفظ بالشيء الوحيد الذي لا ينبغي له التخلي عنه. القدرة على السؤال وتمحيص إجاباته بذكاء بشري.
نيسان ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 00:00