في زمن المنصات.. التسلية العابرة مراقبة لا تنام
نيسان ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 00:00
يبدأ الأمر دائماً كأنه لعبة، صورة قديمة نضعها إلى جانب صورة حديثة، وجه نمرره على فلتر يجعلنا نشيخ عشرين عاماً. لقطة نصنعها بالذكاء الاصطناعي مع نسخة أصغر من أنفسنا، أو مع قريب رحل، أو مع ملامح نحب أن نتخيلها. نضحك، نشارك، ننتظر الإعجابات، ثم نمضي كأن شيئاً لم يحدث.
لكن شيئاً يحدث فعلاً. ففي كل مرة نرفع فيها وجهاً إلى منصة، لا نعطيها صورة فقط. نعطيها زمناً، وملامح، وذاكرة، واحتمالاً جديداً لأن تتعلم الآلة كيف نكبر، وكيف تتبدل ملامحنا، وكيف يمكن التعرف إلينا بعد سنوات. وما قد يبدو في ظاهره تسلية عابرة يتحول في باطنه إلى مادة خام لصناعة مراقبة لا تنام.
ووفقاً لمركز دراسة الكراهية المنظمة، فإن ترندات الصور على منصات التواصل، من تحديات العمر إلى صور الذكاء الاصطناعي، لا تقف عند حدود الإبداع أو الحنين، فهي تغذي اقتصاداً قائماً على جمع البيانات السلوكية والبيومترية، وتحويل المشاركة المجانية إلى تدريب لأنظمة قادرة على التنبؤ بالهوية وتتبع البشر عبر الزمن.
وجه مكشوف
في زمن سابق، كانت الصورة تظل في ألبوم العائلة. أما اليوم، فإن الوجه يخرج من البيت إلى خوادم بعيدة، ثم يدخل في ذاكرة رقمية لا نعرف من يملكها، ولا من يبيع الوصول إليها، ولا ما الذي ستفعله بها بعد أعوام.
ولكي ندرك حجم المادة التي تتعلم منها الآلات، يكفي أن ننظر إلى تدفق الصور اليومي على الإنترنت. فوفقاً لتقديرات «وورلد ميتركس» لعام 2026، يلتقط الفرد في المتوسط نحو 1440 صورة سنوياً، وتستحوذ الهواتف الذكية على 75 في المئة من هذا الحجم، كما أن 68 في المئة من صور الهواتف الذكية تشارك على وسائل التواصل خلال 24 ساعة. هذه السرعة تجعل الصورة لا تعيش طويلاً في خصوصية صاحبها، فهي تنتقل من الهاتف إلى المنصة، ومن المنصة إلى خوارزميات الفرز والتعرف والتوصية.
وإذا كان الإنسان يظن أن صورته تضيع في الزحام، فإن الآلة لا تتعب من الزحام. كل وجه جديد يوسع ذاكرتها، وكل زاوية مختلفة تمنحها درساً آخر في الملامح، وكل صورة قديمة وحديثة تشرح لها كيف يتبدل الوجه مع العمر. هكذا يصبح الترند، في ظاهره، موجة اجتماعية عابرة، وفي باطنه، تدريباً مجانياً لعين رقمية لا ترمش.
سوق الملامح
لا تبيع المنصات لنا الخدمة المجانية لأنها كريمة. إنها تبيع حضورنا واهتمامنا وأنماطنا. وكلما زادت البيانات، زادت قدرة الخوارزميات على التنبؤ بما نحب، وما نخاف، وما نشتري، ومن نصدق، وكيف نصوت. ووفقاً للمقال المنشور في مركز دراسة الكراهية المنظمة، فإن كل نقرة وكل تمرير وكل صورة مرفوعة تتحول إلى جزء من سوق واسع للسلوك البشري.
ولأن الصورة أكثر بلاغة من النص، صارت ترندات الصور أكثر إغراءً. فهي لا تطلب من المستخدم أن يكتب أسراره، يكفيها أن يرفع وجهه، أن يقبل لعبة صغيرة، أن يريد المشاركة في موجة اجتماعية كي لا يبدو غائباً عما يفعله الآخرون.
وبحسب «غراند فيو ريسيرش»، بلغت قيمة سوق التعرف إلى الوجوه عالمياً 7.4 مليارات دولار في 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 8.5 مليارات دولار في 2026، ثم إلى 19.6 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 12.8 في المئة. وهذا يعني أن الوجه، الذي كان أخص ما يملكه الإنسان، صار جزءاً من صناعة تتضاعف قيمتها عاماً بعد عام.
وتذهب تقديرات أخرى في الاتجاه نفسه. فبحسب «موردور إنتليجنس»، يتوقع أن تنمو سوق التعرف إلى الوجوه من 9.95 مليارات دولار في 2026 إلى 20.88 مليار دولار في 2031، بمعدل نمو سنوي يبلغ 15.97 في المئة. أما «ماركتس آند ماركتس» فتقدر أن السوق ستصل إلى 20.68 مليار دولار في 2031، انطلاقاً من 10.02 مليارات دولار في 2026.
هذه ليست أرقاماً بعيدة عن صورنا اليومية. فكلما كبرت السوق، كبر الطلب على البيانات، وكلما زاد الطلب على البيانات، تحولت الصور التي نشاركها بخفة إلى مادة أثمن مما نتصور. لا أحد يدفع لنا ثمن الملامح التي تقدمها وجوهنا، غير أن شركات كثيرة تبني فوقها منتجات وأنظمة وأسواقاً كاملة.
وجوه الأطفال
وتزداد المسألة حساسية حين يتعلق الأمر بصور الأطفال، فبحسب مؤسسة مراقبة الإنترنت البريطانية، جرى رصد 8029 صورة وفيديو من مواد الاعتداء على الأطفال مولدة بالذكاء الاصطناعي في 2025، بزيادة 14 في المئة عن العام السابق، كما تضاعف عدد التقارير التي تضمنت مواد واقعية مولدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 154 في المئة، من 193 تقريراً في 2024 إلى 491 تقريراً في 2025.
ووفقاً لصحيفة «الغارديان»، حذرت جهات بريطانية معنية بحماية الأطفال في يوليو 2026 من نشر صور الأطفال على الإنترنت مع تصاعد استخدام تطبيقات ذكاء اصطناعي تسيء استغلال الصور العامة، إذ رصدت مؤسسة مراقبة الإنترنت في 2025 أكثر من 8 آلاف مادة اعتداء على الأطفال مولدة بالذكاء الاصطناعي، بزيادة 14 في المئة على أساس سنوي.
الأشد إرباكاً أن الخطر لم يعد في الصورة الثابتة وحدها، فقد ذكر تقرير آخر لمؤسسة مراقبة الإنترنت، جرى تحديد 3443 فيديو مولداً بالذكاء الاصطناعي لمواد اعتداء على الأطفال في 2025، مقارنة بـ13 فيديو فقط في العام السابق، وهي زيادة هائلة بلغت 26385 في المئة. هنا لا يعود التحذير من مشاركة صور الأطفال مبالغة أخلاقية، وإنما احتياطاً ضرورياً في زمن تستطيع فيه أدوات عامة أن تحول البراءة إلى مادة استغلال.
ولهذا حذرت جهات بريطانية، بينها الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة ومؤسسة مراقبة الإنترنت، من نشر صور الأطفال على نحو مفتوح، بعد تصاعد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تستغل الصور العامة وتحولها إلى محتوى مؤذ. كما دعت صحيفة «الغارديان»، هذه الجهات الأسر إلى مراجعة إعدادات الخصوصية، وتقليل مشاركة صور الأطفال، ومراجعة الصور القديمة المنشورة على المنصات.
احتيال ذكي
ولا تقف خطورة الصور والذكاء الاصطناعي عند المراقبة وحدها. فالاحتيال نفسه صار أكثر نعومة وذكاء، فاستناداً للجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية، خسر الناس 3.5 مليارات دولار بسبب عمليات انتحال الشخصية في 2025، وهي خسائر تضاعفت تقريباً ثلاث مرات منذ 2020. وحين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا الباب، لا يعود المحتال محتاجاً إلى رسالة ركيكة أو صورة مزيفة سهلة الانكشاف، فقد أصبح قادراً على تقليد الصوت، وتوليد الوجه، وصناعة فيديو قصير يقنع الضحية بأن من أمامها شخص تعرفه أو تثق به.
وتكشف بيانات نقلتها «مالويربايتس» المختصة بالحماية الأمنية، عن تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن الشكاوى المرتبطة بعمليات احتيال مدعومة بالذكاء الاصطناعي بلغت 22364 شكوى في 2025، بإجمالي خسائر وصل إلى 893.3 مليون دولار. وهذا الرقم لا يقيس الخسارة المالية وحدها، لأنه لا يحصي ما يتركه الاحتيال من خجل وانكسار وشك في النفس، ولا يحصي البيوت التي دخلها الخوف من مكالمة مزيفة أو وجه مصنوع.
كلفة خفية
الإنسان لا يشعر عادة أنه يدفع شيئاً حين يستخدم منصة مجانية، فلا تخرج النقود من جيبه، ولا يسمع صوتاً يخبره بأن الصفقة تمت، لكن الكلفة قد تكون أعمق من المال. إنها كلفة الحق في الغموض، والحق في النسيان، والحق في أن يكبر وجهك بعيداً عن عين خوارزمية تتدرب على احتمالاته.
وتقول «كيه بي إم جي» للبحوث والاستشارات، إن انتشار تقنيات البيانات البيومترية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر تتصل بأمن البيانات والخصوصية والعدالة والحقوق المدنية، كما يشمل الأمر بصمات الوجه والصوت والسلوك الرقمي. هذه ليست مخاوف نظرية، لأنها ترتبط اليوم بقرارات العمل، والأمن، والوصول إلى الخدمات، والاشتباه، والتصنيف.
لا يعني ذلك أن نغادر الإنترنت، أو نكره الصور، أو نعامل كل لعبة رقمية كأنها مؤامرة. الفرح حق، والخيال حق، والتقنية يمكن أن تكون مساحة إبداع حقيقية. غير أن الفرح لا ينبغي أن يكون ساذجاً، والخيال لا ينبغي أن يلغي السؤال، والتقنية لا ينبغي أن تحصل على أجسادنا ووجوهنا وذكرياتنا من دون حساب.
لذلك لا يحتاج الوعي الرقمي إلى فزع دائم، ولا إلى عزلة كاملة عن العالم، يحتاج إلى تردد قصير قبل المشاركة. إلى سؤال هادئ قبل رفع الصورة. إلى أن نفهم أن المجانية في العالم الرقمي ليست هدية خالصة. أحياناً تكون الفاتورة مؤجلة، وأحياناً لا تأتي مكتوبة بالنقود، وإنما بالخصوصية والملامح والذاكرة.
لكن شيئاً يحدث فعلاً. ففي كل مرة نرفع فيها وجهاً إلى منصة، لا نعطيها صورة فقط. نعطيها زمناً، وملامح، وذاكرة، واحتمالاً جديداً لأن تتعلم الآلة كيف نكبر، وكيف تتبدل ملامحنا، وكيف يمكن التعرف إلينا بعد سنوات. وما قد يبدو في ظاهره تسلية عابرة يتحول في باطنه إلى مادة خام لصناعة مراقبة لا تنام.
ووفقاً لمركز دراسة الكراهية المنظمة، فإن ترندات الصور على منصات التواصل، من تحديات العمر إلى صور الذكاء الاصطناعي، لا تقف عند حدود الإبداع أو الحنين، فهي تغذي اقتصاداً قائماً على جمع البيانات السلوكية والبيومترية، وتحويل المشاركة المجانية إلى تدريب لأنظمة قادرة على التنبؤ بالهوية وتتبع البشر عبر الزمن.
وجه مكشوف
في زمن سابق، كانت الصورة تظل في ألبوم العائلة. أما اليوم، فإن الوجه يخرج من البيت إلى خوادم بعيدة، ثم يدخل في ذاكرة رقمية لا نعرف من يملكها، ولا من يبيع الوصول إليها، ولا ما الذي ستفعله بها بعد أعوام.
ولكي ندرك حجم المادة التي تتعلم منها الآلات، يكفي أن ننظر إلى تدفق الصور اليومي على الإنترنت. فوفقاً لتقديرات «وورلد ميتركس» لعام 2026، يلتقط الفرد في المتوسط نحو 1440 صورة سنوياً، وتستحوذ الهواتف الذكية على 75 في المئة من هذا الحجم، كما أن 68 في المئة من صور الهواتف الذكية تشارك على وسائل التواصل خلال 24 ساعة. هذه السرعة تجعل الصورة لا تعيش طويلاً في خصوصية صاحبها، فهي تنتقل من الهاتف إلى المنصة، ومن المنصة إلى خوارزميات الفرز والتعرف والتوصية.
وإذا كان الإنسان يظن أن صورته تضيع في الزحام، فإن الآلة لا تتعب من الزحام. كل وجه جديد يوسع ذاكرتها، وكل زاوية مختلفة تمنحها درساً آخر في الملامح، وكل صورة قديمة وحديثة تشرح لها كيف يتبدل الوجه مع العمر. هكذا يصبح الترند، في ظاهره، موجة اجتماعية عابرة، وفي باطنه، تدريباً مجانياً لعين رقمية لا ترمش.
سوق الملامح
لا تبيع المنصات لنا الخدمة المجانية لأنها كريمة. إنها تبيع حضورنا واهتمامنا وأنماطنا. وكلما زادت البيانات، زادت قدرة الخوارزميات على التنبؤ بما نحب، وما نخاف، وما نشتري، ومن نصدق، وكيف نصوت. ووفقاً للمقال المنشور في مركز دراسة الكراهية المنظمة، فإن كل نقرة وكل تمرير وكل صورة مرفوعة تتحول إلى جزء من سوق واسع للسلوك البشري.
ولأن الصورة أكثر بلاغة من النص، صارت ترندات الصور أكثر إغراءً. فهي لا تطلب من المستخدم أن يكتب أسراره، يكفيها أن يرفع وجهه، أن يقبل لعبة صغيرة، أن يريد المشاركة في موجة اجتماعية كي لا يبدو غائباً عما يفعله الآخرون.
وبحسب «غراند فيو ريسيرش»، بلغت قيمة سوق التعرف إلى الوجوه عالمياً 7.4 مليارات دولار في 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 8.5 مليارات دولار في 2026، ثم إلى 19.6 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 12.8 في المئة. وهذا يعني أن الوجه، الذي كان أخص ما يملكه الإنسان، صار جزءاً من صناعة تتضاعف قيمتها عاماً بعد عام.
وتذهب تقديرات أخرى في الاتجاه نفسه. فبحسب «موردور إنتليجنس»، يتوقع أن تنمو سوق التعرف إلى الوجوه من 9.95 مليارات دولار في 2026 إلى 20.88 مليار دولار في 2031، بمعدل نمو سنوي يبلغ 15.97 في المئة. أما «ماركتس آند ماركتس» فتقدر أن السوق ستصل إلى 20.68 مليار دولار في 2031، انطلاقاً من 10.02 مليارات دولار في 2026.
هذه ليست أرقاماً بعيدة عن صورنا اليومية. فكلما كبرت السوق، كبر الطلب على البيانات، وكلما زاد الطلب على البيانات، تحولت الصور التي نشاركها بخفة إلى مادة أثمن مما نتصور. لا أحد يدفع لنا ثمن الملامح التي تقدمها وجوهنا، غير أن شركات كثيرة تبني فوقها منتجات وأنظمة وأسواقاً كاملة.
وجوه الأطفال
وتزداد المسألة حساسية حين يتعلق الأمر بصور الأطفال، فبحسب مؤسسة مراقبة الإنترنت البريطانية، جرى رصد 8029 صورة وفيديو من مواد الاعتداء على الأطفال مولدة بالذكاء الاصطناعي في 2025، بزيادة 14 في المئة عن العام السابق، كما تضاعف عدد التقارير التي تضمنت مواد واقعية مولدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 154 في المئة، من 193 تقريراً في 2024 إلى 491 تقريراً في 2025.
ووفقاً لصحيفة «الغارديان»، حذرت جهات بريطانية معنية بحماية الأطفال في يوليو 2026 من نشر صور الأطفال على الإنترنت مع تصاعد استخدام تطبيقات ذكاء اصطناعي تسيء استغلال الصور العامة، إذ رصدت مؤسسة مراقبة الإنترنت في 2025 أكثر من 8 آلاف مادة اعتداء على الأطفال مولدة بالذكاء الاصطناعي، بزيادة 14 في المئة على أساس سنوي.
الأشد إرباكاً أن الخطر لم يعد في الصورة الثابتة وحدها، فقد ذكر تقرير آخر لمؤسسة مراقبة الإنترنت، جرى تحديد 3443 فيديو مولداً بالذكاء الاصطناعي لمواد اعتداء على الأطفال في 2025، مقارنة بـ13 فيديو فقط في العام السابق، وهي زيادة هائلة بلغت 26385 في المئة. هنا لا يعود التحذير من مشاركة صور الأطفال مبالغة أخلاقية، وإنما احتياطاً ضرورياً في زمن تستطيع فيه أدوات عامة أن تحول البراءة إلى مادة استغلال.
ولهذا حذرت جهات بريطانية، بينها الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة ومؤسسة مراقبة الإنترنت، من نشر صور الأطفال على نحو مفتوح، بعد تصاعد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تستغل الصور العامة وتحولها إلى محتوى مؤذ. كما دعت صحيفة «الغارديان»، هذه الجهات الأسر إلى مراجعة إعدادات الخصوصية، وتقليل مشاركة صور الأطفال، ومراجعة الصور القديمة المنشورة على المنصات.
احتيال ذكي
ولا تقف خطورة الصور والذكاء الاصطناعي عند المراقبة وحدها. فالاحتيال نفسه صار أكثر نعومة وذكاء، فاستناداً للجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية، خسر الناس 3.5 مليارات دولار بسبب عمليات انتحال الشخصية في 2025، وهي خسائر تضاعفت تقريباً ثلاث مرات منذ 2020. وحين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا الباب، لا يعود المحتال محتاجاً إلى رسالة ركيكة أو صورة مزيفة سهلة الانكشاف، فقد أصبح قادراً على تقليد الصوت، وتوليد الوجه، وصناعة فيديو قصير يقنع الضحية بأن من أمامها شخص تعرفه أو تثق به.
وتكشف بيانات نقلتها «مالويربايتس» المختصة بالحماية الأمنية، عن تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن الشكاوى المرتبطة بعمليات احتيال مدعومة بالذكاء الاصطناعي بلغت 22364 شكوى في 2025، بإجمالي خسائر وصل إلى 893.3 مليون دولار. وهذا الرقم لا يقيس الخسارة المالية وحدها، لأنه لا يحصي ما يتركه الاحتيال من خجل وانكسار وشك في النفس، ولا يحصي البيوت التي دخلها الخوف من مكالمة مزيفة أو وجه مصنوع.
كلفة خفية
الإنسان لا يشعر عادة أنه يدفع شيئاً حين يستخدم منصة مجانية، فلا تخرج النقود من جيبه، ولا يسمع صوتاً يخبره بأن الصفقة تمت، لكن الكلفة قد تكون أعمق من المال. إنها كلفة الحق في الغموض، والحق في النسيان، والحق في أن يكبر وجهك بعيداً عن عين خوارزمية تتدرب على احتمالاته.
وتقول «كيه بي إم جي» للبحوث والاستشارات، إن انتشار تقنيات البيانات البيومترية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر تتصل بأمن البيانات والخصوصية والعدالة والحقوق المدنية، كما يشمل الأمر بصمات الوجه والصوت والسلوك الرقمي. هذه ليست مخاوف نظرية، لأنها ترتبط اليوم بقرارات العمل، والأمن، والوصول إلى الخدمات، والاشتباه، والتصنيف.
لا يعني ذلك أن نغادر الإنترنت، أو نكره الصور، أو نعامل كل لعبة رقمية كأنها مؤامرة. الفرح حق، والخيال حق، والتقنية يمكن أن تكون مساحة إبداع حقيقية. غير أن الفرح لا ينبغي أن يكون ساذجاً، والخيال لا ينبغي أن يلغي السؤال، والتقنية لا ينبغي أن تحصل على أجسادنا ووجوهنا وذكرياتنا من دون حساب.
لذلك لا يحتاج الوعي الرقمي إلى فزع دائم، ولا إلى عزلة كاملة عن العالم، يحتاج إلى تردد قصير قبل المشاركة. إلى سؤال هادئ قبل رفع الصورة. إلى أن نفهم أن المجانية في العالم الرقمي ليست هدية خالصة. أحياناً تكون الفاتورة مؤجلة، وأحياناً لا تأتي مكتوبة بالنقود، وإنما بالخصوصية والملامح والذاكرة.
نيسان ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 00:00