هندسة المشاعر.. حين تصنع الصورة الاصطناعية إحساسًا حقيقيًا

نيسان ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 00:00
لم تعد الصورة تنتظر مصورًا، ولا مكانًا، ولا لحظة عابرة ينجو منها الضوء. صارت تولد من جملة. نكتب: "طفل ينظر من نافذة قطار في صباح شتوي"، فتظهر لنا صورة كاملة من بخار على الزجاج، وعينان واسعتان، وضوء باهت، وحنين لم يعشه أحد.. لم يكن هناك طفل، وقطار، كما لم يكن هناك صباح.. ومع ذلك، قد نشعر بشيء حقيقي.
هذه هي المفارقة الجديدة: الصورة قد تكون مزيفة، لكن الأثر قد يكون صادقًا. في مقال "ديزايننغ إيموشنز: كيف يمكن للصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي أن تثير اتصالًا إنسانيًا"، تُطرح فكرة أن أدوات الصور الجديدة لا تُستخدم فقط لصناعة صور جميلة، بل لصناعة إحساس محدد: الفرح، الهدوء، الفضول، التمكين، أو الانتماء. بدل أن يبحث المصمم بين آلاف الصور الجاهزة عن لقطة "قريبة" من شعوره، يستطيع اليوم أن يطلب من الآلة صورة مصممة للعاطفة نفسها: فتاة ترسم عند الشروق، ألوان دافئة، إحساس بالأمل، ملامح تعب لا تلغي التفاؤل. هنا لا تعود الصورة وثيقة لما حدث، بل تصميمًا لما نريد أن يحدث داخل المتلقي.
ولعل هذا هو التحول الأخطر والأجمل في الوقت نفسه. فالصور القديمة كانت تقول: هذا ما رأيته. أما الصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي فتقول: هذا ما أريدك أن تشعر به. إنها لا تبدأ من الواقع، بل من النية، من الحالة النفسية التي نريد الوصول إليها، من ذلك الخيط الخفي بين العين والقلب.
الصورة، أصلًا، لم تكن بريئة يومًا. الإعلان يعرف ذلك منذ عقود. لون الخلفية، نظرة الشخص، زاوية الضوء، ترتيب اليدين، المسافة بين الوجوه، كلها عناصر لا تخاطب العقل وحده، بل الجسد أيضًا. صورة العائلة حول مائدة لا تبيع طعامًا فقط، بل تبيع دفئًا. صورة امرأة تركض عند الفجر لا تبيع حذاء فقط، بل تبيع نسخة أكثر قوة من الذات. صورة طفل يضحك لا تبيع منتجًا، بل توقظ فينا رغبة الحماية.
لكن الذكاء الاصطناعي جعل هذه العملية أسرع وأكثر دقة وأكثر قابلية للتخصيص. لم نعد نصمم صورة واحدة لجمهور كبير، بل نستطيع تصميم مئات الصور لمئات الحالات النفسية: صورة تمنح الطمأنينة لمريض، وأخرى تشعل الطموح لدى طالب، وثالثة تبيع الرفاه لجمهور فاخر، ورابعة تمنح شعورًا بالانتماء لشخص وحيد أمام الشاشة. كأن المشاعر صارت قابلة للطلب.
وتشير تقديرات "غراند فيو ريسيرش" إلى أن سوق مولدات الصور بالذكاء الاصطناعي بلغ نحو 349.6 مليون دولار في 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 1.08 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 17.7%.
وتضع تقديرات أخرى من "إميرجن ريسيرش" السوق عند 2.5 مليار دولار في 2025، وتتوقع وصوله إلى 12 مليار دولار بحلول 2035. حتى لو اختلفت الأرقام بحسب منهجية كل مؤسسة، فإن الاتجاه واضح: الصورة الاصطناعية لم تعد لعبة، بل صناعة.
وفي الإعلان تحديدًا، يبدو السباق أوضح، فيقدر تقرير "ريسيرش آند ماركتس" أن سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإعلانات نما من 2.72 مليار دولار في 2024 إلى 3.39 مليار دولار في 2025، بمعدل نمو سنوي 24.6%.
كما تشير تقارير إعلامية إلى أن أكثر من نصف ألف مسوّق شملهم استطلاع في 2025 استخدموا شكلًا من أشكال الذكاء الاصطناعي في الحملات الإبداعية، وأن نسبة كبيرة من الإعلانات قد تتضمن الذكاء الاصطناعي بحلول 2026، مما يعني أن الصورة التي نراها في إعلان، أو منشور، أو حملة خيرية، قد لا تكون ملتقطة، بل مصممة لإيقاظ شعور معين فينا.
والعلم يؤكد أن الصورة العاطفية قادرة على البقاء في الذاكرة. دراسات في علم النفس والإعلان تبيّن أن الإعلانات التي تثير استجابة عاطفية أقوى ترتبط غالبًا بقدرة أعلى على التذكر والانخراط. وفي دراسة منشورة في "فرونتيرز إن سايكولوجي" حول الفاعلية العاطفية للإعلانات، تعامل الباحثون مع الإعلان لا كرسالة معلوماتية فقط، بل كمنظومة من الانتباه والانخراط والعاطفة، فالمتلقي لا يتذكر دائمًا ما قيل له، لكنه يتذكر كيف جعله الشيء يشعر.
ولهذا تبدو الصورة المولّدة بالذكاء الاصطناعي قوية: لأنها لا تحتاج إلى أن تكون حقيقية كي تكون مؤثرة. الدماغ لا يسأل دائمًا عن مصدر الصورة قبل أن يتأثر بها. قد يرى وجهًا حزينًا، ضوءًا ناعمًا، مشهدًا يشبه ذاكرته، فيستجيب. نحن لا نتفاعل مع الصورة بوصفها ملفًا رقميًا، بل بوصفها إشارة عاطفية. وإذا كانت الإشارة مصنوعة بمهارة، فقد تصل.
وقامت دراسات حديثة باختبار هذه النقطة مباشرة، فأشارت دراسة عن محاذاة المشاعر بين البشر والنماذج التوليدية استخدمت نماذج مثل "دال-إ 2" و"دال-إ 3" و"ستابل ديفيوجن" لتوليد 240 صورة تعبّر عن 10 مشاعر إيجابية وسلبية، ثم قيّم المشاركون مدى توافق الصورة مع الشعور المطلوب. وخلص الباحثون إلى أن النماذج أصبحت قادرة على إنتاج تعبيرات عاطفية يقرأها البشر على أنها متوافقة مع المشاعر المقصودة، مع اختلاف الجودة بحسب النموذج ونوع العاطفة. بعبارة أبسط: الآلة لا تشعر، لكنها بدأت تتعلم كيف يبدو الشعور.
وهنا ندخل المنطقة الرمادية. إذا استطاعت الصورة الاصطناعية أن تثير فينا التعاطف، فهل هذا أمر جيد أم خطير؟ قد يكون جيدًا حين يستخدمه فنان لصناعة عالم بصري جديد، أو مؤسسة خيرية لتقريب معاناة بعيدة، أو معالج بصري لمساعدة شخص على التعبير عن شعور لا يعرف كيف يقوله. لكن الخطر يبدأ حين يصبح الإحساس نفسه سلعة مُهندسة، وحين تُصمم الصورة لا لتقول الحقيقة، بل لتتجاوز دفاعاتنا.
خذ مثلًا الحملات الإنسانية، صورة طفل متعب قد تدفع الناس إلى التبرع. لكن إذا كان الطفل مولدًا بالكامل، فمن الذي نساعده؟ هل نخدم قضية حقيقية بصورة رمزية، أم نستغل تعاطفًا حقيقيًا لصورة بلا صاحب؟ وفي الإعلانات، صورة امرأة سعيدة في منزل مثالي قد تبيع منتجًا، لكنها قد تبيع أيضًا وهمًا عن الحياة والجسد والعائلة والنجاح. الذكاء الاصطناعي لا يخترع هذا الخطر، لكنه يسرّعه ويجعله أرخص وأكثر وفرة.
المشكلة ليست أن الصورة الاصطناعية كاذبة دائمًا. أحيانًا تكون الصورة الحقيقية أكثر تضليلًا من صورة مولدة بوضوح. المشكلة في الشفافية. هل يعرف المتلقي أن ما يراه لم يحدث؟ هل يفهم أن هذا الوجه لم يعش الحزن الذي يعرضه؟ هل يدرك أن اللقطة صُممت لتلامس خوفه أو أمله أو وحدته؟ حين تغيب هذه المعرفة، تصبح الصورة الاصطناعية قادرة على التسلل إلى المشاعر من باب الجمال.
ربما علينا أن نتعامل مع الصور المولدة كما نتعامل مع اللغة البلاغية. ليست كل استعارة كذبة، لكنها تصبح خطرة إذا قُدمت بوصفها تقريرًا. الصورة الاصطناعية يمكن أن تكون فنًا، إعلانًا، علاجًا، تعليمًا، أو تلاعبًا. الفارق ليس في الأداة وحدها، بل في النية، والسياق، والإفصاح، ومن يربح من التأثير العاطفي. والصورة الاصطناعية لا تملك قلبًا، لكنها تعرف الطريق إلى قلوبنا، وهنا بالضبط، تبدأ المسؤولية.
    نيسان ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 00:00