تغيّرات مرعبة.. اختفاء مليوني كيلومتر من الجليد يثير قلق العلماء

نيسان ـ نشر في 2026/07/06 الساعة 00:00
قد تبدو القارة القطبية الجنوبية بعيدة كل البعد عن الحياة اليومية، لكن أبحاثًا جديدة تشير إلى أن هذه القارة الجليدية قد يكون لها تأثير أكبر على ظاهرة الاحتباس الحراري مما كان يعتقده العلماء سابقًا.
فقد أشارت دراسة حديثة أجراها الاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض (EGU) إلى وجود صلة أقوى من المتوقع بين الجليد البحري في القطب الجنوبي، والغطاء السحابي، وطريقة تخزين الأرض للحرارة، مما يثير مخاوف جديدة بشأن سرعة ارتفاع درجة حرارة الكوكب في السنوات المقبلة.
القارة القطبية الجنوبية تتغير بسرعة
لطالما كانت القارة القطبية الجنوبية من أصعب الأماكن على وجه الأرض للدراسة. فمناخها متطرف، وتضاريسها نائية، والعديد من عملياتها الطبيعية يصعب رصدها مباشرة. وهذا جزء من سبب غموضها بالنسبة للعلماء لفترة طويلة.
لكن المؤشرات الأخيرة الواردة من المنطقة لا يمكن تجاهلها. ففي سبتمبر 2025، بلغ الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية ثالث أدنى مستوى له على الإطلاق، بعد المستويات المسجلة في عامي 2024 و2023. وفي الوقت نفسه، ظلت درجات الحرارة في المنطقة أعلى من المعدل الطبيعي بأكثر من 25 درجة مئوية لمدة شهر تقريبًا. هذه ليست تغيرات طفيفة، بل هي من نوع التغيرات التي تُشير إلى تحول كبير في النظام المناخي. فكمية الجليد البحري الآن أقل بكثير مما هو متوقع عادةً في هذا الوقت من العام.
عمليًا، تفتقر القارة القطبية الجنوبية حاليًا إلى ما يقرب من مليوني كيلومتر مربع من الجليد البحري مقارنةً بالمتوسط ​​التاريخي الحديث لهذا الوقت من العام، وفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة "فيوتشر ساينس".
بالنسبة لمنطقة تلعب دوراً بالغ الأهمية في تنظيم مناخ الأرض، فإن ذلك يُعد علامة تحذير خطيرة.
لماذا يُعدّ الجليد البحري مهماً للغاية؟
لا يقتصر الجليد البحري على كونه مياها متجمدة تنجرف حول حافة القارة، بل يتحكم في كمية ضوء الشمس المنعكسة عن الأرض، وحركة المياه عبر المحيط، وتبادل الحرارة بين الغلاف الجوي والبحر. فعندما يتقلص الجليد البحري، يمتص المحيط المزيد من الطاقة، مما قد يُسرّع من وتيرة الاحترار.
يُعد المحيط بالفعل أكبر مُستودع حراري على وجه الأرض، إذ يمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة التي تحبسها غازات الاحتباس الحراري. وبدون هذا التأثير المُخفف، سترتفع درجات حرارة الغلاف الجوي بوتيرة أسرع مما هي عليه الآن. لكن لهذا الأمر عواقب وخيمة، فالمحيطات الأكثر دفئًا تتمدد، مما يُساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر. كما يُمكن أن تُؤدي إلى عواصف أشد، وتُخلّ بالتوازن البيئي البحري، وتُسبب موجات حر بحرية أكثر تواترًا. لذا، عندما يتسارع ذوبان الجليد في القطب الجنوبي، لا يقتصر تأثيره على المنطقة فحسب، بل يمتد ليشمل العالم بأسره.
رابط السحابة
تكمن أهمية هذه الدراسة الأخيرة في كشفها عن رابطٍ قلّل العلماء من شأنه سابقًا: الرابط بين الجليد البحري في القطب الجنوبي والغطاء السحابي. فقد وجد باحثون يعملون تحت رعاية الاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض (EGU) أن أنماط السحب وامتصاص المحيط للحرارة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بظروف القطب الجنوبي أكثر مما افترضته العديد من نماذج المناخ. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية لأن السحب قادرة على حبس الحرارة أو عكس ضوء الشمس، وذلك تبعًا لنوعها وارتفاعها وموقعها.
فإذا كانت ظروف القطب الجنوبي تُسهم في تشكيل الغطاء السحابي بعيدًا عن القارة، فإن التغيرات هناك قد تؤثر على الاحترار على نطاق أوسع بكثير. بعبارة أخرى، قد يُساعد القطب الجنوبي في تحديد المناخ السائد في بقية أنحاء العالم. وتشير الدراسة إلى أن العديد من نماذج المناخ قد تستخدم فترات بيانات قصيرة جدًا، مما قد يجعلها تُغفل التقلبات الطبيعية طويلة الأجل. وهذا يعني أن بعض النماذج قد تُقلل من تقدير كمية الحرارة التي يمتصها المحيط ومدى استجابة السحب للتغيرات في الجليد البحري.
النتائج مثيرة للقلق. فبحسب الدراسة، قد يكون امتصاص المحيط للحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عنه أعلى بحلول عام 2100 مما هو متوقع عادةً. كما تشير الأبحاث إلى أن تأثير السحب قد يكون أقوى، وأن حساسية المناخ قد تكون أكبر من التقديرات السابقة.
يشير مصطلح "حساسية المناخ" إلى مدى استجابة الأرض لارتفاع مستويات غازات الاحتباس الحراري. فإذا كانت الحساسية أعلى من المتوقع، فقد يحدث الاحترار بوتيرة أسرع وبقوة أكبر مما افترضته العديد من التوقعات. وتجادل الدراسة بأنه لو كان المحيط الجنوبي أبرد ويحتوي على كمية أكبر من الجليد البحري في فترة ما قبل الثورة الصناعية مما تفترضه النماذج عادةً، لكانت أعماق المحيط أبرد أيضاً. وكان ذلك سيؤثر على تكوين السحب وكيفية توزيع الحرارة في النظام المناخي. وبمرور الوقت، يمكن لهذه الاختلافات أن تُضخّم آثار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
بعبارة أبسط، قد يكون كوكب الأرض أكثر حساسية للاحتباس الحراري الناتج عن النشاط البشري مما كنا نعتقد.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
الاستنتاج الأهم من البحث هو أن القارة القطبية الجنوبية لا ينبغي النظر إليها كزاوية نائية معزولة من العالم، بل هي جزء لا يتجزأ من الآلية التي تتحكم في المناخ العالمي. فعندما يتقلص جليدها البحري، قد تمتد آثار ذلك عبر أنظمة المحيطات، وأنماط الغلاف الجوي، وحتى مستويات سطح البحر. وإذا صحت نتائج الدراسة، فقد يصل الاحترار في المستقبل بوتيرة أسرع وبقوة أكبر مما تشير إليه العديد من التوقعات المناخية. وهذا قد يعني مخاطر أكبر لموجات الحر، والفيضانات، وتضرر النظم البيئية، وغيرها من التأثيرات المناخية التي باتت أكثر شيوعًا بالفعل.يؤكد الباحثون أن هذا يستدعي التحرك العاجل، لا التأخير. ويظل خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أنجع السبل لإبطاء التغيرات الجارية. وكلما انخفضت الانبعاثات أسرع، تحسنت فرص الحد من أسوأ العواقب.
تحذير من الجنوب المتجمد
تبدو القارة القطبية الجنوبية في كثير من الأحيان وكأنها عالمٌ منفصل، لكنها قد تكون في الواقع أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل مناخ الأرض. تُظهر النتائج الجديدة أن الجليد البحري في القارة، وامتصاص المحيط للحرارة، وتأثيرات السحب، كلها تشكل جزءًا من نظام دقيق قد يكون أكثر اضطرابًا مما كان يعتقد العلماء سابقًا.
هذا يجعل البحث الأخير أكثر من مجرد قصة تخص القطب الجنوبي. إنه تذكير بأن ما يحدث في أبرد مكان على وجه الأرض لا يزال بإمكانه أن يؤثر على الحياة في كل مكان آخر.
    نيسان ـ نشر في 2026/07/06 الساعة 00:00