آبي أحمد.. من أضرم النار في إثيوبيا
نيسان ـ نشر في 2026/07/06 الساعة 00:00
من ناجٍ في خنادق الحرب إلى حائزٍ على جائزة نوبل للسلام، ثم إلى رجل الحرب من جديد… سيرة الرجل الذي يرى نفسه "الملك السابع" لإثيوبيا، والخيال الإمبراطوري الذي يقود مشروعه نحو الدائرة التي يقول إنه يريد الخروج منها.
على إحدى الجبهات القريبة من بادمي، تلك البلدة الحدودية الصغيرة المتنازع عليها بين إثيوبيا وإريتريا، لم يكن ثمة ما يوحي بأن لحظة استثنائية على وشك الحدوث. فمثل الكثير من الحروب، مدفعية لا تهدأ، ودخان كثيف، وأجساد تتحرك داخل الخنادق بآلية تأقلمت على الموت والرعب.
في تلك الأثناء، خرج جندي نحيل من مخبئه لثوان معدودة ليُعدل وضع هوائي اتصال اختل موضعه. كانت حركة صغيرة، بلا معنى درامي، أقرب إلى تفصيل تقني لا يجد عادةً مكانًا في ذاكرة الحروب، لكنها كانت كافية لتغيّر مسار حياة ذلك الجندي، وربما مسار بلد بأكمله.
ففي اللحظة نفسها، سقطت قذيفة أبادت وحدته العسكرية بأكملها، بينما بقي هو الناجي الوحيد، كما روى لاحقًا.
لا بفضل شجاعة، ولا بفعل حيلة، بل بالصدفة الخالصة، ظلّ على قيد الحياة. لم يستغرق الأمر أكثر من ومضة، غير أن تلك الومضة سترافقه طوال حياته، كالحدّ الفاصل بين من نجا ومن مُحي من الوجود.
كانت تلك إحدى اللحظات من حرب عام 1998 بين إثيوبيا وإريتريا؛ حرب بين بلدين انفصلا حديثاً، ثم عادا سريعاً إلى الخرائط القديمة والدم الجديد. وعلى امتداد جبهات طويلة من بادمي إلى المرتفعات الشمالية، استنزف الطرفان نفسيهما عامين كاملين، بلا نصر حاسم، وبلا معنى يبرر كل ذلك الدمار.
هذه القصة لن تُعرف من تقارير الجبهات، وإنما ستطفو بعد عقدين، في مكان يبدو أبعد ما يكون عن تلك الخنادق. في أوسلو، عام 2019، حين وقف ذلك الجندي نفسه، وقد صار رئيس وزراء، يروي كيف نجا من القذيفة، وكيف تركت الحرب أثرها العميق في وعيه.
فهناك في أوسلو بدا المشهد مثالياً من حيث الشكل: أصغر رئيس وزراء في أفريقيا آنذاك، يُدعى آبي أحمد، يُقدَّم للعالم بوصفه الرجل الذي أنهى عقدين من العداء بين بلدين "شقيقين"، ويتحدث بلغة مشبعة بألم شخصي أكثر مما هي خطاب سياسي مصقول.
ففي كلماته، بدا السلام وعداً وطموحاً شخصياً لرجل زحف هرباً من الموت في خنادق الحرب، فقال يومها: "أقف اليوم أمامكم لأتحدّث عن السلام بدافع الإيمان؛ فقد زحفتُ نحوه عبر ممرّات الحرب المغبّرة… الحرب تصنع من البشر كائنات قاسية ووحشية. وأنا أعرف ذلك لأنني كنت هناك".
«الحرب تصنع من البشر كائنات قاسية ووحشية… وأنا أعرف ذلك لأنني كنت هناك»
للحظة، بدا صوته قريباً من ذلك الوعي الذي تركه الروائي الألماني إريش ماريا ريمارك في أدب الحرب، حيث لا مجد في الخنادق، ولا بطولة مكتملة في وجه المدافع؛ فقط قتلى يختفون دفعة واحدة، وناجون يخرجون محمّلين بسؤال لا ينتهي: "لماذا مُحوا هم، وبقينا نحن؟"
ومثل ريمارك في روايته، لم ينسَ آبي، على الأقل في خطابه، رفاق السلاح الذين سقطوا على الجبهة. فذكر كيف أنه ما زال يفكر فيهم وفي عائلاتهم، وفي البلاد التي تمزقت بسبب حربٍ لم يكن لها أن تبدأ. فبدا، حينها، في عيون الكثيرين، وكأنه الزعيم الأفريقي الاستثنائي الذي انتظرته القارة طويلاً: مصلح شاب، صانع سلام، وأول رئيس وزراء يعلن هويته الأورومية - أكبر المجموعات الإثنية في البلاد وأكثرها تهميشاً - فعلقت عليه الآمال والقلوب، ورأى فيه كثيرون رجلًا قادرًا على حمل بلد مأزوم من ذاكرة الحرب إلى وعد المصالحة.
لكن التاريخ لا يكتب نهاياته على هوى الخطب والآمال المعلقة، فبعد عامين فقط من رفعه جائزة نوبل للسلام، عاد آبي وارتدى الزي العسكري مرة أخرى. لكن هذه المرة، لا كجندي تقذفه الأوامر إلى الجبهة، وإنما كرجل يمسك بقرار الدولة. فأطلق العنان لحملة عسكرية واسعة في إقليم تيغراي، أقصى شمال البلاد، ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)، الحزب الحاكم للإقليم والقوة التي كانت، يوماً، عمود السلطة داخل الائتلاف الذي صعد منه آبي نفسه.
والأشد مفارقة أن قوات إريتريا، العدو القديم الذي صنع السلام معه مجده الدولي، دخلت الحرب إلى جانبه، لتتحول المعارك خلال أقل من عامين إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين، مع تقديرات تشير إلى نحو 600 ألف قتيل.
ثم، على نحو يكاد يبدو دائرياً، يعود آبي اليوم ليهدد بصراع جديد مع إريتريا ذاتها، وكأن الدائرة التي خرج منها آبي ذات يوم لم تُغلق أبداً!
فبدا أن كثيرين، داخل إثيوبيا وخارجها، وكأنهم أساؤوا قراءة آبي. فمن هو آبي أحمد حقاً؟ أهو الناجي الذي رأى الموت فصار متمسكاً بالسلام؟ أم الزعيم الذي رأى نجاته "تكليفاً إلهياً"، فنسج حول نفسه سردية المخلّص، ولو على حساب بلاده؟
النشأة والنبوءة: طفولة آبي وأثر والدته في إحساسه الرسولي
وُلد آبي أحمد بعد عامين من سقوط الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974، وأطلقت عليه والدته، كما فعل كثيرون في تلك السنوات، اسم "أبيُوت"، وهي كلمة أمهرية تعني "الثورة". وفي بشاشا، البلدة الريفية الصغيرة الواقعة في وسط غرب إثيوبيا، ذات الغالبية من مسلمي الأورومو، نشأ آبي داخل مجتمع واسع ومتنوّع، لكنه شديد التفاوت في موازين السلطة.
فرغم أن الأورومو يشكّلون القومية الأكبر في إثيوبيا -(نحو 35–36%) من أكثر من 130 مليون نسمة - ظلّوا على مدى عقود خارج دائرة النفوذ السياسي والاقتصادي. إذ يتكوّن المجتمع الإثيوبي من فسيفساء عرقية تضم تسع قوميات رئيسية وأكثر من 80 فرعية، غير أنّ مقاليد الحكم بقيت تاريخياً بيد الأمهرة (نحو 25%)، قبل أن تنتقل منذ عام 1991 إلى أقلية التيغراي المحدودة عدداً (حوالي 6.1%)، التي أحكمت قبضتها على مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية.
وعلى هذه الخلفية، أشعل سقوط هيلا سيلاسي حينها أملاً واسعاً في الأطراف البعيدة من الإمبراطورية، ولا سيما في منطقة "جِمّة" التي فقدت حكمها الإسلامي الموروث قبل عقود. ومع الشعار الجديد "الأرض لمن يفلحها"، بدا وكأن فقراء الإمبراطورية المقهورين، ومن بينهم كثير من الأورومو، يقفون أخيراً على عتبة زمن مختلف.
لكن حين وضعت "تزيتا وُلدِي" - الزوجة الرابعة لأحمد علي، الفلاح والشيخ الأورومي المسلم – طفلها الرابع والأصغر "أبيُوت أحمد" علي بعد عامين فقط من الثورة، كان ذلك الأمل قد بدأ يتلاشى سريعاً.
فمع فراغ السلطة، خرجت نخبة عسكرية جديدة تُعرف باسم "الدرغ" إلى الواجهة - وهي لجنة من الضباط الشباب سيطرت على الدولة تدريجياً، حاملة خطاب الثورة بيد، والقمع باليد الأخرى.
ومع تربع منغستو هيلا مريام على رأس السلطة، صارت المطاردات والإعدامات مشهداً يومياً في المدن، فأصبح المناخ قاسياً إلى حد غير مسبوق تقريباً في التاريخ الإثيوبي. ورغم أن منغستو كان يُقال إن له أصولاً أورومية أو جنوبية، فإنّه هو وضباط الدرغ أبقوا النفوذ الحقيقي في الدولة كما كان: لغة أمهرية، وإدارة مركزية، وهوية سياسية لم تُفتح نوافذها لتنوّع البلاد.
صحيح أن الدرغ اعترف بوجود "مسألة قومية" تحتاج إلى حل، وأقرّ رسمياً بالتنوع اللغوي، وأصدر كتباً مدرسية بـ15 لغة محلية؛ لكنه لم يقترب من جوهر الأزمة. فقد بقيت الهيمنة الأمهرية، ومعها الامتياز التاريخي للمسيحية الأرثوذكسية، خارج أي معالجة جذرية.
في قلب هذا التحول، وقبيل أن يطلق الدرغ حملة التأميم الواسعة، كان أحمد علي، والد آبي، فلاحاً أورومياً ميسوراً بقدر ما تسمح به بلدة صغيرة مثل بشاشا. فكان يملك قطعاً من الأرض ومحالّ تجارية محدودة في وسط البلدة؛ أي إنه لم يكن يشبه فقراء الأورومو الذين حُرموا الأرض والاعتبار طوال عقود. غير أن التأميم لن يترك له في النهاية سوى منزله وبعض محاله، بينما بقيت العائلة الكبيرة، بأفواهها الكثيرة، تطلب ما كانت تطلبه من قبل.
ومع ازدياد قسوة الدرغ واتساع المقاومة في الريف، وجد أحمد علي نفسه أقرب إلى دعم جبهة تحرير أورومو (OLF). فراح يفتح بيته ومحيطه للمقاتلين العابرين من الغابات، ويوفر لهم ما يستطيع من طعام ومال. وشيئاً فشيئاً، صارت بشاشا واحدة من نقاط المقاومة الأورومية النشطة. عندها أدرك الأب أن اسم "أبيوت"، بما يحمله من دلالات سياسية ثقيلة، قد يجرّ على ابنه خطراً لا قدرة لطفل على احتماله. فطلب منه أن يكتفي بالاسم الأخف: "آبي".
ورغم كل تلك التفاصيل، تبقى السنوات الأولى من حياة آبي محاطة بغموض لافت. فمنذ أن وصل إلى السلطة عام 2018، لم يمنح طفولته رواية صلبة يمكن الركون إليها؛ إذ يفتح منها باباً ويغلق آخر، ويقدّم حكايات تتبدل بتبدل السامعين. لذلك لم يكن غريباً أن يقول أحد زملائه: "لقد روى عدداً هائلاً من القصص. قد يخبرك بأمر في المساء، ثم يقول نقيضه صباح اليوم التالي".
ففي بعض المناسبات، كان آبي يروي لأصدقائه ومؤيديه أن نشأته كانت أيسر من حياة كثير من أطفال بشاشا؛ إذ يقول إنه تربّى في بيت نظيف دائماً، واعتاد ركوب السيارة والسفر بها منذ صغره. ثم يعود، في سياقات أخرى، ليرسم صورة مناقضة تماماً: بلدة فقيرة لا تتجاوز، في وصفه، "قرية بلا كهرباء ولا تلفزيون ولا طرق معبّدة"، وليالٍ درس فيها مع إخوته على ضوء مصابيح الكيروسين، قبل أن يجلبوا الماء من الينابيع القريبة.
أما الثابت في حكايات آبي عن نفسه، فهو سيرة أمّه، كما يوردها توم غاردنر، مراسل مجلة "الإيكونوميست" في أفريقيا، في كتابه "مشروع آبي: الإله والسلطة والحرب في إثيوبيا الجديدة". فقد جاءت "تِزِيتا" من عالم أرثوذكسي لم تغادره كاملاً. ورغم أنها اعتنقت الإسلام رسمياً، وربّت أبناءها مسلمين، ودُفنت على هذا الأساس عند وفاتها عام 2017، فإنها ظلّت ترتدي زيّ المسيحيات، وترسم إشارة الصليب كلما مرّت قرب الكنيسة الأرثوذكسية الوحيدة في بشاشا في أيام القديسين.
وكانت تِزِيتا، التي أنجبت ولدين قبل زواجها من والد آبي، امرأة قوية ومستقلة. ربّت آبي وإخوته، إلى حدّ كبير، بمفردها في منزل متداعٍ، وكانت تؤمّن قوتها من بيع مشروب "التِج" التقليدي المصنوع من العسل. وحين استعاد آبي صورتها لاحقاً، قال: "كانت أمي بطلة. كانت صلبة، مثل النساء اللواتي يستطعن طهو قدرين أو 3 في الوقت نفسه".
صوتٌ مقدس من الطفولة يهمس بالعرش لآبي!
يبدو أن تِزِيتا تركت أثراً عميقاً في ابنها الأصغر، إذ غرست فيه مبكراً شعوراً بمصير شخصي استثنائي. فقد كتب آبي لاحقاً أن أمه كانت تناديه، في لحظات الصفاء، بـ"موتي"، وهي كلمة في لغة الأورومو تعني "الملك"، رغم سمعته حينها بوصفه طفلاً مشاكساً وضعيف الأداء الدراسي.
إذ يروي آبي أنها أخبرته، وهو صغير، بأن قدراً عظيماً ينتظره، بل وتنبأت له بأنه سيصبح "الملك السابع" لإثيوبيا؛ أي الحاكم السابع منذ الإمبراطور منليك الثاني، الذي ارتبط اسمه بتأسيس إثيوبيا الحديثة في القرن التاسع عشر.
بينما يذهب آبي، في روايته عن نفسه، إلى الادعاء بأن زملاءه في المدرسة الابتدائية كانوا يرونه، في تلك السنوات، طفلاً معدّاً للعظمة. إذ قال: "كان جميع التلاميذ يعرفونني كملك. لذلك كنت أقرأ وأسعى وأنا أفترض أن المُلك سيأتي". فترسّخت هذه النبوءة في وجدان الصبي الحالم لتمنحه إحساساً رسولياً بأنه مبعوث العناية لإحياء مجد إثيوبيا. فإذا كانت إثيوبيا أرضاً مقدسة مختارة كما تؤمن الثقافة الشعبية، فليس من الغريب أن يكون رئيسها صاحب رسالة لإحياء مجد أمة من جديد ويقودها نحو الخلاص!
ومع مرور الزمن، لم يخمد هذا الشعور داخل الطفل آبي، بل كبر معه واكتسب طابعاً دينياً أوضح. ففي إحدى رواياته لإخوته في الكنيسة بعد تحوله إلى المسيحية، عاد بذاكرته إلى حرب عام 2000، معتبراً أن لحظة نجاته كانت اللحظة التي "انكشف له فيها قصد الله". ومنذ ذلك الوقت، قرر أن يصبح بروتستانتياً بنتكوستالياً، كأن مساراً روحياً وسياسياً بدأ يتشكل في وعيه؛ مسار يرى فيه نفسه "مبعوثاً إلهياً" يحمل مهمة تتجاوز مجرد الوصول إلى السلطة.
وقد ذكر القس بكيلي ولدكيدان، أحد مرشديه الروحيين الأوائل في الكنيسة، أن آبي كان يأتي إلى مكتبه ليخبره، بثقة، أنه مقتنع منذ شبابه بأنه مقدّر له أن يصبح رئيساً للوزراء. ومع السنين، واجه كثيرون، من زملائه في الحزب إلى مسؤولين أجانب، هذا المزيج نفسه من الثقة والهوس الحتمي بالنفس الممزوج بإحساس ديني بالرسالة.
وتذهب مقالة أكاديمية صادرة عن جامعة كامبريدج، بعنوان "دين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد: الخمسينية، إنجيل الازدهار، وقوة التفكير الإيجابي"، إلى شرح كيف يؤدي البعد الديني دوراً أساسياً في تشكيل رؤية آبي للقيادة والسلطة؛ إذ "يبدو أن لدى آبي يقيناً لا يتزعزع بقدرته على الحكم، وأنه مبعوث من الله ومختاراً إلهياً للقيادة".
وقد غذّى هذا البناء عدد من الوعّاظ الخمسينيين، وهم دعاة ينتمون إلى تيار مسيحي إنجيلي حديث يركّز على الاختبار الشخصي للإيمان، والشفاء، والنبوءة، وفكرة أن النجاح قد يكون علامة على عناية إلهية خاصة. ومع آبي، تحوّل هذا المعجم إلى لغة سياسية شبه مقدسة: شبّهه الواعظ إسرائيل دينسا بـ"موسى"، وأعلنه "نبياً"، بينما رأى رئيس الوزراء السابق هيلا مريام ديسالين، المنتمي هو الآخر إلى خلفية خمسينية، أن وصوله إلى السلطة كان "مقرراً من الله". هكذا تداخلت النبوءة العائلية، والإيمان الخمسيني، وخطاب الدولة، لتتشكل حول آبي هالة رجل لا يرى نفسه صاعداً إلى الحكم، وإنما مدفوعاً إليه من السماء.
من الدولة التي صاغته.. لا من الدولة التي ورثها
لفهم آبي أحمد على نحو أشمل، لا بد أيضاً من التوقف لفهم الدولة التي سبقت وصوله إلى السلطة؛ كخلفية تاريخية، والأهم بوصفها البنية التي تشكّل داخلها، ثم تمرّد عليها لاحقاً.
لنعد إلى عام 1991، حين انهار نظام "الدرغ" بعد سنوات من الحروب والمجاعات والعزلة الدولية. حينها تكبد النظام ضربة قاصمة جاءت من الشمال، حيث راكمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قوة عسكرية وتنظيمية حاسمة، فيما كانت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا تُنهي فعلياً الوجود الإثيوبي في الإقليم بعد سقوط ميناء مصوع. ومع تفكك الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة، وانحسار الدعم الخارجي، انهار الجيش، وفرّ منغستو، ودخلت قوات الائتلاف المعارض أديس أبابا بلا مقاومة تُذكر.
كان ذلك الائتلاف المنتصر، المعروف باسم الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، يقدّم نفسه بوصفه صيغة جديدة لإثيوبيا متعددة القوميات. غير أن قلبه السياسي والعسكري ظل محكوماً بنواة تيغرانية صلبة. ومن موقع المنتصر، شرعت الجبهة في إعادة هندسة الدولة من الأعلى، عبر فدرالية إثنية منحت "الأمم والقوميات" حق الحكم الذاتي، بل وحتى حق الانفصال، كما نص دستور 1995. فبدا المشروع ثورياً، للوهلة الأولى، وانقلاباً على إرث طويل من المركزية القمعية، واعترافاً رسمياً بالتركيب المتعدد للبلاد.
وتحت قيادة ملس زيناوي، الرجل الذي حكم إثيوبيا بعقلية الثائر ورجل الدولة الصارم، مضت البلاد في مشروع تنمية سريع. صارت أديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي، وبنت الدولة جيشاً قوياً، وقدّمت نفسها بوصفها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.
غير أن هذه الصورة اللامعة للنظام الإثيوبي حملت تناقضها الخاص؛ فقد اعترفت بالتعدد، ثم أبقت السلطة الحقيقية قريبة من مركز ضيق. ومن ذلك المركز، حكمت الجبهة بقبضة قاسية، فسجنت الصحافيين، ولاحقت المعارضين، وضيّقت المجال السياسي كلما شعرت بأن التعدد قد يتحول إلى تهديد.
فبينما مُنحت الأقاليم سلطات واسعة نظرياً، بقيت مفاصل القوة الحقيقية - الجيش، والأمن، والقرار السياسي - مركّزة في يد الجبهة، وتحديداً نخبتها التيغرانية. وتحوّلت الفيدرالية، عملياً، إلى صيغة حكم مركزي بلباس تعددي، ما راكم احتقاناً أخذ يتصاعد بصمت لدى القوميات الأكبر، خصوصاً لدى الأورومو، أكبر القوميات الإثيوبية وأكثرها شعوراً بأن الاعتراف لم يتحول إلى نفوذ حقيقي.
كيف رأت الحركات المسلحة الأخرى هذا النظام؟
لذلك، لم تُستقبَل الفيدرالية الجديدة بين الأورومو بوصفها تسوية تاريخية قادرة على طيّ إرث المركزية، وإنما بدت، في نظر قطاع واسع من حركتهم السياسية، ترتيباً سلطوياً جديداً بلغة أكثر نعومة. فبالنسبة إلى "جبهة تحرير أورومو"، الحركة الأعمق حضوراً في الوجدان الأورومي آنذاك، كان مشروع الجبهة الثورية الديمقراطية ما هو إلا إعادة إنتاج منقّحة لاحتكار السلطة؛ حيث تختلط حدود الدولة بالحزب والأجهزة، وتُدار أوروميا عبر الاعتقال، وإضعاف القيادات المحلية، والقبض على مفاصل الحكم القاعدي.
ومع اقتراب أول انتخابات، وتحوّل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، انسحبت "جبهة تحرير أورومو" من المسار الانتقالي، معلنة العودة إلى السلاح. وسرعان ما عادت أجزاء واسعة من غرب وجنوب أوروميا إلى مناخ حرب قصيرة، أعادت فتح سؤال السلطة من جديد.
بينما في الشرق، رأت "جبهة تحرير أوغادين" - الساعية إلى حكم ذاتي لإقليم أوغادين الحدودي مع الصومال - في الفيدرالية الإثنية هندسةً سياسية مصطنعة لا تلامس جوهر التهميش التاريخي، بل تعيد إنتاجه داخل إطار قانوني جديد. أما الإريتريون، ممثَّلين في الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، فتعاملوا مع السلطة الجديدة في أديس أبابا ببراغماتية باردة: شراكة مؤقتة لإسقاط العدو المشترك، لا تحالفاً استراتيجياً طويل الأمد. وما إن انقضت الضرورة، حتى انكشفت هشاشتها مع حرب 1998 - 2000.
وسط هذا المجتمع وهذه الحالة المتشظية والمتناقضة، تشكّل وعي آبي أحمد. إذ كانت الفيدرالية تمنح بعض الجماعات حضوراً رسمياً، لكنها لم تُنتج حواراً وطنياً ولا مصالحة حقيقية. وبدلاً من أن تُخفّف الاحتقان، عمّقت "محاولة التصحيح التاريخي" وعياً إثنياً متزايداً لدى الجميع، من دون إجابة عن السؤال المؤجَّل: "هل إثيوبيا أمة واحدة متعددة الأعراق؟ أم اتحاد أمم، لكل منها حق تقرير المصير والانفصال؟". فخرجت هذه الأسئلة من نطاق النظريات والجدالات السياسية بين النخب، لتصبح جزءاً من الهواء الذي تنفّسه جيل آبي، إلى جانب مشاهد الحرب والانقسام.
من بشاشا إلى القصر: من نبوءة العرش إلى حسابات القوة
في هذا المناخ المشحون، بدا انضمام الشاب القادم من بشاشا، آبي أحمد، إلى "المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو" (OPDO) خطوة مربكة لكثيرين. فهذه المنظمة لم تكن، في نظر قطاع واسع من الأورومو، التعبير الأصيل عن قضيتهم، وإنما حزباً تابعاً للائتلاف الحاكم، ومُداراً إلى حد كبير من القيادة التيغرانية المسيطرة على الدولة.
في المقابل، كانت "جبهة تحرير أورومو" (OLF) تمثل، في الوجدان الأورومي، الحركة التاريخية الأكثر ارتباطاً بفكرة التحرر القومي. صحيح أن كثيرين اختلفوا مع خيارها المسلح، لكنها احتفظت بشرعية رمزية وثورية عميقة، خصوصاً في مناطق مثل بشاشا. لذلك بدا اختيار آبي غريباً؛ فبدلاً من أن يلتحق بالحركة التي حملت حلم الأورومو، اختار التنظيم الذي رآه كثيرون واجهة أورومية داخل سلطة يهيمن عليها التيغراي.
لكن كثيرين سيدركون لاحقاً أن اختيار آبي لم يكن عفوياً أو غريباً كما بدا أول الأمر، بقدر ما كان قراءة مبكرة لموازين القوة. ففي إثيوبيا التي أعادت تعريف نفسها دولةً فدرالية، بقي القرار الحقيقي متركزاً في يد السلطة الحاكمة. ففهم آبي مبكراً أن الطريق إلى النفوذ والسلطة يمر عبر التنظيمات التي تعمل من داخل النظام، لا عبر الحركات المعارضة.
ومن هناك بدأ آبي مساره، وفي داخله تناقض لن يفارقه؛ فهو شاب أورومي قادم من بيئة تشعر بالتهميش، لكنه يصعد داخل بنية سياسية لا تمنح فرصها إلا لمن يقبل شروطها. وسيظل هذا التوتر حاضراً في تجربته، منذ بداياته الأولى حتى وصوله إلى القصر.
إذ تربط بعض الروايات هذا التحول بواقعة شديدة القسوة في حياته. فكما يورد توم غاردنر في كتابه "مشروع آبي: الإله والسلطة والحرب في إثيوبيا الجديدة"، قُتل شقيق آبي الأكبر، قدير، عام 1992، بعد اتهامه من جبهة تحرير أورومو بالتعاون مع الحكومة. وبالرغم من أنه لم يُحسم مدى صحة ذلك الاتهام، يُذكر أن الصدمة كانت بالغة الأثر على آبي المراهق آنذاك. إذ يروي أحد أصدقائه قائلاً: "تغيّر آبي تلك الليلة… قال لي: يجب أن ننضم إلى النضال، ولم أفهم آنذاك ما الذي كان يقصده".
بعد الحادثة، يقول والده إن آبي، وكان حينها تلميذاً في مدرسة بأغارو، فرّ لفترة قصيرة إلى أديس أبابا، وقطع تعليمه الرسمي. ويبدو أن تلك المرحلة كانت بداية ارتباطه بـ"المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو"، الحزب الأقل شعبية والأضعف تنظيماً في أوروميا، والأبعد عن الروح الثورية التي جذبت كثيرين من أبناء جيله. كان آبي يومها في 14 فقط، ولم يكن قد أكمل دراسته الثانوية.
لكن هذا الحزب الضعيف كان، في نظر آبي، الطريق الواقعي إلى مركز القرار. فبحسب غاردنر، كان اختياره الانضمام إليه "أول إشارة إلى حدسه السياسي المبكر". فـ"جبهة تحرير أورومو"، على اتساع شعبيتها ورمزيتها، بدت سريعاً خارج معادلة السلطة لسنوات طويلة. أما المنظمة الديمقراطية، على هشاشتها، فكانت البوابة العملية للصعود داخل النظام الجديد.
وبحلول عام 1993، صار واضحاً أن من أراد مستقبلاً سياسياً في إثيوبيا الجديدة، فعليه أن يكون داخل هذا المعسكر. أدرك آبي ذلك مبكراً، وبدأ يبحث لنفسه عن موضع داخل النخبة الأورومية الجديدة التي كانت تتشكل، لأول مرة، من داخل الدولة لا من خارجها.
على إحدى الجبهات القريبة من بادمي، تلك البلدة الحدودية الصغيرة المتنازع عليها بين إثيوبيا وإريتريا، لم يكن ثمة ما يوحي بأن لحظة استثنائية على وشك الحدوث. فمثل الكثير من الحروب، مدفعية لا تهدأ، ودخان كثيف، وأجساد تتحرك داخل الخنادق بآلية تأقلمت على الموت والرعب.
في تلك الأثناء، خرج جندي نحيل من مخبئه لثوان معدودة ليُعدل وضع هوائي اتصال اختل موضعه. كانت حركة صغيرة، بلا معنى درامي، أقرب إلى تفصيل تقني لا يجد عادةً مكانًا في ذاكرة الحروب، لكنها كانت كافية لتغيّر مسار حياة ذلك الجندي، وربما مسار بلد بأكمله.
ففي اللحظة نفسها، سقطت قذيفة أبادت وحدته العسكرية بأكملها، بينما بقي هو الناجي الوحيد، كما روى لاحقًا.
لا بفضل شجاعة، ولا بفعل حيلة، بل بالصدفة الخالصة، ظلّ على قيد الحياة. لم يستغرق الأمر أكثر من ومضة، غير أن تلك الومضة سترافقه طوال حياته، كالحدّ الفاصل بين من نجا ومن مُحي من الوجود.
كانت تلك إحدى اللحظات من حرب عام 1998 بين إثيوبيا وإريتريا؛ حرب بين بلدين انفصلا حديثاً، ثم عادا سريعاً إلى الخرائط القديمة والدم الجديد. وعلى امتداد جبهات طويلة من بادمي إلى المرتفعات الشمالية، استنزف الطرفان نفسيهما عامين كاملين، بلا نصر حاسم، وبلا معنى يبرر كل ذلك الدمار.
هذه القصة لن تُعرف من تقارير الجبهات، وإنما ستطفو بعد عقدين، في مكان يبدو أبعد ما يكون عن تلك الخنادق. في أوسلو، عام 2019، حين وقف ذلك الجندي نفسه، وقد صار رئيس وزراء، يروي كيف نجا من القذيفة، وكيف تركت الحرب أثرها العميق في وعيه.
فهناك في أوسلو بدا المشهد مثالياً من حيث الشكل: أصغر رئيس وزراء في أفريقيا آنذاك، يُدعى آبي أحمد، يُقدَّم للعالم بوصفه الرجل الذي أنهى عقدين من العداء بين بلدين "شقيقين"، ويتحدث بلغة مشبعة بألم شخصي أكثر مما هي خطاب سياسي مصقول.
ففي كلماته، بدا السلام وعداً وطموحاً شخصياً لرجل زحف هرباً من الموت في خنادق الحرب، فقال يومها: "أقف اليوم أمامكم لأتحدّث عن السلام بدافع الإيمان؛ فقد زحفتُ نحوه عبر ممرّات الحرب المغبّرة… الحرب تصنع من البشر كائنات قاسية ووحشية. وأنا أعرف ذلك لأنني كنت هناك".
«الحرب تصنع من البشر كائنات قاسية ووحشية… وأنا أعرف ذلك لأنني كنت هناك»
للحظة، بدا صوته قريباً من ذلك الوعي الذي تركه الروائي الألماني إريش ماريا ريمارك في أدب الحرب، حيث لا مجد في الخنادق، ولا بطولة مكتملة في وجه المدافع؛ فقط قتلى يختفون دفعة واحدة، وناجون يخرجون محمّلين بسؤال لا ينتهي: "لماذا مُحوا هم، وبقينا نحن؟"
ومثل ريمارك في روايته، لم ينسَ آبي، على الأقل في خطابه، رفاق السلاح الذين سقطوا على الجبهة. فذكر كيف أنه ما زال يفكر فيهم وفي عائلاتهم، وفي البلاد التي تمزقت بسبب حربٍ لم يكن لها أن تبدأ. فبدا، حينها، في عيون الكثيرين، وكأنه الزعيم الأفريقي الاستثنائي الذي انتظرته القارة طويلاً: مصلح شاب، صانع سلام، وأول رئيس وزراء يعلن هويته الأورومية - أكبر المجموعات الإثنية في البلاد وأكثرها تهميشاً - فعلقت عليه الآمال والقلوب، ورأى فيه كثيرون رجلًا قادرًا على حمل بلد مأزوم من ذاكرة الحرب إلى وعد المصالحة.
لكن التاريخ لا يكتب نهاياته على هوى الخطب والآمال المعلقة، فبعد عامين فقط من رفعه جائزة نوبل للسلام، عاد آبي وارتدى الزي العسكري مرة أخرى. لكن هذه المرة، لا كجندي تقذفه الأوامر إلى الجبهة، وإنما كرجل يمسك بقرار الدولة. فأطلق العنان لحملة عسكرية واسعة في إقليم تيغراي، أقصى شمال البلاد، ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)، الحزب الحاكم للإقليم والقوة التي كانت، يوماً، عمود السلطة داخل الائتلاف الذي صعد منه آبي نفسه.
والأشد مفارقة أن قوات إريتريا، العدو القديم الذي صنع السلام معه مجده الدولي، دخلت الحرب إلى جانبه، لتتحول المعارك خلال أقل من عامين إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين، مع تقديرات تشير إلى نحو 600 ألف قتيل.
ثم، على نحو يكاد يبدو دائرياً، يعود آبي اليوم ليهدد بصراع جديد مع إريتريا ذاتها، وكأن الدائرة التي خرج منها آبي ذات يوم لم تُغلق أبداً!
فبدا أن كثيرين، داخل إثيوبيا وخارجها، وكأنهم أساؤوا قراءة آبي. فمن هو آبي أحمد حقاً؟ أهو الناجي الذي رأى الموت فصار متمسكاً بالسلام؟ أم الزعيم الذي رأى نجاته "تكليفاً إلهياً"، فنسج حول نفسه سردية المخلّص، ولو على حساب بلاده؟
النشأة والنبوءة: طفولة آبي وأثر والدته في إحساسه الرسولي
وُلد آبي أحمد بعد عامين من سقوط الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974، وأطلقت عليه والدته، كما فعل كثيرون في تلك السنوات، اسم "أبيُوت"، وهي كلمة أمهرية تعني "الثورة". وفي بشاشا، البلدة الريفية الصغيرة الواقعة في وسط غرب إثيوبيا، ذات الغالبية من مسلمي الأورومو، نشأ آبي داخل مجتمع واسع ومتنوّع، لكنه شديد التفاوت في موازين السلطة.
فرغم أن الأورومو يشكّلون القومية الأكبر في إثيوبيا -(نحو 35–36%) من أكثر من 130 مليون نسمة - ظلّوا على مدى عقود خارج دائرة النفوذ السياسي والاقتصادي. إذ يتكوّن المجتمع الإثيوبي من فسيفساء عرقية تضم تسع قوميات رئيسية وأكثر من 80 فرعية، غير أنّ مقاليد الحكم بقيت تاريخياً بيد الأمهرة (نحو 25%)، قبل أن تنتقل منذ عام 1991 إلى أقلية التيغراي المحدودة عدداً (حوالي 6.1%)، التي أحكمت قبضتها على مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية.
وعلى هذه الخلفية، أشعل سقوط هيلا سيلاسي حينها أملاً واسعاً في الأطراف البعيدة من الإمبراطورية، ولا سيما في منطقة "جِمّة" التي فقدت حكمها الإسلامي الموروث قبل عقود. ومع الشعار الجديد "الأرض لمن يفلحها"، بدا وكأن فقراء الإمبراطورية المقهورين، ومن بينهم كثير من الأورومو، يقفون أخيراً على عتبة زمن مختلف.
لكن حين وضعت "تزيتا وُلدِي" - الزوجة الرابعة لأحمد علي، الفلاح والشيخ الأورومي المسلم – طفلها الرابع والأصغر "أبيُوت أحمد" علي بعد عامين فقط من الثورة، كان ذلك الأمل قد بدأ يتلاشى سريعاً.
فمع فراغ السلطة، خرجت نخبة عسكرية جديدة تُعرف باسم "الدرغ" إلى الواجهة - وهي لجنة من الضباط الشباب سيطرت على الدولة تدريجياً، حاملة خطاب الثورة بيد، والقمع باليد الأخرى.
ومع تربع منغستو هيلا مريام على رأس السلطة، صارت المطاردات والإعدامات مشهداً يومياً في المدن، فأصبح المناخ قاسياً إلى حد غير مسبوق تقريباً في التاريخ الإثيوبي. ورغم أن منغستو كان يُقال إن له أصولاً أورومية أو جنوبية، فإنّه هو وضباط الدرغ أبقوا النفوذ الحقيقي في الدولة كما كان: لغة أمهرية، وإدارة مركزية، وهوية سياسية لم تُفتح نوافذها لتنوّع البلاد.
صحيح أن الدرغ اعترف بوجود "مسألة قومية" تحتاج إلى حل، وأقرّ رسمياً بالتنوع اللغوي، وأصدر كتباً مدرسية بـ15 لغة محلية؛ لكنه لم يقترب من جوهر الأزمة. فقد بقيت الهيمنة الأمهرية، ومعها الامتياز التاريخي للمسيحية الأرثوذكسية، خارج أي معالجة جذرية.
في قلب هذا التحول، وقبيل أن يطلق الدرغ حملة التأميم الواسعة، كان أحمد علي، والد آبي، فلاحاً أورومياً ميسوراً بقدر ما تسمح به بلدة صغيرة مثل بشاشا. فكان يملك قطعاً من الأرض ومحالّ تجارية محدودة في وسط البلدة؛ أي إنه لم يكن يشبه فقراء الأورومو الذين حُرموا الأرض والاعتبار طوال عقود. غير أن التأميم لن يترك له في النهاية سوى منزله وبعض محاله، بينما بقيت العائلة الكبيرة، بأفواهها الكثيرة، تطلب ما كانت تطلبه من قبل.
ومع ازدياد قسوة الدرغ واتساع المقاومة في الريف، وجد أحمد علي نفسه أقرب إلى دعم جبهة تحرير أورومو (OLF). فراح يفتح بيته ومحيطه للمقاتلين العابرين من الغابات، ويوفر لهم ما يستطيع من طعام ومال. وشيئاً فشيئاً، صارت بشاشا واحدة من نقاط المقاومة الأورومية النشطة. عندها أدرك الأب أن اسم "أبيوت"، بما يحمله من دلالات سياسية ثقيلة، قد يجرّ على ابنه خطراً لا قدرة لطفل على احتماله. فطلب منه أن يكتفي بالاسم الأخف: "آبي".
ورغم كل تلك التفاصيل، تبقى السنوات الأولى من حياة آبي محاطة بغموض لافت. فمنذ أن وصل إلى السلطة عام 2018، لم يمنح طفولته رواية صلبة يمكن الركون إليها؛ إذ يفتح منها باباً ويغلق آخر، ويقدّم حكايات تتبدل بتبدل السامعين. لذلك لم يكن غريباً أن يقول أحد زملائه: "لقد روى عدداً هائلاً من القصص. قد يخبرك بأمر في المساء، ثم يقول نقيضه صباح اليوم التالي".
ففي بعض المناسبات، كان آبي يروي لأصدقائه ومؤيديه أن نشأته كانت أيسر من حياة كثير من أطفال بشاشا؛ إذ يقول إنه تربّى في بيت نظيف دائماً، واعتاد ركوب السيارة والسفر بها منذ صغره. ثم يعود، في سياقات أخرى، ليرسم صورة مناقضة تماماً: بلدة فقيرة لا تتجاوز، في وصفه، "قرية بلا كهرباء ولا تلفزيون ولا طرق معبّدة"، وليالٍ درس فيها مع إخوته على ضوء مصابيح الكيروسين، قبل أن يجلبوا الماء من الينابيع القريبة.
أما الثابت في حكايات آبي عن نفسه، فهو سيرة أمّه، كما يوردها توم غاردنر، مراسل مجلة "الإيكونوميست" في أفريقيا، في كتابه "مشروع آبي: الإله والسلطة والحرب في إثيوبيا الجديدة". فقد جاءت "تِزِيتا" من عالم أرثوذكسي لم تغادره كاملاً. ورغم أنها اعتنقت الإسلام رسمياً، وربّت أبناءها مسلمين، ودُفنت على هذا الأساس عند وفاتها عام 2017، فإنها ظلّت ترتدي زيّ المسيحيات، وترسم إشارة الصليب كلما مرّت قرب الكنيسة الأرثوذكسية الوحيدة في بشاشا في أيام القديسين.
وكانت تِزِيتا، التي أنجبت ولدين قبل زواجها من والد آبي، امرأة قوية ومستقلة. ربّت آبي وإخوته، إلى حدّ كبير، بمفردها في منزل متداعٍ، وكانت تؤمّن قوتها من بيع مشروب "التِج" التقليدي المصنوع من العسل. وحين استعاد آبي صورتها لاحقاً، قال: "كانت أمي بطلة. كانت صلبة، مثل النساء اللواتي يستطعن طهو قدرين أو 3 في الوقت نفسه".
صوتٌ مقدس من الطفولة يهمس بالعرش لآبي!
يبدو أن تِزِيتا تركت أثراً عميقاً في ابنها الأصغر، إذ غرست فيه مبكراً شعوراً بمصير شخصي استثنائي. فقد كتب آبي لاحقاً أن أمه كانت تناديه، في لحظات الصفاء، بـ"موتي"، وهي كلمة في لغة الأورومو تعني "الملك"، رغم سمعته حينها بوصفه طفلاً مشاكساً وضعيف الأداء الدراسي.
إذ يروي آبي أنها أخبرته، وهو صغير، بأن قدراً عظيماً ينتظره، بل وتنبأت له بأنه سيصبح "الملك السابع" لإثيوبيا؛ أي الحاكم السابع منذ الإمبراطور منليك الثاني، الذي ارتبط اسمه بتأسيس إثيوبيا الحديثة في القرن التاسع عشر.
بينما يذهب آبي، في روايته عن نفسه، إلى الادعاء بأن زملاءه في المدرسة الابتدائية كانوا يرونه، في تلك السنوات، طفلاً معدّاً للعظمة. إذ قال: "كان جميع التلاميذ يعرفونني كملك. لذلك كنت أقرأ وأسعى وأنا أفترض أن المُلك سيأتي". فترسّخت هذه النبوءة في وجدان الصبي الحالم لتمنحه إحساساً رسولياً بأنه مبعوث العناية لإحياء مجد إثيوبيا. فإذا كانت إثيوبيا أرضاً مقدسة مختارة كما تؤمن الثقافة الشعبية، فليس من الغريب أن يكون رئيسها صاحب رسالة لإحياء مجد أمة من جديد ويقودها نحو الخلاص!
ومع مرور الزمن، لم يخمد هذا الشعور داخل الطفل آبي، بل كبر معه واكتسب طابعاً دينياً أوضح. ففي إحدى رواياته لإخوته في الكنيسة بعد تحوله إلى المسيحية، عاد بذاكرته إلى حرب عام 2000، معتبراً أن لحظة نجاته كانت اللحظة التي "انكشف له فيها قصد الله". ومنذ ذلك الوقت، قرر أن يصبح بروتستانتياً بنتكوستالياً، كأن مساراً روحياً وسياسياً بدأ يتشكل في وعيه؛ مسار يرى فيه نفسه "مبعوثاً إلهياً" يحمل مهمة تتجاوز مجرد الوصول إلى السلطة.
وقد ذكر القس بكيلي ولدكيدان، أحد مرشديه الروحيين الأوائل في الكنيسة، أن آبي كان يأتي إلى مكتبه ليخبره، بثقة، أنه مقتنع منذ شبابه بأنه مقدّر له أن يصبح رئيساً للوزراء. ومع السنين، واجه كثيرون، من زملائه في الحزب إلى مسؤولين أجانب، هذا المزيج نفسه من الثقة والهوس الحتمي بالنفس الممزوج بإحساس ديني بالرسالة.
وتذهب مقالة أكاديمية صادرة عن جامعة كامبريدج، بعنوان "دين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد: الخمسينية، إنجيل الازدهار، وقوة التفكير الإيجابي"، إلى شرح كيف يؤدي البعد الديني دوراً أساسياً في تشكيل رؤية آبي للقيادة والسلطة؛ إذ "يبدو أن لدى آبي يقيناً لا يتزعزع بقدرته على الحكم، وأنه مبعوث من الله ومختاراً إلهياً للقيادة".
وقد غذّى هذا البناء عدد من الوعّاظ الخمسينيين، وهم دعاة ينتمون إلى تيار مسيحي إنجيلي حديث يركّز على الاختبار الشخصي للإيمان، والشفاء، والنبوءة، وفكرة أن النجاح قد يكون علامة على عناية إلهية خاصة. ومع آبي، تحوّل هذا المعجم إلى لغة سياسية شبه مقدسة: شبّهه الواعظ إسرائيل دينسا بـ"موسى"، وأعلنه "نبياً"، بينما رأى رئيس الوزراء السابق هيلا مريام ديسالين، المنتمي هو الآخر إلى خلفية خمسينية، أن وصوله إلى السلطة كان "مقرراً من الله". هكذا تداخلت النبوءة العائلية، والإيمان الخمسيني، وخطاب الدولة، لتتشكل حول آبي هالة رجل لا يرى نفسه صاعداً إلى الحكم، وإنما مدفوعاً إليه من السماء.
من الدولة التي صاغته.. لا من الدولة التي ورثها
لفهم آبي أحمد على نحو أشمل، لا بد أيضاً من التوقف لفهم الدولة التي سبقت وصوله إلى السلطة؛ كخلفية تاريخية، والأهم بوصفها البنية التي تشكّل داخلها، ثم تمرّد عليها لاحقاً.
لنعد إلى عام 1991، حين انهار نظام "الدرغ" بعد سنوات من الحروب والمجاعات والعزلة الدولية. حينها تكبد النظام ضربة قاصمة جاءت من الشمال، حيث راكمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قوة عسكرية وتنظيمية حاسمة، فيما كانت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا تُنهي فعلياً الوجود الإثيوبي في الإقليم بعد سقوط ميناء مصوع. ومع تفكك الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة، وانحسار الدعم الخارجي، انهار الجيش، وفرّ منغستو، ودخلت قوات الائتلاف المعارض أديس أبابا بلا مقاومة تُذكر.
كان ذلك الائتلاف المنتصر، المعروف باسم الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، يقدّم نفسه بوصفه صيغة جديدة لإثيوبيا متعددة القوميات. غير أن قلبه السياسي والعسكري ظل محكوماً بنواة تيغرانية صلبة. ومن موقع المنتصر، شرعت الجبهة في إعادة هندسة الدولة من الأعلى، عبر فدرالية إثنية منحت "الأمم والقوميات" حق الحكم الذاتي، بل وحتى حق الانفصال، كما نص دستور 1995. فبدا المشروع ثورياً، للوهلة الأولى، وانقلاباً على إرث طويل من المركزية القمعية، واعترافاً رسمياً بالتركيب المتعدد للبلاد.
وتحت قيادة ملس زيناوي، الرجل الذي حكم إثيوبيا بعقلية الثائر ورجل الدولة الصارم، مضت البلاد في مشروع تنمية سريع. صارت أديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي، وبنت الدولة جيشاً قوياً، وقدّمت نفسها بوصفها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.
غير أن هذه الصورة اللامعة للنظام الإثيوبي حملت تناقضها الخاص؛ فقد اعترفت بالتعدد، ثم أبقت السلطة الحقيقية قريبة من مركز ضيق. ومن ذلك المركز، حكمت الجبهة بقبضة قاسية، فسجنت الصحافيين، ولاحقت المعارضين، وضيّقت المجال السياسي كلما شعرت بأن التعدد قد يتحول إلى تهديد.
فبينما مُنحت الأقاليم سلطات واسعة نظرياً، بقيت مفاصل القوة الحقيقية - الجيش، والأمن، والقرار السياسي - مركّزة في يد الجبهة، وتحديداً نخبتها التيغرانية. وتحوّلت الفيدرالية، عملياً، إلى صيغة حكم مركزي بلباس تعددي، ما راكم احتقاناً أخذ يتصاعد بصمت لدى القوميات الأكبر، خصوصاً لدى الأورومو، أكبر القوميات الإثيوبية وأكثرها شعوراً بأن الاعتراف لم يتحول إلى نفوذ حقيقي.
كيف رأت الحركات المسلحة الأخرى هذا النظام؟
لذلك، لم تُستقبَل الفيدرالية الجديدة بين الأورومو بوصفها تسوية تاريخية قادرة على طيّ إرث المركزية، وإنما بدت، في نظر قطاع واسع من حركتهم السياسية، ترتيباً سلطوياً جديداً بلغة أكثر نعومة. فبالنسبة إلى "جبهة تحرير أورومو"، الحركة الأعمق حضوراً في الوجدان الأورومي آنذاك، كان مشروع الجبهة الثورية الديمقراطية ما هو إلا إعادة إنتاج منقّحة لاحتكار السلطة؛ حيث تختلط حدود الدولة بالحزب والأجهزة، وتُدار أوروميا عبر الاعتقال، وإضعاف القيادات المحلية، والقبض على مفاصل الحكم القاعدي.
ومع اقتراب أول انتخابات، وتحوّل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، انسحبت "جبهة تحرير أورومو" من المسار الانتقالي، معلنة العودة إلى السلاح. وسرعان ما عادت أجزاء واسعة من غرب وجنوب أوروميا إلى مناخ حرب قصيرة، أعادت فتح سؤال السلطة من جديد.
بينما في الشرق، رأت "جبهة تحرير أوغادين" - الساعية إلى حكم ذاتي لإقليم أوغادين الحدودي مع الصومال - في الفيدرالية الإثنية هندسةً سياسية مصطنعة لا تلامس جوهر التهميش التاريخي، بل تعيد إنتاجه داخل إطار قانوني جديد. أما الإريتريون، ممثَّلين في الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، فتعاملوا مع السلطة الجديدة في أديس أبابا ببراغماتية باردة: شراكة مؤقتة لإسقاط العدو المشترك، لا تحالفاً استراتيجياً طويل الأمد. وما إن انقضت الضرورة، حتى انكشفت هشاشتها مع حرب 1998 - 2000.
وسط هذا المجتمع وهذه الحالة المتشظية والمتناقضة، تشكّل وعي آبي أحمد. إذ كانت الفيدرالية تمنح بعض الجماعات حضوراً رسمياً، لكنها لم تُنتج حواراً وطنياً ولا مصالحة حقيقية. وبدلاً من أن تُخفّف الاحتقان، عمّقت "محاولة التصحيح التاريخي" وعياً إثنياً متزايداً لدى الجميع، من دون إجابة عن السؤال المؤجَّل: "هل إثيوبيا أمة واحدة متعددة الأعراق؟ أم اتحاد أمم، لكل منها حق تقرير المصير والانفصال؟". فخرجت هذه الأسئلة من نطاق النظريات والجدالات السياسية بين النخب، لتصبح جزءاً من الهواء الذي تنفّسه جيل آبي، إلى جانب مشاهد الحرب والانقسام.
من بشاشا إلى القصر: من نبوءة العرش إلى حسابات القوة
في هذا المناخ المشحون، بدا انضمام الشاب القادم من بشاشا، آبي أحمد، إلى "المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو" (OPDO) خطوة مربكة لكثيرين. فهذه المنظمة لم تكن، في نظر قطاع واسع من الأورومو، التعبير الأصيل عن قضيتهم، وإنما حزباً تابعاً للائتلاف الحاكم، ومُداراً إلى حد كبير من القيادة التيغرانية المسيطرة على الدولة.
في المقابل، كانت "جبهة تحرير أورومو" (OLF) تمثل، في الوجدان الأورومي، الحركة التاريخية الأكثر ارتباطاً بفكرة التحرر القومي. صحيح أن كثيرين اختلفوا مع خيارها المسلح، لكنها احتفظت بشرعية رمزية وثورية عميقة، خصوصاً في مناطق مثل بشاشا. لذلك بدا اختيار آبي غريباً؛ فبدلاً من أن يلتحق بالحركة التي حملت حلم الأورومو، اختار التنظيم الذي رآه كثيرون واجهة أورومية داخل سلطة يهيمن عليها التيغراي.
لكن كثيرين سيدركون لاحقاً أن اختيار آبي لم يكن عفوياً أو غريباً كما بدا أول الأمر، بقدر ما كان قراءة مبكرة لموازين القوة. ففي إثيوبيا التي أعادت تعريف نفسها دولةً فدرالية، بقي القرار الحقيقي متركزاً في يد السلطة الحاكمة. ففهم آبي مبكراً أن الطريق إلى النفوذ والسلطة يمر عبر التنظيمات التي تعمل من داخل النظام، لا عبر الحركات المعارضة.
ومن هناك بدأ آبي مساره، وفي داخله تناقض لن يفارقه؛ فهو شاب أورومي قادم من بيئة تشعر بالتهميش، لكنه يصعد داخل بنية سياسية لا تمنح فرصها إلا لمن يقبل شروطها. وسيظل هذا التوتر حاضراً في تجربته، منذ بداياته الأولى حتى وصوله إلى القصر.
إذ تربط بعض الروايات هذا التحول بواقعة شديدة القسوة في حياته. فكما يورد توم غاردنر في كتابه "مشروع آبي: الإله والسلطة والحرب في إثيوبيا الجديدة"، قُتل شقيق آبي الأكبر، قدير، عام 1992، بعد اتهامه من جبهة تحرير أورومو بالتعاون مع الحكومة. وبالرغم من أنه لم يُحسم مدى صحة ذلك الاتهام، يُذكر أن الصدمة كانت بالغة الأثر على آبي المراهق آنذاك. إذ يروي أحد أصدقائه قائلاً: "تغيّر آبي تلك الليلة… قال لي: يجب أن ننضم إلى النضال، ولم أفهم آنذاك ما الذي كان يقصده".
بعد الحادثة، يقول والده إن آبي، وكان حينها تلميذاً في مدرسة بأغارو، فرّ لفترة قصيرة إلى أديس أبابا، وقطع تعليمه الرسمي. ويبدو أن تلك المرحلة كانت بداية ارتباطه بـ"المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو"، الحزب الأقل شعبية والأضعف تنظيماً في أوروميا، والأبعد عن الروح الثورية التي جذبت كثيرين من أبناء جيله. كان آبي يومها في 14 فقط، ولم يكن قد أكمل دراسته الثانوية.
لكن هذا الحزب الضعيف كان، في نظر آبي، الطريق الواقعي إلى مركز القرار. فبحسب غاردنر، كان اختياره الانضمام إليه "أول إشارة إلى حدسه السياسي المبكر". فـ"جبهة تحرير أورومو"، على اتساع شعبيتها ورمزيتها، بدت سريعاً خارج معادلة السلطة لسنوات طويلة. أما المنظمة الديمقراطية، على هشاشتها، فكانت البوابة العملية للصعود داخل النظام الجديد.
وبحلول عام 1993، صار واضحاً أن من أراد مستقبلاً سياسياً في إثيوبيا الجديدة، فعليه أن يكون داخل هذا المعسكر. أدرك آبي ذلك مبكراً، وبدأ يبحث لنفسه عن موضع داخل النخبة الأورومية الجديدة التي كانت تتشكل، لأول مرة، من داخل الدولة لا من خارجها.
نيسان ـ نشر في 2026/07/06 الساعة 00:00