عمي شكري
نيسان ـ نشر في 2026/07/07 الساعة 00:00
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر، وهذا يعني أننا تأخرنا في الذهاب إلى المزرعة. عدتُ يومها من المدرسة متأخرًا، وكنت أستعد مع إخوتي للخروج على عجل حتى لا يتراكم العمل أكثر.
رن الهاتف.
أسرعت أختي الصغيرة لتجيب، لكنها لم تستطع فهم ما يقوله المتحدث. سمعتها تنادينا بقلق:
– عامل السنترال يقول إن لدينا مكالمة من الصليب الأحمر.
تناولت السماعة بسرعة. جاءني صوت امرأة تتحدث العربية بلكنة ثقيلة، عرّفت نفسها بأنها موظفة في الصليب الأحمر. ساد صمت قصير، ثم قالت:
"سيصل اليوم عمكم شكري عبر جسر الملك حسين في سيارة إسعاف، وبرفقته والدتكم الحاجة سارة."
تجمدت الكلمات في حلقي. لم أعرف ماذا أقول. كل ما استطعت فعله أن ألتفت إلى أمي، التي تغير لون وجهها، ثم اندفعت تبلغ الجميع، وهي تطلب مني أن ألحق بأخي حسام الذي سبقنا إلى المزرعة.
ركضت بكل ما أملك من قوة. كنت أشعر أن الأرض تطول تحت قدمي، وأن حسام يسير بسرعة لا يمكن اللحاق بها. وحين وصلت إليه، كانت أنفاسي تتقطع.
قلت بصعوبة:
– عمي... شكري... سيصل اليوم.
نظر إليّ باستغراب.
– ماذا تقول؟ لم أفهم.
حاولت أن ألتقط أنفاسي، ثم قلت:
– أمي تريدك أن تعود إلى البيت... بسرعة.
لم يسأل شيئًا آخر. استدار فورًا، وترك المزرعة لأخي محيسن، بينما بقيت أحاول اللحاق به، لكن خطواته كانت أسرع من قدرتي على الجري.
ما إن أنهى حسام مهمته، حتى عاد مسرعًا، تاركًا أمر المزرعة لأخي محيسن، الذي كان ينتظر وصولنا بشوق ولهفة. كانت خطواته تتسارع كأنه يسابق الوقت، بينما كنت أجرّ خلفه أقدامي المثقلة بالتعب، أحاول اللحاق به دون جدوى. لم يلتفت خلفه مرة واحدة، وكأن القلق الذي يسكنه كان أكبر من أن يسمح له بالتوقف أو الالتفات.
عندما وصلنا إلى البيت، كان الارتباك يخيّم على الجميع. فالعم شكري، المقيم في مخيم العروب منذ سنوات، انقطعت أخباره إلا من رسائل نادرة كانت تشق طريقها إلينا بصعوبة، بعد أن أُغلقت الطرق والمعابر، وانفصلت الأرض المحتلة عن أهلها بأسلاك الحصار والحواجز.
قبل ذلك بعامين، حاول والدي الوصول إلى هناك لزيارة والدته، جدتي الحاجة سارة. كان يحمل تصريحًا رسميًا يجيز له العبور، لكن ذلك لم يشفع له. فما إن اجتاز جسر الملك حتى اعتقلته قوات الاحتلال، لتتحول رحلة الزيارة إلى أشهر طويلة من الغياب القسري.
عاد والدي بعد أربعة أشهر، لكن الرجل الذي دخل البيت لم يكن هو نفسه الذي غادره. بدت على وجهه آثار السجن، وأثقل التعب جسده. حدثنا لاحقًا عن الزنازين المكتظة بالفدائيين الفلسطينيين، وعن القسوة التي ازدادت مع تصاعد عمليات المقاومة التي لم تتوقف بعد حرب تشرين عام 1973، تلك الحرب التي نجحت فيها الجيوش العربية في اختراق التحصينات الإسرائيلية، واستعادت جزءًا من الكرامة العربية التي أثقلتها سنوات الهزائم.
ومنذ تلك الأيام، أصبحت الأخبار القادمة من الأرض المحتلة شحيحة ومتقطعة، لا يصل منها إلا ما ندر، فتظل العائلات معلقة بين الأمل والخوف، تنتظر خبرًا يطمئن القلوب أو رسالة تؤكد أن الأحبة ما زالوا على قيد الحياة.
أما عمي شكري، فكانت حياته تختصر حكاية شعب بأكمله. حكاية رجل حمل فوق كتفيه وجع الفلسطينيين جميعًا؛ بدأها بمرارة ظلم ذوي القربى، ثم عاش تفاصيل القهر اليومي تحت الاحتلال، ولم تتوقف معاناته عند ذلك، بل لاحقته الأمراض وسط شح العلاج وضيق الحال، حتى غدت حياته سلسلة طويلة من الصبر والمواجهة، تشبه إلى حد بعيد سيرة شعب لم يختر مأساته، لكنه وجد نفسه مضطرًا إلى أن يعيشها يومًا بعد يوم.
في عام 1949، وبعد عامٍ واحد فقط من النكبة، كانت القرى الفلسطينية ما تزال تنزف جرحها المفتوح. قريةُ عراق المنشية، التي استولت عليها العصابات الصهيونية، تحولت إلى ذاكرةٍ مثقلة بالغياب والوجع.
في ذلك الوقت كان عمي شكري في الرابعة عشرة من عمره فقط، لكنه لم يكن طفلاً عادياً؛ كان يحمل في ملامحه صلابة مبكرة، وجرأةً تشبه الضوء الذي يرفض أن ينطفئ في العتمة. حتى إن إحدى السيدات، حين رأته، قالت عنه إنه “زينة شباب البلد”، كأنها كانت تستشعر فيه ملامح حياةٍ ستقاوم الانكسار رغم كل شيء.
كانت النكبة قد فعلت فعلها في الجغرافيا والناس معاً؛ مئات القرى والمدن أُفرغت من أهلها، وتهجر الفلسطينيون في واحدة من أوسع موجات التشريد في التاريخ الحديث. لكن ما لم تستطع تلك الأحداث أن تقترب منه، كان ما تبقى في الداخل: الإرادة، والذاكرة، والإصرار على أن لا يتحول الإنسان إلى ظلٍّ بلا اسم.
كان عمي يقول لاحقاً إنهم حاولوا بكل الطرق أن يكسروا هذه الروح؛ بالتهجير، بالمجازر، وبمحاولة تحويل الحقيقة إلى رواية مشوهة. لكنه كان يؤمن أن ما يُزرع في الأرض من ذاكرة لا يمكن اقتلاعه بسهولة، وأن الجلادين مهما بدا بطشهم لا يملكون سلطة محو الإنسان من داخله.
تُروى القصة أنه في إحدى الليالي، ترك عمي خيام اللجوء التي أقيمت بعد الحرب، تلك الخيام التي كانت شاهدة على قسوة الحياة وقلة الحيلة. تسلل وحده باتجاه القرية التي أحيطت بالأسلاك الشائكة. هناك من قال إنه كان يريد الوصول إلى بيت جدي، وهناك رواية أخرى تقول إنه قصد بابور الطحين الذي كان يملكه جدي محمود جادالله.
لكن الطريق لم يكتمل كما أراد. فقد أمسك به جنود العصابات الصهيونية، وانهالوا عليه ضرباً وتعذيباً، قبل أن يسلموه إلى سلاح الفرسان العربي. لم يكن حاله أفضل هناك؛ إذ رُبط على ظهر حصان وهو مصاب ومرهق، وسُحب به حتى الخليل، ثم أُعيد لاحقاً إلى الخيام، كأن الجسد مجرد تفصيلٍ لا قيمة له في حسابات الألم.
كانت تلك الحادثة بداية شيءٍ أقسى من الجرح نفسه؛ إذ أثرت في قدرته على الحركة وتركته مثقلاً بآثارها. ومع ذلك، لم تكن تلك نهاية القصة، بل كانت فقط أول أبواب المعاناة.
بعد انتقال العائلة إلى مخيم العروب، وقعت حادثة أخرى زادت الألم عمقاً. إذ اتهمته سيدة عجوز تمتلك شجرة تين اتهمته بسرقتها وكسر بعض اغصانها. وعلى إثر ذلك تم احتجازه في مركز للشرطة، وهناك بدأت فصول قاسية من التعذيب والمعاملة العنيفة.
كان عمي يروي أن الأمر لم يكن مجرد تحقيق، بل كان انتقاماً من عنادٍ رآه أحد رجال الشرطة في رفضه للاعتراف بما لم يفعل. ومع أن جسده كان يعاني أصلاً من ألمٍ شديد في ظهره، إلا أن الضرب كان يتركز على موضع الألم ذاته، حتى انهارت عظامه تحت القسوة.
النتيجة كانت مأساوية: كسور في فقرات العمود الفقري، انتهت به إلى شللٍ تام، وهو ما وقع في أحد أيام الصيف مطلع الستينيات، حين تبدل مسار حياته إلى الأبد.
بعد هذه الحادثة، لم يكن الألم جسدياً فقط، بل كان أيضاً سؤالاً مفتوحاً عن العجز، عن قلة الحيلة، وعن وطنٍ كامل يعيش تحت ثقل الاحتلال والتشرد والسجن والموت.
وفي تلك الظروف القاسية، حصل والدي وعمي أبو جمال على فرصة عمل في ليبيا، حين كانت بعض الدول العربية في بدايات نهضتها الاقتصادية. فقرروا السفر مع مجموعة من أبناء المخيم، بحثاً عن فرصة للحياة.
لكن الطريق إلى ليبيا لم يكن مباشراً، بل مرّ عبر مصر، حيث كان يقودها جمال عبد الناصر، الذي ارتبط اسمه في ذاكرة ذلك الجيل بحلمٍ كبير ووطنيةٍ صاخبة. وكان له أيضاً صلة تاريخية بأرض عراق المنشية والفالوجة خلال حرب عام 1948، حين حوصرت الكتيبة التي كان يقودها في تلك المنطقة.
تقول الروايات إن عبد الناصر ظل على تواصل مع أهالي القرى، حتى أنه استدعى مختار قرية عراق المنشية إلى مصر وكرّمه لاحقاً، وهو ما منح العائلة شيئاً من الأمل. لذلك، تقدم والدي وعمي أبو جمال بطلب إلى القيادة المصرية لعلاج عمي شكري.
وجاء الرد بالإيجاب. فتم نقل عمي شكري إلى القاهرة عبر الأردن، حيث بدأ رحلة علاجٍ استمرت ثلاث سنوات، كانت فيها مصر محطة أخرى بين الألم والأمل، وبين الجسد المنهك وروحٍ ما زالت تقاوم فكرة الانطفاء.
يا ليته لم يذهب… رددها والدي عدة مرات، وكأن الكلمة لم تكن مجرد حزن، بل اعتراض خافت على قدرٍ قاسٍ لم يستطع أحد تغييره. وكررها عمي أبو جمال كذلك، وهو يشيح بوجهه بعيدًا كأنه لا يريد أن يعترف بما يراه أمامه.
فقد عاد عمي شكري من مصر بعد ثلاث سنوات، لكن ليس كما غادر. عاد وقد أنهكته الغربة والمرض معًا، عاد جسدًا بلا حركة، مشلولًا تمامًا، لا يملك من أمره إلا يديه اللتين ما زالتا تتحركان بصعوبة، وكأنهما تصران على أن تظلا شاهدي حياةٍ لم تنطفئ بالكامل. أما بقية جسده، فقد استسلم تمامًا. كان أشبه بلوحٍ من الخشب، ساكنًا لا يجيب النداء إلا بصمتٍ ثقيل.
كان لعمي شكري وجهٌ يشبه البدر حين يكتمل، وعينان عسليتان تميلان إلى الاخضرار، فيهما شيء من صفاء بعيد، كأنه لا ينتمي لهذه الدنيا كثيرًا. شعره كان ناعمًا، قد غزاه الشيب من كل الجهات، كأن الزمن مرّ عليه ببطءٍ مؤلم ليترك بصمته دون رحمة. ومع ذلك، لم يفقد لسانه ذكر الله، بل ظل يردده في كل لحظة، كأن التسبيح كان طريقه الوحيد لمقاومة الانكسار.
كان جميلًا حتى وهو في أشد حالات مرضه… بل ربما كان جماله حينها أعمق، لأنه لم يعد جمال جسد، بل جمال روحٍ لا تنكسر.
بعد ساعات من الانتظار، سمعنا صوت سيارة الإسعاف يتوقف أمام الباب. خرج الجميع مسرعين، والقلوب تسبق الأقدام. نزلت أولًا سيدة عجوز، انحنى الدهر على ظهرها، لكنه لم يستطع أن ينال من كبريائها. كانت علامات التعب المبكر محفورة على ملامحها، وتجاعيد الحزن ترسم على وجهها الصغير خطوطًا متعرجة، لكنها رغم ذلك كانت تحمل بداخلها حضورًا لا يُهزم، وملامح جمالٍ خافتٍ لكنه ثابت، لا يختفي مهما اشتدت العتمة.
رأيتها يومًا تسرح شعرها… كان طويلًا، ناعمًا، يمتد حتى يلامس أرض الغرفة، تتخلله خصلات كثيفة من الشيب وبقايا الحناء. وحين تحركت يداها فيه، بدا المشهد كأنه وداع صامت لشبابٍ لم يعد. وإن أردت أن أصفها بكلمات قليلة، فلن أقول إلا إنها كانت ملكة فقدت عرشها، لكنها بقيت واقفة، لا تطلبه ولا تتخلى عن وقارها.
تعاونّا جميعًا على إنزال عمي شكري. كان المشهد ثقيلًا إلى درجة أن الهواء نفسه بدا مترددًا. رأيت أبي يشيح بوجهه سريعًا، وعمي أبو جمال يحاول أن يبتلع دموعه دون جدوى. لم يكن أحد في تلك اللحظة قادرًا على التظاهر بالقوة.
في تلك الليلة، امتلأ بيتنا بالعشرات من الأقارب والجيران. كان صوت الأحاديث منخفضًا كأن الجميع يتكلم احترامًا للحزن. وكانت أمي قد أعدت سريرًا ووضعته في غرفة الضيوف، في بيتٍ لم يكن يتجاوز ثلاث غرف بالكاد تكفي أسرة كبيرة مثل أسرتنا، فكيف حين يُضاف إليها وجعٌ بهذا الحجم.
مرت الأيام بعد ذلك ثقيلة، تمشي ببطءٍ كأنها لا تريد الوصول. وزادها قسوةً ذلك الضيق الاقتصادي الذي خنق الجميع. كانت الزيارات في البداية كثيرة، والوجوه حاضرة، والكلمات دافئة، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تتراجع، تتقلص، حتى صارت مجرد ذكريات قصيرة على الباب.
ومع اشتداد الضيق، اضطر والدي إلى بناء غرفة صغيرة خلف المنزل، لتكون لعمي شكري مكانًا يليق بصمته الطويل. وهناك، عاش وحده أكثر مما عاش بين الناس. كان صبره يسبق شكواه، واحتسابه يسبق ألمه، وكأنه جردته الحياة من كل شيء… إلا الكبرياء.
كبرياءٌ ظلّ ثابتًا فيه حتى آخر لحظة.
ثم، حين اشتد عليه الحال، اضطر والدي لاستئجار غرفة لدى جارنا دار أبو خليل الديرباني، وهناك أمضى عمي أشهرًا أخرى، متنقّلًا بين البيوت كأنه يبحث عن ركنٍ لا يخذله. وبعد وفاة جدتي سارة، صار ينتقل بين بيتنا وبيت عمي أبو جمال، كأن العائلة كلها صارت تحتضن جسدًا واحدًا وتخشى عليه من الوحدة أكثر من المرض.
السنوات التي عاشها عمي شكري في مرضه لا يمكن اختصارها بكلمات. كانت أطول من أن تُروى، وأثقل من أن تُفهم. لكنها، رغم كل شيء، لم تنزع منه صبره، ولا أطفأت في داخله نور التسليم. كان مثالًا للرضا الذي لا يُقال، بل يُرى في نظرةٍ هادئة، وفي تسبيحةٍ تُقال بصوتٍ خافتٍ لا ينقطع.
حتى جاء يوم رحيله…
يقول الذين شاركوا في حمل نعشه إنه كان خفيفًا، أخف مما يتوقعون. لم يشعروا بثقله، وكأن شيئًا غير مرئي كان يحملهم معه بدل أن يحملوه.
فهل كانت الملائكة تحمله؟
سؤال بقي عالقًا في صدري منذ ذلك اليوم، لا يجيب عنه أحد، ولا يجرؤ أحد أن يحسمه.
ليتني كنت هناك…
ليتني كنت هناك…
رن الهاتف.
أسرعت أختي الصغيرة لتجيب، لكنها لم تستطع فهم ما يقوله المتحدث. سمعتها تنادينا بقلق:
– عامل السنترال يقول إن لدينا مكالمة من الصليب الأحمر.
تناولت السماعة بسرعة. جاءني صوت امرأة تتحدث العربية بلكنة ثقيلة، عرّفت نفسها بأنها موظفة في الصليب الأحمر. ساد صمت قصير، ثم قالت:
"سيصل اليوم عمكم شكري عبر جسر الملك حسين في سيارة إسعاف، وبرفقته والدتكم الحاجة سارة."
تجمدت الكلمات في حلقي. لم أعرف ماذا أقول. كل ما استطعت فعله أن ألتفت إلى أمي، التي تغير لون وجهها، ثم اندفعت تبلغ الجميع، وهي تطلب مني أن ألحق بأخي حسام الذي سبقنا إلى المزرعة.
ركضت بكل ما أملك من قوة. كنت أشعر أن الأرض تطول تحت قدمي، وأن حسام يسير بسرعة لا يمكن اللحاق بها. وحين وصلت إليه، كانت أنفاسي تتقطع.
قلت بصعوبة:
– عمي... شكري... سيصل اليوم.
نظر إليّ باستغراب.
– ماذا تقول؟ لم أفهم.
حاولت أن ألتقط أنفاسي، ثم قلت:
– أمي تريدك أن تعود إلى البيت... بسرعة.
لم يسأل شيئًا آخر. استدار فورًا، وترك المزرعة لأخي محيسن، بينما بقيت أحاول اللحاق به، لكن خطواته كانت أسرع من قدرتي على الجري.
ما إن أنهى حسام مهمته، حتى عاد مسرعًا، تاركًا أمر المزرعة لأخي محيسن، الذي كان ينتظر وصولنا بشوق ولهفة. كانت خطواته تتسارع كأنه يسابق الوقت، بينما كنت أجرّ خلفه أقدامي المثقلة بالتعب، أحاول اللحاق به دون جدوى. لم يلتفت خلفه مرة واحدة، وكأن القلق الذي يسكنه كان أكبر من أن يسمح له بالتوقف أو الالتفات.
عندما وصلنا إلى البيت، كان الارتباك يخيّم على الجميع. فالعم شكري، المقيم في مخيم العروب منذ سنوات، انقطعت أخباره إلا من رسائل نادرة كانت تشق طريقها إلينا بصعوبة، بعد أن أُغلقت الطرق والمعابر، وانفصلت الأرض المحتلة عن أهلها بأسلاك الحصار والحواجز.
قبل ذلك بعامين، حاول والدي الوصول إلى هناك لزيارة والدته، جدتي الحاجة سارة. كان يحمل تصريحًا رسميًا يجيز له العبور، لكن ذلك لم يشفع له. فما إن اجتاز جسر الملك حتى اعتقلته قوات الاحتلال، لتتحول رحلة الزيارة إلى أشهر طويلة من الغياب القسري.
عاد والدي بعد أربعة أشهر، لكن الرجل الذي دخل البيت لم يكن هو نفسه الذي غادره. بدت على وجهه آثار السجن، وأثقل التعب جسده. حدثنا لاحقًا عن الزنازين المكتظة بالفدائيين الفلسطينيين، وعن القسوة التي ازدادت مع تصاعد عمليات المقاومة التي لم تتوقف بعد حرب تشرين عام 1973، تلك الحرب التي نجحت فيها الجيوش العربية في اختراق التحصينات الإسرائيلية، واستعادت جزءًا من الكرامة العربية التي أثقلتها سنوات الهزائم.
ومنذ تلك الأيام، أصبحت الأخبار القادمة من الأرض المحتلة شحيحة ومتقطعة، لا يصل منها إلا ما ندر، فتظل العائلات معلقة بين الأمل والخوف، تنتظر خبرًا يطمئن القلوب أو رسالة تؤكد أن الأحبة ما زالوا على قيد الحياة.
أما عمي شكري، فكانت حياته تختصر حكاية شعب بأكمله. حكاية رجل حمل فوق كتفيه وجع الفلسطينيين جميعًا؛ بدأها بمرارة ظلم ذوي القربى، ثم عاش تفاصيل القهر اليومي تحت الاحتلال، ولم تتوقف معاناته عند ذلك، بل لاحقته الأمراض وسط شح العلاج وضيق الحال، حتى غدت حياته سلسلة طويلة من الصبر والمواجهة، تشبه إلى حد بعيد سيرة شعب لم يختر مأساته، لكنه وجد نفسه مضطرًا إلى أن يعيشها يومًا بعد يوم.
في عام 1949، وبعد عامٍ واحد فقط من النكبة، كانت القرى الفلسطينية ما تزال تنزف جرحها المفتوح. قريةُ عراق المنشية، التي استولت عليها العصابات الصهيونية، تحولت إلى ذاكرةٍ مثقلة بالغياب والوجع.
في ذلك الوقت كان عمي شكري في الرابعة عشرة من عمره فقط، لكنه لم يكن طفلاً عادياً؛ كان يحمل في ملامحه صلابة مبكرة، وجرأةً تشبه الضوء الذي يرفض أن ينطفئ في العتمة. حتى إن إحدى السيدات، حين رأته، قالت عنه إنه “زينة شباب البلد”، كأنها كانت تستشعر فيه ملامح حياةٍ ستقاوم الانكسار رغم كل شيء.
كانت النكبة قد فعلت فعلها في الجغرافيا والناس معاً؛ مئات القرى والمدن أُفرغت من أهلها، وتهجر الفلسطينيون في واحدة من أوسع موجات التشريد في التاريخ الحديث. لكن ما لم تستطع تلك الأحداث أن تقترب منه، كان ما تبقى في الداخل: الإرادة، والذاكرة، والإصرار على أن لا يتحول الإنسان إلى ظلٍّ بلا اسم.
كان عمي يقول لاحقاً إنهم حاولوا بكل الطرق أن يكسروا هذه الروح؛ بالتهجير، بالمجازر، وبمحاولة تحويل الحقيقة إلى رواية مشوهة. لكنه كان يؤمن أن ما يُزرع في الأرض من ذاكرة لا يمكن اقتلاعه بسهولة، وأن الجلادين مهما بدا بطشهم لا يملكون سلطة محو الإنسان من داخله.
تُروى القصة أنه في إحدى الليالي، ترك عمي خيام اللجوء التي أقيمت بعد الحرب، تلك الخيام التي كانت شاهدة على قسوة الحياة وقلة الحيلة. تسلل وحده باتجاه القرية التي أحيطت بالأسلاك الشائكة. هناك من قال إنه كان يريد الوصول إلى بيت جدي، وهناك رواية أخرى تقول إنه قصد بابور الطحين الذي كان يملكه جدي محمود جادالله.
لكن الطريق لم يكتمل كما أراد. فقد أمسك به جنود العصابات الصهيونية، وانهالوا عليه ضرباً وتعذيباً، قبل أن يسلموه إلى سلاح الفرسان العربي. لم يكن حاله أفضل هناك؛ إذ رُبط على ظهر حصان وهو مصاب ومرهق، وسُحب به حتى الخليل، ثم أُعيد لاحقاً إلى الخيام، كأن الجسد مجرد تفصيلٍ لا قيمة له في حسابات الألم.
كانت تلك الحادثة بداية شيءٍ أقسى من الجرح نفسه؛ إذ أثرت في قدرته على الحركة وتركته مثقلاً بآثارها. ومع ذلك، لم تكن تلك نهاية القصة، بل كانت فقط أول أبواب المعاناة.
بعد انتقال العائلة إلى مخيم العروب، وقعت حادثة أخرى زادت الألم عمقاً. إذ اتهمته سيدة عجوز تمتلك شجرة تين اتهمته بسرقتها وكسر بعض اغصانها. وعلى إثر ذلك تم احتجازه في مركز للشرطة، وهناك بدأت فصول قاسية من التعذيب والمعاملة العنيفة.
كان عمي يروي أن الأمر لم يكن مجرد تحقيق، بل كان انتقاماً من عنادٍ رآه أحد رجال الشرطة في رفضه للاعتراف بما لم يفعل. ومع أن جسده كان يعاني أصلاً من ألمٍ شديد في ظهره، إلا أن الضرب كان يتركز على موضع الألم ذاته، حتى انهارت عظامه تحت القسوة.
النتيجة كانت مأساوية: كسور في فقرات العمود الفقري، انتهت به إلى شللٍ تام، وهو ما وقع في أحد أيام الصيف مطلع الستينيات، حين تبدل مسار حياته إلى الأبد.
بعد هذه الحادثة، لم يكن الألم جسدياً فقط، بل كان أيضاً سؤالاً مفتوحاً عن العجز، عن قلة الحيلة، وعن وطنٍ كامل يعيش تحت ثقل الاحتلال والتشرد والسجن والموت.
وفي تلك الظروف القاسية، حصل والدي وعمي أبو جمال على فرصة عمل في ليبيا، حين كانت بعض الدول العربية في بدايات نهضتها الاقتصادية. فقرروا السفر مع مجموعة من أبناء المخيم، بحثاً عن فرصة للحياة.
لكن الطريق إلى ليبيا لم يكن مباشراً، بل مرّ عبر مصر، حيث كان يقودها جمال عبد الناصر، الذي ارتبط اسمه في ذاكرة ذلك الجيل بحلمٍ كبير ووطنيةٍ صاخبة. وكان له أيضاً صلة تاريخية بأرض عراق المنشية والفالوجة خلال حرب عام 1948، حين حوصرت الكتيبة التي كان يقودها في تلك المنطقة.
تقول الروايات إن عبد الناصر ظل على تواصل مع أهالي القرى، حتى أنه استدعى مختار قرية عراق المنشية إلى مصر وكرّمه لاحقاً، وهو ما منح العائلة شيئاً من الأمل. لذلك، تقدم والدي وعمي أبو جمال بطلب إلى القيادة المصرية لعلاج عمي شكري.
وجاء الرد بالإيجاب. فتم نقل عمي شكري إلى القاهرة عبر الأردن، حيث بدأ رحلة علاجٍ استمرت ثلاث سنوات، كانت فيها مصر محطة أخرى بين الألم والأمل، وبين الجسد المنهك وروحٍ ما زالت تقاوم فكرة الانطفاء.
يا ليته لم يذهب… رددها والدي عدة مرات، وكأن الكلمة لم تكن مجرد حزن، بل اعتراض خافت على قدرٍ قاسٍ لم يستطع أحد تغييره. وكررها عمي أبو جمال كذلك، وهو يشيح بوجهه بعيدًا كأنه لا يريد أن يعترف بما يراه أمامه.
فقد عاد عمي شكري من مصر بعد ثلاث سنوات، لكن ليس كما غادر. عاد وقد أنهكته الغربة والمرض معًا، عاد جسدًا بلا حركة، مشلولًا تمامًا، لا يملك من أمره إلا يديه اللتين ما زالتا تتحركان بصعوبة، وكأنهما تصران على أن تظلا شاهدي حياةٍ لم تنطفئ بالكامل. أما بقية جسده، فقد استسلم تمامًا. كان أشبه بلوحٍ من الخشب، ساكنًا لا يجيب النداء إلا بصمتٍ ثقيل.
كان لعمي شكري وجهٌ يشبه البدر حين يكتمل، وعينان عسليتان تميلان إلى الاخضرار، فيهما شيء من صفاء بعيد، كأنه لا ينتمي لهذه الدنيا كثيرًا. شعره كان ناعمًا، قد غزاه الشيب من كل الجهات، كأن الزمن مرّ عليه ببطءٍ مؤلم ليترك بصمته دون رحمة. ومع ذلك، لم يفقد لسانه ذكر الله، بل ظل يردده في كل لحظة، كأن التسبيح كان طريقه الوحيد لمقاومة الانكسار.
كان جميلًا حتى وهو في أشد حالات مرضه… بل ربما كان جماله حينها أعمق، لأنه لم يعد جمال جسد، بل جمال روحٍ لا تنكسر.
بعد ساعات من الانتظار، سمعنا صوت سيارة الإسعاف يتوقف أمام الباب. خرج الجميع مسرعين، والقلوب تسبق الأقدام. نزلت أولًا سيدة عجوز، انحنى الدهر على ظهرها، لكنه لم يستطع أن ينال من كبريائها. كانت علامات التعب المبكر محفورة على ملامحها، وتجاعيد الحزن ترسم على وجهها الصغير خطوطًا متعرجة، لكنها رغم ذلك كانت تحمل بداخلها حضورًا لا يُهزم، وملامح جمالٍ خافتٍ لكنه ثابت، لا يختفي مهما اشتدت العتمة.
رأيتها يومًا تسرح شعرها… كان طويلًا، ناعمًا، يمتد حتى يلامس أرض الغرفة، تتخلله خصلات كثيفة من الشيب وبقايا الحناء. وحين تحركت يداها فيه، بدا المشهد كأنه وداع صامت لشبابٍ لم يعد. وإن أردت أن أصفها بكلمات قليلة، فلن أقول إلا إنها كانت ملكة فقدت عرشها، لكنها بقيت واقفة، لا تطلبه ولا تتخلى عن وقارها.
تعاونّا جميعًا على إنزال عمي شكري. كان المشهد ثقيلًا إلى درجة أن الهواء نفسه بدا مترددًا. رأيت أبي يشيح بوجهه سريعًا، وعمي أبو جمال يحاول أن يبتلع دموعه دون جدوى. لم يكن أحد في تلك اللحظة قادرًا على التظاهر بالقوة.
في تلك الليلة، امتلأ بيتنا بالعشرات من الأقارب والجيران. كان صوت الأحاديث منخفضًا كأن الجميع يتكلم احترامًا للحزن. وكانت أمي قد أعدت سريرًا ووضعته في غرفة الضيوف، في بيتٍ لم يكن يتجاوز ثلاث غرف بالكاد تكفي أسرة كبيرة مثل أسرتنا، فكيف حين يُضاف إليها وجعٌ بهذا الحجم.
مرت الأيام بعد ذلك ثقيلة، تمشي ببطءٍ كأنها لا تريد الوصول. وزادها قسوةً ذلك الضيق الاقتصادي الذي خنق الجميع. كانت الزيارات في البداية كثيرة، والوجوه حاضرة، والكلمات دافئة، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تتراجع، تتقلص، حتى صارت مجرد ذكريات قصيرة على الباب.
ومع اشتداد الضيق، اضطر والدي إلى بناء غرفة صغيرة خلف المنزل، لتكون لعمي شكري مكانًا يليق بصمته الطويل. وهناك، عاش وحده أكثر مما عاش بين الناس. كان صبره يسبق شكواه، واحتسابه يسبق ألمه، وكأنه جردته الحياة من كل شيء… إلا الكبرياء.
كبرياءٌ ظلّ ثابتًا فيه حتى آخر لحظة.
ثم، حين اشتد عليه الحال، اضطر والدي لاستئجار غرفة لدى جارنا دار أبو خليل الديرباني، وهناك أمضى عمي أشهرًا أخرى، متنقّلًا بين البيوت كأنه يبحث عن ركنٍ لا يخذله. وبعد وفاة جدتي سارة، صار ينتقل بين بيتنا وبيت عمي أبو جمال، كأن العائلة كلها صارت تحتضن جسدًا واحدًا وتخشى عليه من الوحدة أكثر من المرض.
السنوات التي عاشها عمي شكري في مرضه لا يمكن اختصارها بكلمات. كانت أطول من أن تُروى، وأثقل من أن تُفهم. لكنها، رغم كل شيء، لم تنزع منه صبره، ولا أطفأت في داخله نور التسليم. كان مثالًا للرضا الذي لا يُقال، بل يُرى في نظرةٍ هادئة، وفي تسبيحةٍ تُقال بصوتٍ خافتٍ لا ينقطع.
حتى جاء يوم رحيله…
يقول الذين شاركوا في حمل نعشه إنه كان خفيفًا، أخف مما يتوقعون. لم يشعروا بثقله، وكأن شيئًا غير مرئي كان يحملهم معه بدل أن يحملوه.
فهل كانت الملائكة تحمله؟
سؤال بقي عالقًا في صدري منذ ذلك اليوم، لا يجيب عنه أحد، ولا يجرؤ أحد أن يحسمه.
ليتني كنت هناك…
ليتني كنت هناك…
نيسان ـ نشر في 2026/07/07 الساعة 00:00