عقيدة التأزيم الإسرائيلية ولحظة الحقيقة الوشيكة
نيسان ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 00:00
المنطقي بالنسبة لإسرائيل هو العمل على تهجير الفلسطينيين إلى دول بعيدة في مختلف أنحاء العالم، ومحطات تجعل من الصعب تواصلهم عضويا، مثل ترتيبات لاستضافة أعداد كبيرة في إندونيسيا أو كندا أو أوروبا، ومع ذلك تتحرك العقلية الإسرائيلية ضمن منطقها الخاص للحديث عن تهجير الفلسطينيين إلى الأردن المجاورة، مع أن ذلك سيمثل خطرا دائما تجاه إسرائيل، لأن مئات الآلاف سيكونون قريبين من بلادهم، ويرونها بمجرد الوقوف على الجبال المرتفعة في الجانب الأردني.
الخطر الدائم هو ما تريده إسرائيل، فهو يضع احتمالات قلق وتوتير دائم في الأردن، ويحمل بذرة تهديد مستمرة لإسرائيل، من خلال وجود فئات من الفلسطينيين يمكن أن تقوم بأعمال مقاومة تجاهها، وهو ما يعطي إسرائيل مستقبلا مبررات كثيرة لاستهداف الأردن بشتى الطرق، وكأنها رصيد مختزن لتفريغ الأزمات الإسرائيلية.
الأمر نفسه في لبنان والإسرائيليون يمضون مع مؤسستي الرئاسة والحكومة لمواصلة التوافق على اتفاقية إطارية، في الوقت الذي تواصل فيه عملياتها العسكرية في الجنوب، لتضع اللبنانيين في مواجهة بعضهم، وتعود كلمة مثل الحرب الأهلية لتظهر من جديد في لبنان، بعد أن بقيت لسنوات طويلة من الكلمات المحرمة التي تعيش في الكوابيس المزعجة للبنانيين. عقيدة التوتير الإسرائيلية متجذرة لأنها جزء من متطلبات الوجود، وإسرائيل ببنيتها الحالية لا يمكن أن تعيش في منطقة هادئة، لأن ذلك سيفقدها عاملا يشكل الصمغ للمجتمع الإسرائيلي، الذي يعبر أزمة ديمغرافية وثقافية ممتدة، جعلته مجتمعا مختلفا كلية في السنوات الثلاثين الأخيرة على الأقل، خاصة بعد تدفق المهاجرين من الجمهوريات السوفييتية، وتزايد تأثير المستوطنين مقابل سكان المدن في إسرائيل، ليقدم التوتر والقلق بوصفه (صمغا) للمجتمع وكيانه، فالجميع تحت طائلة التهديد متساوون، ويمكنهم العمل معا، أما في حالة الهدوء الذي يفترض أن الإسرائيليين يسعون شكليا لتحقيقه، ويسوقون عدم القدرة على تحصيله في محيطهم العربي، فالمجتمع سيدخل في أزمته الداخلية التي تتشكل أيضا على التفاوت في وزن القوى المؤثرة داخله.
ضمن هذه الاستراتيجية أتى الاستقبال الإسرائيلي لدخول قوات هيئة تحرير الشام إلى دمشق، وسقوط نظام الأسد، الذي كان يحمل راية الممانعة والمقاومة، ليحدث التوغل داخل الأراضي السورية والتحريض في المناطق الدرزية، وصولا إلى محطات متعددة من الصدام مع السلطة المركزية في دمشق، مع أن الرئاسة السورية تواصلت إيجابيا مع جميع الأطراف العربية والأوروبية، وأعلنت استعدادها لتقديم الضمانات التي تظهر أنها ستنصرف إلى شؤونها الداخلية وإعادة إعمار البلاد ولن تتورط في صراعات إقليمية، ولكن فرصة التأزيم في سوريا كانت مغرية للعقلية الإسرائيلية. هذه النسخة المزعجة من إسرائيل، التي يبدو أنها ورطت الأمريكيين في حرب مع إيران في ظروف غير ناضجة، وتحت أهداف غير واضحة، بدأت تثير الضيق داخل النخب الأمريكية، نظرا للتكلفة العالية التي تتكبدها الولايات المتحدة من علاقة لم تعد تقدم أية عوائد استراتيجية للأمريكيين، وتضرب إلى جانب ذلك علاقاتها مع كثير من الشركاء الذين تحتاجهم. وفي المرحلة الأخيرة بدأت حالات من التصدع والتوتر المكبوت بين الأمريكيين والمصريين، الذي يمتلكون دورا مركزيا في منطقة الشرق الأوسط، مهما تراجع الدور المصري لأسباب ذاتية أو موضوعية، وكذلك مع الأتراك الذين يعتبرون ورقة أمريكية مهمة نظرا لتداخلهم مع وسط آسيا وجمهورياتها الإسلامية المرتبطة بالثقافة التركية، وأخيرا مع دول الخليج التي وجدت أن أولوياتها ومصالحها تأتي في مرحلة لاحقة لإسرائيل.
عقيدة التوتير الإسرائيلية جزء من متطلبات الوجود، فهي ببنيتها الحالية لا يمكن أن تعيش في منطقة هادئة، لأن ذلك سيفقدها عاملا يشكل الصمغ لمجتمعها الذي يعبر أزمة ديمغرافية وثقافية
في هذا السياق يأتي إعلان الإعلام الأمريكي واسع التأثير في اليمين المحافظ لتأسيس حزب جديد، في إشارة للوصول إلى محطة مفادها، أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يختلفان كثيرا، خاصة في مجالات السياسة الخارجية التي تصاعدت تكلفتها وأضرت بالولايات المتحدة على المستوى المادي والمعنوي، خاصة أن الولايات المتحدة التي تولت ضمنيا مهمة تأمين التجارة في العالم من خلال بسط نفوذها على البحار والمحيطات، باتت مؤخرا في ورطة تتعلق بمضيق هرمز، الذي أصبحت مسألة فتحه أو إغلاقه هي الشرارة التي يمكن أن تشعل القتال مع إيران من جديد، مع أن المضيق لم يكن ورقة إيرانية قبل الحرب، وكان مفتوحا بصورة طبيعية، وكان يمكن الوصول إلى اتفاق مع طهران بخصوص الملف النووي يقوضه بصورة كاملة مع إشراف دولي. تبدو هذه الصفحة أيضا جزءا من العقيدة الإسرائيلية، التي جعلتها تتقدم بإيران إلى الموقع الذي شغله العراق سابقا، لتكون التهديد الوجودي بالنسبة لها، وقامت بتسويق النزعة العدوانية لدى الإيرانيين بعد استنفاد الذريعة العراقية بالكامل، وقبل أن تحسم الحرب على إيران كانت إسرائيل قد بدأت التحرش بتركيا ومصر والسعودية وباكستان، لتعلن من طرفها انطلاق الخطر السني وتستدعيه للخطاب السياسي، قبل أن تعمل بأدواتها الإعلامية والسياسية على تحويله إلى حقيقة في المخيلة السياسية داخل الولايات المتحدة، وتدفعه ليكون خطرا على السلام العالمي الذي لا يعني سوى توفير الظروف لاستمرار إسرائيل في تصدير أزماتها وراء الحدود.
دعوة الرئيس ترامب للسوريين للتدخل في لبنان لإنهاء حزب الله، جزء من مخطط أوسع يبدو متسقا مع تصورات مستقبلية لمرحلة أخرى من عقيدة التأزيم وإدارة التوتر واستهلاك الجميع داخله، ولبنان الهادئ الذي تعرفه إسرائيل يعني لبنان الذي تسيطر عليه، كما كانت تطمح في مرحلة تأسيسها، والتواصل الذي دشنه وايزمان مع بعض النخب اللبنانية، وبالمنطق الإسرائيلي الخاص يستلزم ذلك تصدير حصة لبنان من الأزمة إلى سوريا ودول أخرى، فعقيدة الأزمة في إسرائيل لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكنها تتحول من شكل إلى آخر. الفرضية التي تقول بالسلام لأنه سيمنح الدول العربية الفرصة من أجل التنمية لا تتساوق مع المنطق الإسرائيلي، لأن ذلك سيعني وجود مجتمعات متحررة من الضغط يمكن أن تتحول إلى منافس حقيقي لإسرائيل، وتختبر الادعاءات التي تقدمها بالتفوق على العرب أخلاقيا وعمليا.
بربط ذلك كله بما يحدث من تحولات في الولايات المتحدة تواجه إسرائيل لحظة انفجار الفقاعة بصورة تشبه الأزمات الاقتصادية حيث تتوقف عملية ترحيل الأزمة محاسبيا من جهة إلى أخرى لتغطية الخسائر عند نقطة معينة بعد استنفاد جميع الحيل لتجنب الاعتراف بها وإعلانها، ويبدو أن إسرائيل تقترب من هذه اللحظة على المستوى الاستراتيجي لتصبح الدولة المزعجة للغاية والمكلفة جدا على الجميع، وتتبدى سذاجة الخيارات التي دفعت من اليمين الإسرائيلي الذي يتحرك بضغوط سكان المستوطنات الذين تنحصر رؤيتهم في الأرض التي سيسرقونها من الفلسطينيين، في تعبير تراجيدي عن ضيق الأفق، بينما تخوض تل أبيب حروبها في قوس جغرافي شاسع يفوق قدرتها على استيعابه وإدارة الأزمات داخله.
الخطر الدائم هو ما تريده إسرائيل، فهو يضع احتمالات قلق وتوتير دائم في الأردن، ويحمل بذرة تهديد مستمرة لإسرائيل، من خلال وجود فئات من الفلسطينيين يمكن أن تقوم بأعمال مقاومة تجاهها، وهو ما يعطي إسرائيل مستقبلا مبررات كثيرة لاستهداف الأردن بشتى الطرق، وكأنها رصيد مختزن لتفريغ الأزمات الإسرائيلية.
الأمر نفسه في لبنان والإسرائيليون يمضون مع مؤسستي الرئاسة والحكومة لمواصلة التوافق على اتفاقية إطارية، في الوقت الذي تواصل فيه عملياتها العسكرية في الجنوب، لتضع اللبنانيين في مواجهة بعضهم، وتعود كلمة مثل الحرب الأهلية لتظهر من جديد في لبنان، بعد أن بقيت لسنوات طويلة من الكلمات المحرمة التي تعيش في الكوابيس المزعجة للبنانيين. عقيدة التوتير الإسرائيلية متجذرة لأنها جزء من متطلبات الوجود، وإسرائيل ببنيتها الحالية لا يمكن أن تعيش في منطقة هادئة، لأن ذلك سيفقدها عاملا يشكل الصمغ للمجتمع الإسرائيلي، الذي يعبر أزمة ديمغرافية وثقافية ممتدة، جعلته مجتمعا مختلفا كلية في السنوات الثلاثين الأخيرة على الأقل، خاصة بعد تدفق المهاجرين من الجمهوريات السوفييتية، وتزايد تأثير المستوطنين مقابل سكان المدن في إسرائيل، ليقدم التوتر والقلق بوصفه (صمغا) للمجتمع وكيانه، فالجميع تحت طائلة التهديد متساوون، ويمكنهم العمل معا، أما في حالة الهدوء الذي يفترض أن الإسرائيليين يسعون شكليا لتحقيقه، ويسوقون عدم القدرة على تحصيله في محيطهم العربي، فالمجتمع سيدخل في أزمته الداخلية التي تتشكل أيضا على التفاوت في وزن القوى المؤثرة داخله.
ضمن هذه الاستراتيجية أتى الاستقبال الإسرائيلي لدخول قوات هيئة تحرير الشام إلى دمشق، وسقوط نظام الأسد، الذي كان يحمل راية الممانعة والمقاومة، ليحدث التوغل داخل الأراضي السورية والتحريض في المناطق الدرزية، وصولا إلى محطات متعددة من الصدام مع السلطة المركزية في دمشق، مع أن الرئاسة السورية تواصلت إيجابيا مع جميع الأطراف العربية والأوروبية، وأعلنت استعدادها لتقديم الضمانات التي تظهر أنها ستنصرف إلى شؤونها الداخلية وإعادة إعمار البلاد ولن تتورط في صراعات إقليمية، ولكن فرصة التأزيم في سوريا كانت مغرية للعقلية الإسرائيلية. هذه النسخة المزعجة من إسرائيل، التي يبدو أنها ورطت الأمريكيين في حرب مع إيران في ظروف غير ناضجة، وتحت أهداف غير واضحة، بدأت تثير الضيق داخل النخب الأمريكية، نظرا للتكلفة العالية التي تتكبدها الولايات المتحدة من علاقة لم تعد تقدم أية عوائد استراتيجية للأمريكيين، وتضرب إلى جانب ذلك علاقاتها مع كثير من الشركاء الذين تحتاجهم. وفي المرحلة الأخيرة بدأت حالات من التصدع والتوتر المكبوت بين الأمريكيين والمصريين، الذي يمتلكون دورا مركزيا في منطقة الشرق الأوسط، مهما تراجع الدور المصري لأسباب ذاتية أو موضوعية، وكذلك مع الأتراك الذين يعتبرون ورقة أمريكية مهمة نظرا لتداخلهم مع وسط آسيا وجمهورياتها الإسلامية المرتبطة بالثقافة التركية، وأخيرا مع دول الخليج التي وجدت أن أولوياتها ومصالحها تأتي في مرحلة لاحقة لإسرائيل.
عقيدة التوتير الإسرائيلية جزء من متطلبات الوجود، فهي ببنيتها الحالية لا يمكن أن تعيش في منطقة هادئة، لأن ذلك سيفقدها عاملا يشكل الصمغ لمجتمعها الذي يعبر أزمة ديمغرافية وثقافية
في هذا السياق يأتي إعلان الإعلام الأمريكي واسع التأثير في اليمين المحافظ لتأسيس حزب جديد، في إشارة للوصول إلى محطة مفادها، أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يختلفان كثيرا، خاصة في مجالات السياسة الخارجية التي تصاعدت تكلفتها وأضرت بالولايات المتحدة على المستوى المادي والمعنوي، خاصة أن الولايات المتحدة التي تولت ضمنيا مهمة تأمين التجارة في العالم من خلال بسط نفوذها على البحار والمحيطات، باتت مؤخرا في ورطة تتعلق بمضيق هرمز، الذي أصبحت مسألة فتحه أو إغلاقه هي الشرارة التي يمكن أن تشعل القتال مع إيران من جديد، مع أن المضيق لم يكن ورقة إيرانية قبل الحرب، وكان مفتوحا بصورة طبيعية، وكان يمكن الوصول إلى اتفاق مع طهران بخصوص الملف النووي يقوضه بصورة كاملة مع إشراف دولي. تبدو هذه الصفحة أيضا جزءا من العقيدة الإسرائيلية، التي جعلتها تتقدم بإيران إلى الموقع الذي شغله العراق سابقا، لتكون التهديد الوجودي بالنسبة لها، وقامت بتسويق النزعة العدوانية لدى الإيرانيين بعد استنفاد الذريعة العراقية بالكامل، وقبل أن تحسم الحرب على إيران كانت إسرائيل قد بدأت التحرش بتركيا ومصر والسعودية وباكستان، لتعلن من طرفها انطلاق الخطر السني وتستدعيه للخطاب السياسي، قبل أن تعمل بأدواتها الإعلامية والسياسية على تحويله إلى حقيقة في المخيلة السياسية داخل الولايات المتحدة، وتدفعه ليكون خطرا على السلام العالمي الذي لا يعني سوى توفير الظروف لاستمرار إسرائيل في تصدير أزماتها وراء الحدود.
دعوة الرئيس ترامب للسوريين للتدخل في لبنان لإنهاء حزب الله، جزء من مخطط أوسع يبدو متسقا مع تصورات مستقبلية لمرحلة أخرى من عقيدة التأزيم وإدارة التوتر واستهلاك الجميع داخله، ولبنان الهادئ الذي تعرفه إسرائيل يعني لبنان الذي تسيطر عليه، كما كانت تطمح في مرحلة تأسيسها، والتواصل الذي دشنه وايزمان مع بعض النخب اللبنانية، وبالمنطق الإسرائيلي الخاص يستلزم ذلك تصدير حصة لبنان من الأزمة إلى سوريا ودول أخرى، فعقيدة الأزمة في إسرائيل لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكنها تتحول من شكل إلى آخر. الفرضية التي تقول بالسلام لأنه سيمنح الدول العربية الفرصة من أجل التنمية لا تتساوق مع المنطق الإسرائيلي، لأن ذلك سيعني وجود مجتمعات متحررة من الضغط يمكن أن تتحول إلى منافس حقيقي لإسرائيل، وتختبر الادعاءات التي تقدمها بالتفوق على العرب أخلاقيا وعمليا.
بربط ذلك كله بما يحدث من تحولات في الولايات المتحدة تواجه إسرائيل لحظة انفجار الفقاعة بصورة تشبه الأزمات الاقتصادية حيث تتوقف عملية ترحيل الأزمة محاسبيا من جهة إلى أخرى لتغطية الخسائر عند نقطة معينة بعد استنفاد جميع الحيل لتجنب الاعتراف بها وإعلانها، ويبدو أن إسرائيل تقترب من هذه اللحظة على المستوى الاستراتيجي لتصبح الدولة المزعجة للغاية والمكلفة جدا على الجميع، وتتبدى سذاجة الخيارات التي دفعت من اليمين الإسرائيلي الذي يتحرك بضغوط سكان المستوطنات الذين تنحصر رؤيتهم في الأرض التي سيسرقونها من الفلسطينيين، في تعبير تراجيدي عن ضيق الأفق، بينما تخوض تل أبيب حروبها في قوس جغرافي شاسع يفوق قدرتها على استيعابه وإدارة الأزمات داخله.
نيسان ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 00:00