البيوت التي تطرد أبناءها... ستكبر وتطرد آباءها

نيسان ـ نشر في 2026/07/12 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
في ظهيرة يوم قائظ، لفت انتباهي شاب لم يتجاوز العشرين من عمره. كان يجلس مع صديق له في رقعة ضيقة من الظل، كأنه يحاول أن يهرب من الشمس ومن شيء آخر أكبر منها.
اقتربت منه. لم أكن أعرفه ولم يكن يعرفني، لكن شيئا في وجهه دفعني إلى السؤال.
بعد دقائق قليلة قال جملة بقيت معلقة في ذهني حتى الآن:
أبي طردني من البيت.
لم أسأله مباشرة: لماذا؟ ولم أبحث في اللحظة الأولى عن المخطئ.
كل ما فكرت فيه أن هذا الشاب، إذا بقي يحمل هذا الجرح، فقد أجده بعد اعوام يبكي لأن ابنه فعل به الشيء نفسه.
عندها لن يكون التاريخ قد كرر نفسه، بل سيكون المجتمع هو الذي أعاد إنتاج خطئه.
قد يكون الابن مخطئا، بل ربما كان مخطئا إلى أبعد الحدود، وهذا ما قلته له صراحة بعد أن استمعت إلى روايته. لكنني قلت له أيضا إن الخطأ لا يعالج بخطأ أكبر، وإن الأب مهما بلغ غضبه، لا يجوز أن يجعل باب البيت أول باب يغلقه في وجه ابنه.
فالبيت ليس عقوبة، وليس فندقا يخرج منه من يخالف التعليمات.
البيت هو آخر ما يجب أن يفقده الإنسان عندما تضيق به الدنيا.
وإذا فقده، فمن الذي سيستقبله؟
الشارع؟
رفقة السوء؟
المخدرات؟
العنف؟
أم مجتمع لا يلتفت إليه إلا عندما يتحول إلى رقم في سجل الجريمة؟
لكن وللإنصاف، فإن المشهد لم يعد يسير في اتجاه واحد.
فكما أصبحنا نسمع عن آباء يطردون أبناءهم، أصبحنا نسمع أيضا عن أبناء يطردون آباءهم وأمهاتهم، أو يتركونهم يواجهون الشيخوخة في عزلة قاسية، كأن سنوات التربية والعطاء لم تكن سوى صفحة انتهت بانتهاء الحاجة إليها.
الطرد لم يعد جسديا فقط، هناك آباء يعيشون داخل بيوتهم مطرودين من قلوب أبنائهم، وهناك أبناء يعيشون خارج بيوتهم مطرودين من قلوب آبائهم وأمهاتهم .
وفي الحالتين الخاسر واحد. الأسرة.
هذه ليست قصة أب وابنه، وليست حادثة عابرة، إنها جرس إنذار.
فالأسرة التي تتحول فيها القسوة إلى لغة، والطرد إلى وسيلة تربية، لا تنتج جيلا متوازنا، بل تنتج جيلا يحمل كسوره معه إلى المجتمع كله.
نسينا أن التربية ليست إطعام طفل حتى يكبر، بل بناء إنسان يعرف كيف يحب، وكيف يغضب، وكيف يختلف، وكيف يعود إلى بيته مهما اشتدت الخلافات.
التربية لا تبدأ عند أول يوم في المدرسة.
بل تبدأ يوم يختار الرجل زوجته، وتختار المرأة زوجها، ويقرران أن يؤسسا بيتا يقوم على المودة قبل السلطة، وعلى الحوار قبل العقوبة، وعلى القدوة قبل الأوامر.
فالبيت الذي يغيب عنه الاحتواء، لا يعوضه قانون، ولا تعوضه مدرسة، ولا تعوضه مؤسسة.
ولذلك أخشى أن نكون أمام بداية ظاهرة لا أمام حادثة فردية.
فالأب الذي يطرد ابنه اليوم، قد يكتشف غدا أنه علّم ابنه، من حيث لا يدري، أن الطرد وسيلة لحل الخلافات.
وعندما يكبر الابن، سيعيد الدرس نفسه. لكن هذه المرة سيكون الأب هو الواقف خارج الباب.
والبيوت التي تطرد أبناءها اليوم، قد يأتي عليها يوم تصبح فيه هي نفسها بيوتا مطرودة من ذاكرة أبنائها.
    نيسان ـ نشر في 2026/07/12 الساعة 00:00