استعمار الوعي

اسماعيل الشريف
نيسان ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 00:00
في يوم من الأيام سيكون لدينا ذكاء اصطناعي قادر على التلاعب بالادراك العام - جوليان اسانج.
لقد بات الذكاءُ الاصطناعي اليوم يُشكِّل أفكارَ الناس ويعيدُ صياغتَها، فتجد من يتخذه صديقًا يفضي إليه بحديثه، ومن يعامله مرجعًا يستفتيه في شؤون دينه ودنياه، ومن يراه طبيبًا نفسيًا يبوح له بأعمق الأسرار وأكثر الزوايا ظلمةً في عقله. والأخطر من ذلك كلّه أن هناك من يتّخذه مستشارًا سياسيًا، فتُفرض عليك نقاشاتٌ كاملة يكون كل ما فيها من أفكارٍ قد صاغه الذكاء الاصطناعي حرفيًا، ولا يخجل أصحابها من إعلان ذلك، بل يتعاملون معها باعتبارها حقائق مُسلَّمًا بها لمجرّد أنها خرجت من آلةٍ تُسمّى ذكاءً.
هناك شخصان ينبغي متابعتهما جيدًا: الأول هو جوليان أسانج، مؤسس موقع ويكيليكس، الذي اشتهر بنشر وثائق سرّية كشفت جرائم حروب وفضائح مدوية للولايات المتحدة. أمّا الثاني فهو إدوارد سنودن، الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية، الذي سرّب وثائق خطيرة كشفت برامج مراقبة وتجسس واسعة تطال مواطني العالم أجمع. وقد أصبح الاثنان رمزين عالميين في مقاومة الإمبريالية وفضح ممارساتها الخفية. طاردتهما الولايات المتحدة سنوات طويلة، وانتهى الأمر بأسانج إلى عقد تسوية مع الحكومة الأمريكية، بينما يعيش سنودن اليوم في روسيا بصفة مواطن روسي.
قبل سنوات طويلة شاهدت محاضرة لجوليان أسانج، وعدت إليها قبل أيام. تحدّث فيها عن الذكاء الاصطناعي، وقال في ذلك الوقت ـ وكان ذلك عام 2007 ـ إن المستقبل سيشهد قدرة هذا الذكاء على جمع بيانات مستخدمي الإنترنت فردًا فردًا، ثم التلاعب بالمعلومات التي تُعرَض لهم عبر خوارزميات مُصممة خصيصًا للتأثير على أفكارهم دون أن يشعروا بذلك. وقارن أسانج هذه القدرة ببرامج الحاسوب التي تلعب الشطرنج اعتمادًا على استراتيجيات تتوقع عشرين إلى ثلاثين حركة إلى الأمام، بقوة تتجاوز العقل البشري بكثير.
لقد عانينا ما فيه الكفاية ونحن نحاول فهم الواقع عندما كنّا نتعامل مع دعايات الشركات الكبرى ووسائل الإعلام التي تخدم أثرياء العالم. بدأ الأمر بالتعتيم الإعلامي، ثم تطور إلى التلاعب بالخوارزميات والمعلومات المقدَّمة للجمهور، واليوم دخلنا عصرًا جديدًا أخطر من كل ما سبقه: عصر تحكم الذكاء الاصطناعي في الإدراك البشري نفسه.
لا تُصدّق أبدًا أن أثرياء العالم وسادة وادي السيليكون ينفقون مليارات الدولارات على الذكاء الاصطناعي من أجل تقدّم البشرية. الحقيقة أن العائد الحقيقي من هذا الاستثمار يكمن في دمج هذه التقنيات في كل تفاصيل حياتنا، بما يخدم مصالحهم الاقتصادية والسياسية قبل أي شيء آخر.
نحن نعيش مرحلة تُخزّن فيها كل تفاصيل حياتنا وتُحلَّل عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاضعة لسيطرة حكومات الغرب والشركات العملاقة والمؤسسات الصهيونية، ثم تُستخدم هذه البيانات في مراقبتنا والتأثير على قراراتنا وتوجيه سلوكنا، وصولًا إلى قمعنا وربما قتلنا إن اقتضت مصالحهم ذلك. وحروب الكيان الصهيوني في المنطقة تقدم أمثلة حية على هذا الواقع، بدءًا من عمليات الاغتيال القائمة على الذكاء الاصطناعي وصولًا إلى قضية تفجير أجهزة البيجرات في لبنان.
إنهم يعرفون أدق تفاصيلنا النفسية والطبية والمالية، ويرصدون آراءنا السياسية وما يدور خلف الأبواب المغلقة. يصبح لديهم ملف كامل عن كل فرد منّا، فنغدو ذرة بيانات على خوادمهم الضخمة، وبناءً على ذلك الملف تُتخذ القرارات بشأن مصائرنا: فقد تُوقف مصادرنا المالية، أو نُوضَع تحت مراقبة شاملة، أو يُعمل على تغيير أفكارنا بلطفٍ مخادع، أو يُختار النهج الأكثر قسوة حيث يُتخذ قرار الإقصاء أو القتل.
لقد دخل الاستعمار مرحلة جديدة أكثر تطورًا وخطورة، تقوم على الهيمنة على المعلومات وهندسة الأفكار عبر التحكم في طبيعة البيانات المقدمة للناس، وعبر الإجابات التي يتلقونها عند طرح أسئلتهم على أنظمة الذكاء الاصطناعي. إنه استعمارٌ للعقول قبل الأرض، وللوعي قبل الحدود.
تقول الصحفية ويتني ويب إن إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، شارك هنري كيسنجر في تأليف كتاب بعنوان عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبلنا البشري الصادر عام 2021. يتصور الكاتبان مستقبلًا يصبح فيه البشر معتمدين بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي ليصوغ لهم التفكير والتعبير، بما يسمح لوعي الإنسان ـ طوعًا ـ أن يسلّم نفسه للأوليغارشيا الحاكمة. ويؤكدان صراحة أن الذكاء الاصطناعي سيكون أداة للتلاعب بالإدراك، وأن الناس في النهاية لن يتمكنوا من تفسير الواقع وإدراكه دون الاستعانة بهذه الأنظمة، نتيجة ضعف الإدراك البشري وتراكم هذا الضعف مع الزمن.
بمجرد أن يتسلل الذكاء الاصطناعي إلى أعماق أرواحنا، سيقضي على إنسانيتنا ويحيلنا أدوات تُحرّك لخدمة مصالح الآخرين، ويمحو كل إبداعٍ وتفرّد فينا. إنه درب مظلم يقود الإنسان إلى التفاهة والغباء والتشوش، حتى يفقد ذاته ومعناه.
عزيزي القارئ، حتى تخفف من أثر الذكاء الاصطناعي على وعيك، انظر إليه دائمًا باعتباره أداة يمكنك توجيهها كيفما تشاء، لا أستاذًا يملي عليك ما تفكر به. لا تعتمد في تبني رأيك على مصدر واحد، واسأل دائمًا: من المستفيد؟ قبل أن تصدق أي رواية. اقرأ الكتب الورقية، وناقش الأفكار مع من تثق بهم، واستثمر في بناء روحك وصقل عقلك فذلك هو خط الدفاع الأول عن إنسانيتك.
أو اسأل الذكاء الاصطناعي سؤالًا واحدًا : كيف أمنعك من التحكم بي؟
للاستزادة:
https://tinyurl.com/ycycnk9c
https://tinyurl.com/27uasxkc
    نيسان ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 00:00