نساء الحي ..
نيسان ـ نشر في 2026/07/15 الساعة 00:00
على هيئة حلقة، وفي غرفة صغيرة، اجتمعت نساء الحي يتبادلن أطراف الحديث، فتذكرن تلك القصص التي جاءت معهن من قراهن القديمة، التي احتلت وهُجّر أهلها لأسباب لا يعلمها إلا الساسة.
«لا يمكن فهم النساء على أي حال من الأحوال، إلا أن نساء الحارة كن يتصفن بالبساطة والطيبة، مما جعلهن أشبه بعائلة واحدة؛ فكانت كل واحدة منهن تلقي بهمومها ومشكلاتها أمام مسامع الجميع.
عندما تتكاثر المصائب، يمحو بعضها بعضًا، وتحل بك سعادة جنونية غريبة المذاق، فتستطيع أن تضحك من قلب لم يعد يعرف الخوف، بعد أن اعتاد على المصاعب والهموم المتراكمة.»
وعند الحديث عن الجلسات التي تعقدها النساء، يتبادر إلى الذهن مباشرة النميمة والثرثرة، لكن نساء الحارة أضفن إلى تلك الجلسات بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا، فكن يتناقلن حكايات مر عليها زمن طويل، ويستعدنها وكأنها واقع يعاش.
فقد كانت تلك النسوة، على الرغم من أنهن أتين من أماكن مختلفة، يشتركن في معظم الظروف التي مر بها رجال الحي؛ من تهجير قسري ولجوء إجباري، وعشن أجواء الحرب وقاسين الأمرين. ولم يكن المطلوب منهن، بخلاف كثير من النساء الأخريات، الاكتفاء بتربية الأطفال، بل أيضًا مساندة الرجال في العمل، والمساهمة في بناء البيوت من ذلك الدخل القليل الذي كان يجنيه الرجال. هذا إلى جانب أدوارهن بوصفهن أمهات وأخوات وزوجات، وما يفرضه عليهن ذلك من التعامل مع الواقع بكل تناقضاته.
ربما لأنهن نشأن معًا، وربما لأنهن جميعًا كن من أسر بسيطة وفقيرة، كان ذلك الترابط والحب الذي يجمع بينهن. ورغم اختلاف الأعمار، إلا أنك عندما تراهن يتبادر إلى ذهنك أنهن شقيقات، وكأن الحزن لم يطرق لهن بابًا قط، وقد تعالت ضحكاتهن وهن يحملن الطعام إلى الرجال أثناء العمل؛ عددًا من الأرغفة، وحبات من البندورة، وأقراصًا من الجبن، وبعض حبات الفلافل، وقليلًا من الزيت والزعتر، وإن تيسر الحال طبقًا من العدس أو الفول. وكان هذا المشهد يتكرر يوميًا.
كان في الحي عدد من النساء العاملات اللواتي استطعن، بعملهن، تربية أشقائهن ومساعدتهم. فسعدية، التي عملت على ماكينة الخياطة سنوات طويلة، استطاعت مساعدة أشقائها وأبنائهم رغم إعاقتها السمعية. وكنت أستغرب كيف استطاعت نساء الحي دمجها في مجتمعهن؛ فقد كانت تتحدث بكلام غير مفهوم، لكنهن تعاطفن معها وكأنها واحدة منهن.
أما أم وائل، فقد كانت تتمتع بقدر كبير من الذكاء والحنكة، فسخرت كل إمكاناتها للعمل في التجارة. حتى ثلاجة منزلها استثمرتها في مشروع صغير لبيع «الإيما» و«الإسكيمو»، كما حولت بيتها المتواضع إلى حانوت، وحديقتها الصغيرة أمام المنزل إلى مزرعة كفت أسرتها معظم احتياجاتها من الخضروات.
أما العمة نفيسة، أم حسن وأم الشهيد يوسف، فكانت تقف إلى جانب زوجها العجوز في الفرن، تخبز وتعجن. وقد شاهدتها بعيني وهي تحمل الطوب لمساعدة أبناء الشهيد يوسف في إكمال منزلهم الصغير.
أما خلف الأبواب المغلقة، فلم يكن أحد يعلم ما الذي كان يجري، وكيف كانت النساء يدبرن شؤون الحياة اليومية والمعيشة. فتلك أمور تحتاج إلى كثير من الصبر والخوض في تفاصيل يتجنب كثيرون الحديث عنها تعففًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾.
ذلك كان قدر النساء في ذلك الزمن الجميل، زمن الألفة والمحبة والتعاون.
نعم، كانت نساء الحي عاملات، ولكن بصمت، ومن دون مقابل، لا يبتغين سوى الستر والقليل الذي يقيم أود الحياة. فالرضا يقود إلى القناعة، والقناعة تعين على الصبر والطاعة، والطاعة كانت تعني في نظرهن احترام الزوج، وتربية الأبناء، والسهر على رعايتهم.
وقبل أن يتحسن الوضع الاقتصادي للرجال مع الانفتاح على دول الخليج، قلما وجدت امرأة من نساء الحي لم تشارك زوجها في عمله، سواء في الحقول أو في كثير من الأعمال الأخرى. وبرغم ذلك، بقين مربيات فاضلات، ورفيقات للرجال في كل الظروف الصعبة والقاسية.
ونتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعرضت لها نساء الحي، انحصر حديثهن في طبائع الرجال، ومهامهم اليومية، ومشكلات الأولاد الذين بدأوا يجوبون الشوارع في حالة من الفوضى، لكنها كانت فوضى بريئة بكل الأحوال. فقد خرج من ذلك الحي الفقير، الذي بُني على عجل وفي غفلة من الزمن، كثير من المبدعين، والعمال المهرة، والبنائين، بل واستطاعت تلك النسوة أيضًا أن يوصلن كثيرًا من أبنائهن إلى الجامعات والمعاهد، ليتخرجوا منها وكأنهم أبناء الذوات والميسورين.
جلست نساء الحي متحلقات حول أم عبد الله، التي تقرأ الفنجان، وكأن شيئًا ما ينتظرهن في المدى القريب.
قالت أم عدنان، وهي تعيد فنجان القهوة المقلوب إلى وضعه الطبيعي:
• هل سنعود إلى قريتنا؟
ثم تابعت:
• والله اشتقت للتين، والصبر، والعين المي.
قالت أم عبد الله:
• هناك طاقة فرج.
أعادت أم عدنان السؤال، ولكن بطريقة مختلفة:
• لقد حلمت اليوم أننا نبني بيتًا جميلًا في بيارتنا القديمة.
ابتسمت أم عبد الله وقالت:
• الصبر مفتاح الفرج... ولكني أرى أن عزيزًا عليك سيعود من سفر بعيد.
أسرعت أم عدنان بالسؤال:
• وهل يحمل بيده شيئًا؟
أجابت أم عبد الله:
• نعم، وكأنها ورقة أو شهادة ذات قيمة كبيرة، وستحمل له ولكم السعادة.
ثم أردفت:
• هذا العائد غاب منذ زمن بعيد، لكنه نال مراده بعد مشقة، ونجح بعد جهد كبير.
تنهدت أم عدنان من أعماق صدرها المتعب وقالت:
• يا مندرا... يكون اللي ببالي.
قالت أم عبد الله:
• إن شاء الله، ربنا ما يضيع تعب حدا.
اكتفت أم عدنان بما سمعت، وقالت:
• سأنتظر... كل حياتنا صبر على صبر.
بدأت نساء الحي يرفعن أصواتهن من جديد.
قالت أم محمد، الحاجة خضرا:
• شوفيلي فنجاني يا أم عبد الله، من زمان ما شفتك. بدنا نجوز الولاد ونفرح فيهم، من زمان ما دخل الفرح بيوتنا.
قالت أم عبد الله، وهي تحاول ترتيب الأدوار:
• حاضر يا أم محمد.
أمسكت بالفنجان وقالت بصوت مسموع:
• ضيوف كثر سيأتون إليكم قريبًا.
ضحكت أم محمد وقالت في قرارة نفسها:
• لقد بدأت هذه الزيارات المتبادلة منذ أسبوع.
وفي الحقيقة، كانت أسرة المرحوم أبي محمد الفالوجي تعد العدة لتزويج ابنيها، محمد والشيخ أحمد، وكانت تلك الزيارات معروفة لدى الجميع.
وكانت نساء الحي قد شرعن في تبادل الحديث عن ذلك العرس المنتظر.
أما أم عبد الرحيم، فقد تمنت هي الأخرى أن يعود الغائبون، وقالت وهي تشير إلى أم عبد الله:
• نحن أيضًا مسافرون، فمتى العودة؟
أجابتها أم عبد الله:
• فرح قريب سيدخل بيتكم.
ثم تابعت:
• أرى فتاة ترتدي ثوبًا أبيض، وبجانبها شاب مربوع القامة.
لم تستمر تلك الجلسة، التي استثمرت فيها نساء الحي وجود أم عبد الله في منزل أم عدنان، أكثر من ساعة، وهن يحتسين القهوة. لكنها كانت ساعة كافية لتحصل كل واحدة منهن على مرادها، فقد حرصت كل واحدة على أن تمسك أم عبد الله بفنجانها قبل الأخرى.
والغريب في الأمر أن أم عبد الله، التي يشهد لها أهل الحي بكثير من المواقف الشجاعة، كانت تمنح كل امرأة ما تريد سماعه من أخبار مفرحة. وكانت تلك وسيلتها الوحيدة في بث الأمل في نفوس نساء الحي، وإبقائهن متشبثات بالحياة، رغم إدراكها أن الهموم التي يعيشها سكان الحي لن تبددها القهوة ولا الكلمات. لكنها كانت وسيلة صغيرة للنسيان، لا أكثر ولا أقل؛ فهي، مثل سائر الناس، كانت ترى العالم بمنظار من يتمنى أن تحدث الأمور كما يشتهي، لا كما تجري في الواقع.
وكان الشارع الرئيسي الذي يمر بالحارة قد عُبِّد حديثًا، بعد أن جمع أهل الحي المال للبلدية، فأصبح مسرحًا لكثير من الحوارات واللقاءات، بل وحتى الجلسات، وأحيانًا للمشاجرات التي كانت تنشب بين صبيان الحي، وسرعان ما تنتهي بتدخل النساء.
وفي الصباح، وأثناء توجههن إلى مدرسة البنات، كانت صبايا الحي يمضين في ذلك الشارع على استحياء، لا ترفع أعينهن عن الأرض، حياءً وخجلًا، بل وخوفًا من أن تسترق إحداهن نظرة من عين متربصة.
ذكر تمامًا تلك الأمثال التي كانت أم عدنان ترددها بعفوية لأي صبية تلتقيها، في محاولة منها لتعزيز ذلك الإحساس الدائم بأهمية أن تحافظ الفتاة على عفتها ونقائها وحيائها:
"إذا ضحكت البنت وبان نابها، الحقها ولا تهابها."
فالحياء يضبط سلوك الفتاة التي تحب أن تكون لها مكانة مميزة. وهو علامة تدل على ما في النفس من خير، وإمارة صادقة على طبيعة الإنسان، تكشف عن مقدار بيانه وأدبه.
"إذا قل ماء الوجه قل حياؤه، ولا خير في وجه إذا قل ماؤه. حياؤك فاحفظه عليك، فإنما يدل على فعل الكريم حياؤه."
في تلك الأجواء كانت تسير الأمور في الحارة، لكن كل ذلك لم يمنع شباب الحي من التقاط نظرة عابرة، أو لفتة عبر العيون، تأخذهم إلى حلم عاشق لم يستطع إطالة النظر، وأمنية بابتسامة أو حتى سلام.
قال لي أحد الأصدقاء، بعد أن فشل تمامًا وأضناه الانتظار لمجرد ابتسامة:
"إن لفتة واحدة تكفيني."
لكنه، بعد طول عناء، بات يردد:
قالت: من أنت؟ ومن تكون؟
قلت لها: عاشق قتلته تلك العيون...
سهد الليالي تشهد، والنجوم وقمر منير وسط النجوم.
وتارة تفضحني نظرات العيون...
عشق تلك النظرات، وتلك البسمات،
ربما خرجت من خلف الضباب،
وربما من السكون...
«لا يمكن فهم النساء على أي حال من الأحوال، إلا أن نساء الحارة كن يتصفن بالبساطة والطيبة، مما جعلهن أشبه بعائلة واحدة؛ فكانت كل واحدة منهن تلقي بهمومها ومشكلاتها أمام مسامع الجميع.
عندما تتكاثر المصائب، يمحو بعضها بعضًا، وتحل بك سعادة جنونية غريبة المذاق، فتستطيع أن تضحك من قلب لم يعد يعرف الخوف، بعد أن اعتاد على المصاعب والهموم المتراكمة.»
وعند الحديث عن الجلسات التي تعقدها النساء، يتبادر إلى الذهن مباشرة النميمة والثرثرة، لكن نساء الحارة أضفن إلى تلك الجلسات بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا، فكن يتناقلن حكايات مر عليها زمن طويل، ويستعدنها وكأنها واقع يعاش.
فقد كانت تلك النسوة، على الرغم من أنهن أتين من أماكن مختلفة، يشتركن في معظم الظروف التي مر بها رجال الحي؛ من تهجير قسري ولجوء إجباري، وعشن أجواء الحرب وقاسين الأمرين. ولم يكن المطلوب منهن، بخلاف كثير من النساء الأخريات، الاكتفاء بتربية الأطفال، بل أيضًا مساندة الرجال في العمل، والمساهمة في بناء البيوت من ذلك الدخل القليل الذي كان يجنيه الرجال. هذا إلى جانب أدوارهن بوصفهن أمهات وأخوات وزوجات، وما يفرضه عليهن ذلك من التعامل مع الواقع بكل تناقضاته.
ربما لأنهن نشأن معًا، وربما لأنهن جميعًا كن من أسر بسيطة وفقيرة، كان ذلك الترابط والحب الذي يجمع بينهن. ورغم اختلاف الأعمار، إلا أنك عندما تراهن يتبادر إلى ذهنك أنهن شقيقات، وكأن الحزن لم يطرق لهن بابًا قط، وقد تعالت ضحكاتهن وهن يحملن الطعام إلى الرجال أثناء العمل؛ عددًا من الأرغفة، وحبات من البندورة، وأقراصًا من الجبن، وبعض حبات الفلافل، وقليلًا من الزيت والزعتر، وإن تيسر الحال طبقًا من العدس أو الفول. وكان هذا المشهد يتكرر يوميًا.
كان في الحي عدد من النساء العاملات اللواتي استطعن، بعملهن، تربية أشقائهن ومساعدتهم. فسعدية، التي عملت على ماكينة الخياطة سنوات طويلة، استطاعت مساعدة أشقائها وأبنائهم رغم إعاقتها السمعية. وكنت أستغرب كيف استطاعت نساء الحي دمجها في مجتمعهن؛ فقد كانت تتحدث بكلام غير مفهوم، لكنهن تعاطفن معها وكأنها واحدة منهن.
أما أم وائل، فقد كانت تتمتع بقدر كبير من الذكاء والحنكة، فسخرت كل إمكاناتها للعمل في التجارة. حتى ثلاجة منزلها استثمرتها في مشروع صغير لبيع «الإيما» و«الإسكيمو»، كما حولت بيتها المتواضع إلى حانوت، وحديقتها الصغيرة أمام المنزل إلى مزرعة كفت أسرتها معظم احتياجاتها من الخضروات.
أما العمة نفيسة، أم حسن وأم الشهيد يوسف، فكانت تقف إلى جانب زوجها العجوز في الفرن، تخبز وتعجن. وقد شاهدتها بعيني وهي تحمل الطوب لمساعدة أبناء الشهيد يوسف في إكمال منزلهم الصغير.
أما خلف الأبواب المغلقة، فلم يكن أحد يعلم ما الذي كان يجري، وكيف كانت النساء يدبرن شؤون الحياة اليومية والمعيشة. فتلك أمور تحتاج إلى كثير من الصبر والخوض في تفاصيل يتجنب كثيرون الحديث عنها تعففًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾.
ذلك كان قدر النساء في ذلك الزمن الجميل، زمن الألفة والمحبة والتعاون.
نعم، كانت نساء الحي عاملات، ولكن بصمت، ومن دون مقابل، لا يبتغين سوى الستر والقليل الذي يقيم أود الحياة. فالرضا يقود إلى القناعة، والقناعة تعين على الصبر والطاعة، والطاعة كانت تعني في نظرهن احترام الزوج، وتربية الأبناء، والسهر على رعايتهم.
وقبل أن يتحسن الوضع الاقتصادي للرجال مع الانفتاح على دول الخليج، قلما وجدت امرأة من نساء الحي لم تشارك زوجها في عمله، سواء في الحقول أو في كثير من الأعمال الأخرى. وبرغم ذلك، بقين مربيات فاضلات، ورفيقات للرجال في كل الظروف الصعبة والقاسية.
ونتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعرضت لها نساء الحي، انحصر حديثهن في طبائع الرجال، ومهامهم اليومية، ومشكلات الأولاد الذين بدأوا يجوبون الشوارع في حالة من الفوضى، لكنها كانت فوضى بريئة بكل الأحوال. فقد خرج من ذلك الحي الفقير، الذي بُني على عجل وفي غفلة من الزمن، كثير من المبدعين، والعمال المهرة، والبنائين، بل واستطاعت تلك النسوة أيضًا أن يوصلن كثيرًا من أبنائهن إلى الجامعات والمعاهد، ليتخرجوا منها وكأنهم أبناء الذوات والميسورين.
جلست نساء الحي متحلقات حول أم عبد الله، التي تقرأ الفنجان، وكأن شيئًا ما ينتظرهن في المدى القريب.
قالت أم عدنان، وهي تعيد فنجان القهوة المقلوب إلى وضعه الطبيعي:
• هل سنعود إلى قريتنا؟
ثم تابعت:
• والله اشتقت للتين، والصبر، والعين المي.
قالت أم عبد الله:
• هناك طاقة فرج.
أعادت أم عدنان السؤال، ولكن بطريقة مختلفة:
• لقد حلمت اليوم أننا نبني بيتًا جميلًا في بيارتنا القديمة.
ابتسمت أم عبد الله وقالت:
• الصبر مفتاح الفرج... ولكني أرى أن عزيزًا عليك سيعود من سفر بعيد.
أسرعت أم عدنان بالسؤال:
• وهل يحمل بيده شيئًا؟
أجابت أم عبد الله:
• نعم، وكأنها ورقة أو شهادة ذات قيمة كبيرة، وستحمل له ولكم السعادة.
ثم أردفت:
• هذا العائد غاب منذ زمن بعيد، لكنه نال مراده بعد مشقة، ونجح بعد جهد كبير.
تنهدت أم عدنان من أعماق صدرها المتعب وقالت:
• يا مندرا... يكون اللي ببالي.
قالت أم عبد الله:
• إن شاء الله، ربنا ما يضيع تعب حدا.
اكتفت أم عدنان بما سمعت، وقالت:
• سأنتظر... كل حياتنا صبر على صبر.
بدأت نساء الحي يرفعن أصواتهن من جديد.
قالت أم محمد، الحاجة خضرا:
• شوفيلي فنجاني يا أم عبد الله، من زمان ما شفتك. بدنا نجوز الولاد ونفرح فيهم، من زمان ما دخل الفرح بيوتنا.
قالت أم عبد الله، وهي تحاول ترتيب الأدوار:
• حاضر يا أم محمد.
أمسكت بالفنجان وقالت بصوت مسموع:
• ضيوف كثر سيأتون إليكم قريبًا.
ضحكت أم محمد وقالت في قرارة نفسها:
• لقد بدأت هذه الزيارات المتبادلة منذ أسبوع.
وفي الحقيقة، كانت أسرة المرحوم أبي محمد الفالوجي تعد العدة لتزويج ابنيها، محمد والشيخ أحمد، وكانت تلك الزيارات معروفة لدى الجميع.
وكانت نساء الحي قد شرعن في تبادل الحديث عن ذلك العرس المنتظر.
أما أم عبد الرحيم، فقد تمنت هي الأخرى أن يعود الغائبون، وقالت وهي تشير إلى أم عبد الله:
• نحن أيضًا مسافرون، فمتى العودة؟
أجابتها أم عبد الله:
• فرح قريب سيدخل بيتكم.
ثم تابعت:
• أرى فتاة ترتدي ثوبًا أبيض، وبجانبها شاب مربوع القامة.
لم تستمر تلك الجلسة، التي استثمرت فيها نساء الحي وجود أم عبد الله في منزل أم عدنان، أكثر من ساعة، وهن يحتسين القهوة. لكنها كانت ساعة كافية لتحصل كل واحدة منهن على مرادها، فقد حرصت كل واحدة على أن تمسك أم عبد الله بفنجانها قبل الأخرى.
والغريب في الأمر أن أم عبد الله، التي يشهد لها أهل الحي بكثير من المواقف الشجاعة، كانت تمنح كل امرأة ما تريد سماعه من أخبار مفرحة. وكانت تلك وسيلتها الوحيدة في بث الأمل في نفوس نساء الحي، وإبقائهن متشبثات بالحياة، رغم إدراكها أن الهموم التي يعيشها سكان الحي لن تبددها القهوة ولا الكلمات. لكنها كانت وسيلة صغيرة للنسيان، لا أكثر ولا أقل؛ فهي، مثل سائر الناس، كانت ترى العالم بمنظار من يتمنى أن تحدث الأمور كما يشتهي، لا كما تجري في الواقع.
وكان الشارع الرئيسي الذي يمر بالحارة قد عُبِّد حديثًا، بعد أن جمع أهل الحي المال للبلدية، فأصبح مسرحًا لكثير من الحوارات واللقاءات، بل وحتى الجلسات، وأحيانًا للمشاجرات التي كانت تنشب بين صبيان الحي، وسرعان ما تنتهي بتدخل النساء.
وفي الصباح، وأثناء توجههن إلى مدرسة البنات، كانت صبايا الحي يمضين في ذلك الشارع على استحياء، لا ترفع أعينهن عن الأرض، حياءً وخجلًا، بل وخوفًا من أن تسترق إحداهن نظرة من عين متربصة.
ذكر تمامًا تلك الأمثال التي كانت أم عدنان ترددها بعفوية لأي صبية تلتقيها، في محاولة منها لتعزيز ذلك الإحساس الدائم بأهمية أن تحافظ الفتاة على عفتها ونقائها وحيائها:
"إذا ضحكت البنت وبان نابها، الحقها ولا تهابها."
فالحياء يضبط سلوك الفتاة التي تحب أن تكون لها مكانة مميزة. وهو علامة تدل على ما في النفس من خير، وإمارة صادقة على طبيعة الإنسان، تكشف عن مقدار بيانه وأدبه.
"إذا قل ماء الوجه قل حياؤه، ولا خير في وجه إذا قل ماؤه. حياؤك فاحفظه عليك، فإنما يدل على فعل الكريم حياؤه."
في تلك الأجواء كانت تسير الأمور في الحارة، لكن كل ذلك لم يمنع شباب الحي من التقاط نظرة عابرة، أو لفتة عبر العيون، تأخذهم إلى حلم عاشق لم يستطع إطالة النظر، وأمنية بابتسامة أو حتى سلام.
قال لي أحد الأصدقاء، بعد أن فشل تمامًا وأضناه الانتظار لمجرد ابتسامة:
"إن لفتة واحدة تكفيني."
لكنه، بعد طول عناء، بات يردد:
قالت: من أنت؟ ومن تكون؟
قلت لها: عاشق قتلته تلك العيون...
سهد الليالي تشهد، والنجوم وقمر منير وسط النجوم.
وتارة تفضحني نظرات العيون...
عشق تلك النظرات، وتلك البسمات،
ربما خرجت من خلف الضباب،
وربما من السكون...
نيسان ـ نشر في 2026/07/15 الساعة 00:00