الإدارة المحلية من إدارة العجز إلى صناعة التنمية
نيسان ـ نشر في 2026/07/16 الساعة 00:00
نجاح مشروع قانون الادارة المحلية، لا يقاس بحجم الصلاحيات الادارية والمالية التي ينقلها، بل بقدرته على تحويل الحكم المحلي الى محرك اقتصادي داعم للنمو والاستثمار وفرص العمل، عبر زيادة كفاءة استخدام الموارد العامة.
ما يعني، اعادة بناء للدور الاقتصادي للدولة على المستوى المحلي، بحيث يصبح شريكا في الانتاج، اي التعامل معه باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على الاستقلال المالي والمساءلة والقدرة على اتخاذ القرار الاقتصادي.
لذلك يطرح مشروع القانون الجديد، سؤالا محوريا يتعلق بمستقبل التنمية في الاردن، وما اذا كانت الدولة تريد مجالس محلية تقود التنمية الاقتصادية وتستثمر مواردها وتجذب الاستثمارات، ام مجالس تقتصر مهمتها على تلقي العون وادارة العجز وتسديد الالتزامات.
الاقتصاد الحديث لم يعد ينظر الى البلدية باعتبارها مؤسسة خدمية فقط، بل باعتبارها منتجا اقتصاديا تؤثر قراراته بصورة مباشرة في قيمة الاراضي، وحركة الاستثمار، وانتاجية الشركات، وفرص العمل، والايرادات الضريبية، والنمو المحلي، ومستوى المعيشة. لان الاثر الاقتصادي لا يتوقف عند قيمة الانفاق، بل يمتد عبر المضاعف الاقتصادي المحلي ليولد نشاطا اقتصاديا اضافيا، حيث تشير الدراسات الاقتصادية الى ان كل دينار من الانفاق المحلي يمكن ان يولد ما بين دينار ونصف وثلاثة دنانير من النشاط الاقتصادي الاضافي.
التجارب الدولية، تبين ان نجاح الحكم المحلي واللامركزية يرتبط بالصلاحيات والموارد معا وليس باحدهما دون الاخر، فقد اظهرت الدراسات ان كفاءة الانفاق المحلي العام ترتفع بين 15% الى 30% مقارنة بالادارة المركزية عندما تكون الصلاحيات واضحة وتوجد مساءلة فعلية امام المواطنين، وان الاستثمار في البنية التحتية المحلية وتحسين الادارة يمكن ان يخفض تكلفة تقديم الخدمات بين10% الى 20%، نتيجة قرب متخذ القرار من احتياجات المجتمع المحلي وسرعة الاستجابة لها.
هنا تظهر المقارنة الرقمية بين الاردن والدول المتقدمة حجم الفجوة التي ينبغي ان يعالجها مشروع القانون، ففي كثير منها تمثل نفقات الحكومات المحلية ما بين 20% الى 35% من اجمالي الانفاق الحكومي، وتتجاوز 40 % في بعض الدول الاسكندنافية.
اما في الاردن، فلم يتجاوز اجمالي الانفاق البلدي في 2025 نحو 2.5 % من اجمالي الانفاق الحكومي، و0.8% من الناتج المحلي الاجمالي، فيما بلغ الانفاق الجاري نحو 0.7% من الناتج المحلي، ولم يتجاوز الانفاق الراسمالي 0.1%، وهو ما يعكس محدودية قدرة البلديات على تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية، حيث تستحوذ الرواتب والاجور والعلاوات على نحو 0.5% من الناتج، وهو ما يعني ان الجزء الاكبر من الموارد يذهب للنفقات التشغيلية بدلا من الاستثمار.
الفجوة تتسع بصورة اكبر عند مقارنة الايرادات الذاتية، ففي بعض المدن الاوروبية تشكل 50% الى 70% من دخلها من خلال الضرائب العقارية ورسوم الخدمات واستثمار الاصول والشراكات مع القطاع الخاص، بما يمنحها استقلالية مالية، وقدرة على التخطيط طويل الاجل.
اما في الاردن، فان اجمالي ايرادات البلديات مع المنح بلغ للعام 2025 نحو 304 ملايين دينار -301 مليون بدون المنح-اي 0.69% من الناتج المحلي الاجمالي فقط، بينما شكلت الايرادات الضريبية 0.3% من الناتج، والايرادات الاخرى نحو 0.2% منه، وهو ما يعكس ضيق القاعدة التمويلية، واعتماد البلديات بدرجة كبيرة على الدعم الحكومي.
من هنا تصبح الاستقلالية المالية شرطا اساسيا لنجاح مشروع الادارة المحلية، فالمجلس الذي يعتمد على التحويلات الحكومية في تمويل معظم نفقاته لا يستطيع رسم سياسة اقتصادية مستقلة، ولا بناء خطط تنموية طويلة الاجل، بينما المجلس الذي يمتلك مصادر دخل مستقرة وقابلة للنمو يستطيع الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الخدمات، وجذب الاستثمارات، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
اكثر من ذلك فالمستثمر اي مستثمر لم يعد يقيم بيئة الاعمال من خلال الاعفاءات الضريبية او الحوافز وحدهما بل ينظر الى جودة الحكم المحلي وسرعة الترخيص وكفاءة الطرق والمياه والكهرباء والتنظيم الحضري وفاعلية الادارة المحلية، ولذلك اصبحت البلديات الناجحة اداة جذب استثماري وليست مجرد وحدات ادارية لتقديم الخدمات.
نجاح مشروع قانون الادارة المحلية يقاس بقدرته على تحويل البلديات من مستهلك للموارد الى منتج للقيمة الاقتصادية ومن ادارة للعجز الى ادارة للنمو، وهذا يتطلب نقل الصلاحيات بالتوازي مع نقل الموارد المالية وبناء منظومة رقابة ومساءلة تضمن حسن استخدام المال العام. فاذا نقلت الصلاحيات دون تمويل مناسب تحولت المجالس المحلية الى مؤسسات ضعيفة وعاجزة عن تنفيذ مهامها، واذا نقلت الموارد دون رقابة ارتفعت مخاطر الهدر وسوء الادارة.
الحكم المحلي ليس هيكلا اداريا اضافيا بل استثمار اقتصادي طويل الاجل، لذلك، يمثل مشروع قانون الادارة المحلية، فرصة امام النواب لاعادة تعريف دور البلديات في الاقتصاد الوطني، بحيث تنتقل من مفهوم ادارة الخدمات الى مفهوم الاقتصاد المحلي المنتج الذي يسهم بصورة مباشرة في زيادة الناتج المحلي الاجمالي العام، وتحقيق تنمية اكثر توازنا واستدامة في مختلف مناطق المملكة.
ما يعني، اعادة بناء للدور الاقتصادي للدولة على المستوى المحلي، بحيث يصبح شريكا في الانتاج، اي التعامل معه باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على الاستقلال المالي والمساءلة والقدرة على اتخاذ القرار الاقتصادي.
لذلك يطرح مشروع القانون الجديد، سؤالا محوريا يتعلق بمستقبل التنمية في الاردن، وما اذا كانت الدولة تريد مجالس محلية تقود التنمية الاقتصادية وتستثمر مواردها وتجذب الاستثمارات، ام مجالس تقتصر مهمتها على تلقي العون وادارة العجز وتسديد الالتزامات.
الاقتصاد الحديث لم يعد ينظر الى البلدية باعتبارها مؤسسة خدمية فقط، بل باعتبارها منتجا اقتصاديا تؤثر قراراته بصورة مباشرة في قيمة الاراضي، وحركة الاستثمار، وانتاجية الشركات، وفرص العمل، والايرادات الضريبية، والنمو المحلي، ومستوى المعيشة. لان الاثر الاقتصادي لا يتوقف عند قيمة الانفاق، بل يمتد عبر المضاعف الاقتصادي المحلي ليولد نشاطا اقتصاديا اضافيا، حيث تشير الدراسات الاقتصادية الى ان كل دينار من الانفاق المحلي يمكن ان يولد ما بين دينار ونصف وثلاثة دنانير من النشاط الاقتصادي الاضافي.
التجارب الدولية، تبين ان نجاح الحكم المحلي واللامركزية يرتبط بالصلاحيات والموارد معا وليس باحدهما دون الاخر، فقد اظهرت الدراسات ان كفاءة الانفاق المحلي العام ترتفع بين 15% الى 30% مقارنة بالادارة المركزية عندما تكون الصلاحيات واضحة وتوجد مساءلة فعلية امام المواطنين، وان الاستثمار في البنية التحتية المحلية وتحسين الادارة يمكن ان يخفض تكلفة تقديم الخدمات بين10% الى 20%، نتيجة قرب متخذ القرار من احتياجات المجتمع المحلي وسرعة الاستجابة لها.
هنا تظهر المقارنة الرقمية بين الاردن والدول المتقدمة حجم الفجوة التي ينبغي ان يعالجها مشروع القانون، ففي كثير منها تمثل نفقات الحكومات المحلية ما بين 20% الى 35% من اجمالي الانفاق الحكومي، وتتجاوز 40 % في بعض الدول الاسكندنافية.
اما في الاردن، فلم يتجاوز اجمالي الانفاق البلدي في 2025 نحو 2.5 % من اجمالي الانفاق الحكومي، و0.8% من الناتج المحلي الاجمالي، فيما بلغ الانفاق الجاري نحو 0.7% من الناتج المحلي، ولم يتجاوز الانفاق الراسمالي 0.1%، وهو ما يعكس محدودية قدرة البلديات على تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية، حيث تستحوذ الرواتب والاجور والعلاوات على نحو 0.5% من الناتج، وهو ما يعني ان الجزء الاكبر من الموارد يذهب للنفقات التشغيلية بدلا من الاستثمار.
الفجوة تتسع بصورة اكبر عند مقارنة الايرادات الذاتية، ففي بعض المدن الاوروبية تشكل 50% الى 70% من دخلها من خلال الضرائب العقارية ورسوم الخدمات واستثمار الاصول والشراكات مع القطاع الخاص، بما يمنحها استقلالية مالية، وقدرة على التخطيط طويل الاجل.
اما في الاردن، فان اجمالي ايرادات البلديات مع المنح بلغ للعام 2025 نحو 304 ملايين دينار -301 مليون بدون المنح-اي 0.69% من الناتج المحلي الاجمالي فقط، بينما شكلت الايرادات الضريبية 0.3% من الناتج، والايرادات الاخرى نحو 0.2% منه، وهو ما يعكس ضيق القاعدة التمويلية، واعتماد البلديات بدرجة كبيرة على الدعم الحكومي.
من هنا تصبح الاستقلالية المالية شرطا اساسيا لنجاح مشروع الادارة المحلية، فالمجلس الذي يعتمد على التحويلات الحكومية في تمويل معظم نفقاته لا يستطيع رسم سياسة اقتصادية مستقلة، ولا بناء خطط تنموية طويلة الاجل، بينما المجلس الذي يمتلك مصادر دخل مستقرة وقابلة للنمو يستطيع الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الخدمات، وجذب الاستثمارات، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
اكثر من ذلك فالمستثمر اي مستثمر لم يعد يقيم بيئة الاعمال من خلال الاعفاءات الضريبية او الحوافز وحدهما بل ينظر الى جودة الحكم المحلي وسرعة الترخيص وكفاءة الطرق والمياه والكهرباء والتنظيم الحضري وفاعلية الادارة المحلية، ولذلك اصبحت البلديات الناجحة اداة جذب استثماري وليست مجرد وحدات ادارية لتقديم الخدمات.
نجاح مشروع قانون الادارة المحلية يقاس بقدرته على تحويل البلديات من مستهلك للموارد الى منتج للقيمة الاقتصادية ومن ادارة للعجز الى ادارة للنمو، وهذا يتطلب نقل الصلاحيات بالتوازي مع نقل الموارد المالية وبناء منظومة رقابة ومساءلة تضمن حسن استخدام المال العام. فاذا نقلت الصلاحيات دون تمويل مناسب تحولت المجالس المحلية الى مؤسسات ضعيفة وعاجزة عن تنفيذ مهامها، واذا نقلت الموارد دون رقابة ارتفعت مخاطر الهدر وسوء الادارة.
الحكم المحلي ليس هيكلا اداريا اضافيا بل استثمار اقتصادي طويل الاجل، لذلك، يمثل مشروع قانون الادارة المحلية، فرصة امام النواب لاعادة تعريف دور البلديات في الاقتصاد الوطني، بحيث تنتقل من مفهوم ادارة الخدمات الى مفهوم الاقتصاد المحلي المنتج الذي يسهم بصورة مباشرة في زيادة الناتج المحلي الاجمالي العام، وتحقيق تنمية اكثر توازنا واستدامة في مختلف مناطق المملكة.
نيسان ـ نشر في 2026/07/16 الساعة 00:00