500 على معركة موهاج: اللحظة التركية – المجرية

وسام سعادة
نيسان ـ نشر في 2026/07/18 الساعة 00:00
لم يستَثِر، عام 2016، اليوبيل نصف الألفي للانتصار العثماني في معركة مرج دابق وتوسّع الدولة العليّة في أثره باتجاه التوطد في الأمصار العربية اللسان ما يستحق من فعاليات يتواشج فيها التاريخ والذاكرة، وتطرح فيها أبعاد الاشتراك في هذا المدى الحضاري الذي ما عاد جائزا أن تقزمه الهويات الانطوائية، ولا أن تمسخه الهويات المتعالية على التعددية.
يومها، قبل عشر سنوات، كانت الحروب الأهلية وحروب التدخل مستعرة في عدد من الولايات العثمانية العربية السابقة، من الشام حتى اليمن، ومن العراق حتى ليبيا، وتركيا تعيش صراعاً داخلياً مع «الكيان الموازي – الانقلابي» لجماعة فتح الله غولن. وفي دابق نفسها، التي انتصر فيها السلطان سليم الأول على خصمه المملوكي السلطان قانصوه الغوري كان الجيش التركي يتحضر لاقتحامها وإبعاد الميليشيات الكردية، في إطار ما سمي وقتها عملية «درع الفرات». ايثار سليم الأول رفع تصوف محيي الدين ابن عربي الى ما يقارب «تصوف الدولة»، على مفارقات ذلك، لم ينل هو الآخر حصة تذكر على صعيد الاهتمام والنقاش. وعلى الرغم من أن الانتقال من عصر سلاطين المماليك الى العصر العثماني لم يكن يساوي قطيعة جذرية وعلى طول الخط، ومع الأخذ بالحسبان بأن تداعيات هذا الانتقال انسحبت بشكل مختلف بين مدينة وأخرى، وبين ملة وأخرى، إلا أن طغيان التعامل العربي مع هذه القرون الحيوية على أنها عصر «انحطاط» لم يساعد كثيرا على التقاط يوبيلية مرج دابق لمحاولة استيعاب حال مجتمعات هذه المنطقة في مطالع العصور الحديثة.
أما تنظيم «الدولة الإسلامية» – داعش – الذي كان يعيش في تلك الفترة لحظة انكماشه الترابي، فكان يصدر مجلة تحت اسم «دابق»، في إحالة الى حديث نهاية الزمان، «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق»، لكن أدبيات التنظيم كانت ترفض أن تكون الأحاديث المنبئة بهذه المنازلة، أو حتى بفتح القسطنطينية قد تحققت، ما يشي بوجود احتقان لديه تجاه النموذج الذي شكلته الإمبراطورية العثمانية، ولم يكن واردا لدى «داعش» الاعتراف بأي شرعية ولو محدودة للخلافة في حال الأخيرة لا من قريب ولا من بعيد.
كان العام 2016 «ميدانياً» بامتياز، ما جعل الذكرى تمرّ من دون أثر كبير يتفشى فيه المنظار الممتد والتراكمي للزمن التاريخي، وللمشترك «العثماني» بين شعوب المنطقة، هذا المشترك الذي جحدت به الأيديولوجيات القومية، ومال الإسلاميّون إما لإطلاق نوستالجيا غير نقدية بصدده، وإنما لـ»تبديعه» خبط عشواء.
يصادف هذا الصيف في المقابل ذكرى مرور 500 عام على منعطف حربي عثماني في اتجاه آخر، وهو انتصار السلطان سليمان القانوني في معركة موهاج – موهاكس – على مملكة المجر التي فتحت الطريق لقرنين من الهيمنة العثمانية على حوض نهر الدانوب بالشكل الذي جعل عصر النهضة والإصلاح الديني في أوروبا مهجوسا باستدامة الخطر العثماني لأجيال متعاقبة.
في مقابل التمزق الإقليمي شرقا الذي جعل «أخذ المسافة» متعذراً، وفوّت الفرصة على حث الوعي التاريخي، عندما حلت ذكرى مرج دابق، تأتي معركة موهاج كذكرى متوهجة ومحورية، تستعد لها المجر بجملة من فعاليات فنية وثقافية وتاريخية، بما في ذلك إقامة عرض محاكاة عسكري ضخم وتاريخي لأحداث المعركة في قلعة ترنتشين، بل استبقت المجر الذكرى بأن عملت على فحص المقابر الجماعية لضحايا المعركة، ليتم تنظيم جنازة وطنية مهيبة وإعادة دفن رفات قرابة 500 داخل منتزه موهاج التذكاري الوطني.
ينظر المجريون لموهاج على أنها لحظة تمزّق تكوينية لوعيهم التاريخي القومي. في المقابل، فإن تركيا المتصالحة أكثر فأكثر مع الماضي العثماني من بعد طول جحود به في القرن الماضي، تعكف على احياء المناسبة إما في الأطر «الأكاديمية» وإما على صعيد الاهتمام بمظاهر «الأخوة التركية المجرية». لكن موهاج، تبقى في الوعي التاريخي التركي «أقصر معركة ميدانية في التاريخ» حيث استمرت حوالي ساعتين فقط، هذا في حين يستذكر المجريون أكثر أثرها المديد، إذ أن العاصمة «بودا» بقيت تحت السيطرة العثمانية من صيف 1529 حتى العام 1686، عندما نجح النمساويون في دخولها في إثر تعثر الحصار العثماني الثاني لعاصمتهم، فيينا.
كان للانتصار العثماني في موهاج أثر مدوي ليس فقط على المجريين والنمساويين وحوض الدانوب، بل على كامل الكريستندوم
كان للانتصار العثماني في موهاج أثر مدوي ليس فقط على المجريين والنمساويين وحوض الدانوب، بل على كامل الكريستندوم، العالم المسيحي الأوروبي، إذ اختلط الحابل بالنابل. تعاونت الفيالق الكاثوليكية الإسبانية مع اللانزكنخت البروتستانت على نهب روما وحضرتها البابوية بعد أقل من عام على هزيمة موهاج. زاد الخوف من رؤية روما المنكوبة نفسها تحت راية الإسلام. أحرق البروتستانت فيها الكنائس ودمروا أيقونات وجزءا أساسيا من تراث عصر النهضة. ظهرت السلطنة العثمانية كداعم للحركات البروتستانتية من ترانسلفانيا حتى هولندا. لكن الأخطر أن العثمانيين قسموا الكاثوليك أنفسهم، إذ رأى الملك الفرنسي فرنسوا الأول أن آل هابسبورغ يطوقون بلاده من جميع الجهات، وبالتالي لا بد من بناء تحالف مع العثمانيين في مواجهتهم. وفي عام 1543، استجاب السلطان سليمان القانوني لطلب فرانسوا الأول بإرسال أسطول عثماني كبير بقيادة خير الدين بربروس لدعم فرنسا ضد الإمبراطور شارل الخامس، و​أخلى الفرنسيون مدينة طولون من سكانها تماماً لتتحول إلى قاعدة إرساء وتزود للأسطول العثماني لمدة ستة أشهر، وفيما زحفت القوات البرية الفرنسية وحاصرت مدينة نيس من البر، قام الأسطول العثماني بضربها من البحر. موهاج أسست لكل هذا. لهيمنة عثمانية على حوض الدانوب لأقل قليلا من قرنين، ولإدارة عثمانية للتناقضات الأورو-مسيحية لجيل أو جيلين، إذ تراجع الأمر في إثر الهزيمة العثمانية في معركة ليبانت 1571.
التنبه اليوم لإرث موهاج يعني أيضا خطل أي إسقاط لأدبيات «ما بعد كولونيالية» مستعجلة من أمره ومتخففة من الحد الأدنى من الشروط المنهجية على مسار العلاقة بين المدى الحضاري الإسلامي من بوابته العثمانية وبين أوروبا المسيحية. التجارب الكولونيالية الأوروبية في اتجاه جنوب حوض المتوسط تختلف عن مثيلاتها في أماكن اخرى من العالم لأنها تأتي بعد قرون من الصراع على الغلبة الإمبراطورية والحضارية، وليس من الصراع بين «غالبين» مزمنين و»مغلوبين» مزمنين.
إرث موهاج يظهر في المقابل أوروبا الوسطى كمجال للتداخل بين الإسلام العثماني وبين المسيحية في عصر الإصلاح والإصلاح المضاد. العثمانيون إمبراطورية «روميللية»، بلقانية، أكثر منها أناضولية أو آسيوية، لكن موهاج جعلت من الدانوب أفقا لهم أيضا. موهاج أسست لإمبراطورية ممتدة من الدانوب الى الفرات الى النيل. والى يومنا، لا يزال هناك مزار ديني عثماني مفتوح للزوار في قلب بودابست وهو ضريح غول بابا «أبو الورد»، الشاعر الصوفي البكتاشي الذي رافق سليمان القانوني عند دخول بودا مجددا عام 1541. لكن ما يجمع المجريون بتركيا، وريثة السلطنة الأساسية، يتعدى هذا الأثر «الموهاجي»، ويشمل «المغامرة الطورانية». والمجريون، كشعب يعيش في قلب أوروبا ولكن بلغة وجذور ليست هندوأوروبية وجدوا في فكرة «الجامعة التركية» أو «الطورانية» وسيلة للتمرد على «العزلة الهوية» بين الجرمان والسلاف. في القرن التاسع عشر، ومع صعود القوميات في أوروبا، كان الباحثون المجريون في حالة بحث محموم عن «جذور» تخرجهم من «جزيريتهم اللغوية»، فبرز بينهم ​أرمينيوس فامبيري الذي سبق جماعة «تركيا الفتاة» في الترويج لفكرة الانتماء الحضاري المشترك لطوران. بينما كانت موهاج تعني في الذاكرة المجرية «صداماً دموياً» بمسحة دينية جاءت الطورانية لتمحو آثار هذا الصدام وتستبدله بـ «أخوة عرقية»، لأجل ذلك يتفاوت ذكرى استحضار موهاج في المجر اليوم بين من يراها ذكرى تمزق طويل الأمد للأمة، وبين من يراها «لم شمل غير واعي» بين طورانيتين، مجرية وتركية.
كاتب لبناني
    نيسان ـ نشر في 2026/07/18 الساعة 00:00