'الناجي الوحيد' في قلب الهدنة.. وثيقة حيّة على عودة الإبادة لنقطة الصفر

نيسان ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 00:00
وسط زحام الأكفان البيضاء، وقف الطفل أيهم نسمان، في نقطة ذهول تجمدت ببحر من الفقد المباغت، لا يصرخ، ولا يبكي بصوت مسموع، بل يلفه صمت مطبق أشد وقعاً من أي عويل.
عينا "أيهم" الغائرتان، تائهتان، بين وجوه ذويه المسجاة على الأرض، تحدقان في جثامين والديه وشقيقيه، ويداعب خصلة شعر شقيقته الأصغر، باحثًا عن تفسير لبلدته التي عادت إلى مربع الموت فجأة، بعد أشهرٍ من هدوء كاذب.
ويشكل تكرار حالات الناجين الوحيدين، وهو يشيعون سلالتهم بأكملها، في ظل وقف إطلاق النار بغزة، شاهدًا دامغًا، على أن حرب الإبادة لم تضع أوزارها.
هذه الصورة المفجعة، لأيهم نسمان، الذي ارتقت عائلته أول أمس في قصف لشقتهم بمدينة غزة، وفي مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار ، ليست مجرد مأساة عابرة، بل هي الدليل الحي على أن حرب الإبادة الجماعية قد عادت إلى ذي بدء لتستأنف فصولها الممنهجة.
فُتح بدموية أكثر
ومع عودة استهداف عائلات آمنة بأكملها، فإن ملف الناجيين الوحيدين، فُتح على نحو أكثر دموية، في استمرار لمحو ديموغرافي للنسيج المجتمعي الفلسطيني بكامله، مما يؤكد النية المبيتة لشطب عائلات بأكملها من السجل المدني حتى بعد فترات التهدئة، وفق مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، إسماعيل الثوابتة.
ويقول في إحاطة حول الملف، لوكالة "صفا"، أن عودة استهداف المدنيين تعكس سياسة "المحو الممنهج" والإبادة الديموغرافية لشرائح المجتمع.
ويكشف الثوابتة أن أكثر من 39,022 أسرة فلسطينية تعرضت لمجازر دموية مباشرة، من بينها أكثر من 2,700 أسرة أُبيدت بالكامل ومُسحت تماماً من السجل المدني بواقع 8,574 شهيداً.
هذا في حين أُبيدت أكثر من 6,020 أسرة ولم يتبقَ منها سوى "ناجٍ وحيد" يواجه صدمة الفقد الكامل، وبلغ عدد شهداء هذه العائلات الممسوحة 12,917 شهيداً.
ويؤكد الثوابتة، أن استئناف هذه المجازر بعد وقف إطلاق النار يُعد وثيقة إدانة قانونية مكتملة الأركان تثبت "القصد الجنائي" للاحتلال في تدمير مجموعة قومية أو إثنية جزئياً أو كلياً.
ويشدد على أن هذا القصد، يطابق تعريف الإبادة الجماعية وفقاً للمادة الثانية من اتفاقية عام 1948، فضلاً عن كونها خرقاً جسيماً لاتفاقيات جنيف الأربع، وتُصنف كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقاً لميثاق المحكمة الجنائية الدولية.
وينوه إلى أن الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي، يتحملان المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية الكاملة عن استمرار هذه المذابح وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لها.
ويطالب الثوابتة بضرورة إدراج محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، هذه الإحصائيات الموثقة ضمن ملفات الإدانة الرسمية، والإسراع في إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة الاحتلال الذين أصدروا الأوامر المباشرة بمسح العائلات الفلسطينية من السجل المدني.
ويدعو الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي للتدخل الفوري والعاجل تحت البند السابع لاتخاذ قرار ملزم بوقف حرب الإبادة الجماعية فوراً.
ويحث المنظمات الحقوقية الدولية على إرسال لجان تقصي حقائق للوقوف على جرائم إبادة العائلات، وتسليط الضوء على مأساة "الناجين الوحيدين" الذين تُركوا يواجهون صدمة الفقد الكامل دون أي رعاية إنسانية دولية.
    نيسان ـ نشر في 2026/07/20 الساعة 00:00