هل لدينا أزمة جريمة وانحلال أخلاقي؟

محمد عايش
نيسان ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 00:00
من يتصفح شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي ينتهي إلى انطباع بأن مجتمعاتنا أصبحت غارقة في الجريمة والرذيلة والانحلال الأخلاقي والعنصرية والطائفية والإقليمية البغيضة، والمشاكل التي لا تنتهي والصراعات الأبدية والانقسامات البينية، ويشعر الناس بأن هذه الظواهر السيئة في حالة ازدياد مطرد وأنها وصلت الى مستويات غير مسبوقة.
وكلما رأينا كبار السن أقنعونا بأنَّ بلداننا ومجتمعاتنا قد تغيرت للأسوأ، وأنَّ جيل اليوم أصبح أكثر عدوانية من الأجيال السابقة، وأن أخلاقهم قد انحدرت وتدهورت الى الدرك الأسفل، وأننا نعيشُ مستويات غير مسبوقة من الجريمة والانحلال والتدهور الأخلاقي، فيما يبدو الشاهد على هذه الفرضية هو ما يتم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل يومي.
لدينا أزمة «سوشيال ميديا» وليس أزمة جريمة ولا أزمة أخلاق، وإنما نحن العرب كغيرنا مجتمعات عادية فيها الشخص الجيد والسيئ ولدينا من المجرمين الكثير، لكننا ما زلنا في معدلات طبيعية
والحقيقة أن هذا الانطباع السائد ليس صحيحاً، فلا مجتمعاتنا العربية أصبحت الأسوأ في العالم، ولا نحنُ اليوم أسوأ مما كنا عليه في السابق، وأن كل ما تغير هو أن لدينا «أزمة شبكات تواصل اجتماعي»، إذ إن هذه الشبكات تحولت إلى منصات لتداول أخبار الجريمة والانحلال والتدهور الأخلاقي، وهو ما يعني أن الجرائم التي كانت تحدث في السابق، لم نكن نسمع عنها، بينما هي اليوم يتم تصويرها بالهاتف، ويتم تداولها على نطاق واسع من شخص لآخر وتُصبح مادة للحديث والتندر والتعليق، وتثير جدلاً بات يومياً تقريباً في مجتمعاتنا العربية. الذي استجد في مجتمعاتنا العربية هي هذه المنصات، التي يتم عبرها تداول أخبار الجريمة، وبعض هذه المنصات تحول الى شبكات إلكترونية للانحلال الأخلاقي والرذيلة، وتبادل المقاطع المعيبة، أما هذه الجرائم والمظاهر فقد كانت موجودة في مجتمعاتنا سابقاً، وما زالت على حالها، وستظل كذلك، كما إن المجتمعات العربية لا تختلف عن غيرها من مجتمعات العالم، التي تشهد جرائم يومية، وهذه الجرائم ليست سوى أحداث استثنائية على الدوام.
كل ما حدث هو أن من يُقرر الانتحار اليوم (على سبيل المثال) في أي دولة عربية يقوم بذلك على مرآى ومسمع من الناس أجمعين، كما فعلت الناشطة المصرية بسنت سليمان التي فتحت بثاً مباشراً ونفذت عملية انتحارها على رؤوس الأشهاد، فيما يتبرع الكثيرون في العادة لتصوير أي مشاجرة، أو جريمة أو حادثة يصادفونها في حياتهم، كما حدث (على سبيل المثال) في الأردن مؤخراً، عندما قام أحد المارة بتصوير شاب وهو يلقي بنفسه من أعلى جسر موجود في العاصمة عمَّان، وسرعان ما تم تداول المقطع على نطاق واسع.
واقع الحال أنَّ الأرقام الرسمية المتعلقة بالجرائم، لا تُظهر أي ارتفاع في معدلات الجريمة في أقطارنا العربية خلال السنوات الأخيرة، كما أنَّ هذه الأرقام تؤكد أنَّ الدولَ العربية ما زالت هي الأكثر أماناً وسلاماً مقارنة بغيرها من دول العالم، وأن معدلات الجريمة في الدول الغربية والمتقدمة أكثر منها في دولنا العربية، ويُستثنى من ذلك بطبيعة الحال الدول التي تشهد حروباً وصراعات مسلحة، وهي أيضاً في حالة استثنائية.
وإذا أخذنا الأردن على سبيل المثال، كحالة أو مثال أو نموذج، فإننا نجد أنه على الرغم من أن الجرائم والحوادث هي الحديث اليومي للأردنيين على شبكات التواصل الاجتماعي، فإن معدلاتها الحقيقية شهدت هبوطاً كبيراً خلال السنوات الماضية، والحالة الأمنية شهدت تحسناً بالغ الأهمية، فحسب التقارير الإحصائية الصادرة عن مديرية الأمن العام فقد تم تسجيل 17 ألفاً و517 جريمة في الأردن خلال العام 2005، أي عندما كان عدد سكان المملكة 5.7 مليون شخص. أما في عام 2025 -أي بعدها بـ20 عاماً – فقد تم تسجيل 23 ألف جريمة فقط في الوقت الذي بلغ فيه عدد السكان 11.9 مليون نسمة، أي أن معدلات الجريمة انخفضت بأكثر من النصف في الأردن في هذه الفترة، لكن من يتابع شبكات التواصل الاجتماعي يجد بأنها تغرق يومياً بأخبار الجريمة!
ليس هذا فحسب، إذ ثمة معلومة بالغة الأهمية فيما يتعلق بالأردن، وهي أن 66% من الجرائم التي حدثت العام الماضي (2025)، هي جرائم واقعة على الأموال، وهي بالرقم 15 ألفاً و370 جريمة. الأمر الذي يعني أن أغلب الجرائم لها علاقة بالفقر والحاجة والتنافس التجاري والتهافت على الأموال، وهذا النوع من الجرائم لا يُشكل تهديداً للإنسان ولا خطراً على حياته، بل إن الكثير من دول العالم لا تتعامل مع كثير من هذه الجرائم بجدية، كما هو الحال في بريطانيا التي لا تقوم بتسجيل أي جريمة سرقة تقل قيمتها عن 400 جنيه إسترليني، على اعتبار أنها لا تستحق الانشغال بها.
وخلاصة القول، إن لدينا أزمة «سوشيال ميديا» وليس أزمة جريمة ولا أزمة أخلاق، وإنما نحن العرب كغيرنا مجتمعات عادية فيها الشخص الجيد والسيئ ولدينا من المجرمين الكثير، لكننا ما زلنا في معدلات طبيعية، وكل ما في الأمر أن شبكات التواصل أصبحت تسلط الضوء على هذه الجرائم والمظاهر البائسة وتجعلنا لا نرى غيرها.
كاتب فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 00:00