الانتخابات الفلسطينية المقبلة… مشروع تسويق أم متطلب وطني؟

أنيس فوزي قاسم
نيسان ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 00:00
يظهر أهل المقاطعة في رام الله بلادة استثنائية، حين تهبط عبقريتهم بمظلّة أمريكية باقتراح إجراء انتخابات لمجلس وطني ومجلس تشريعي ورئاسي، دفعة واحدة، أو على مراحل، حسب خطة يرسمها كوشنر ومشتقاته من أولاد البيت الأبيض.
هذه البلادة تعبّر عن انفصام شديد الخطورة على الفلسطينيين في الداخل، وفي الشتات على حدٍّ سواء.
أهل المقاطعة لا يدركون أن هناك إبادة تجري ومجاعة تقتل المئات من شعبنا ومشروع تهجير نشيط في قطاع غزة، وشأنهم شأن رئيس الدولة الصهيوني، يعتقدون أن كل مَن في غزة هو مقاتل في حماس، أو مشروع مقاتل، أي لا يوجد بريء في غزة، بمن في ذلك الأطفال.
لم يقرأ رجال المقاطعة تقرير اللجنة الدولية المستقلة لحقوق الإنسان الأخير، التي وثّقت توثيقاً مميزاً أن الجيش الإسرائيلي، الجيش الأكثر إجراماً في العالم، على حد تعبير رجل القانون الأسترالي سيدوتي، أن قتل الأطفال في غزة أمر مقصود ومبرمج. لم يرد في خاطرهم خطورة هذه المعلومة، من أن تلك خطة إبادة طويلة الأجل ولم يعد بإمكان شعبنا إعادة إنتاج نفسه، فضلاً عن إحداث فجوات بين الأجيال يصعب ردمها. ثم لماذا الانتخابات التشريعية والرئاسية؟
انتخابات التوافق على إعادة إنتاج مجلس وطني يستند إلى قاعدة شعبية واسعة سيكون الرد الحاسم على كل المناورات الرخيصة التي تحاول الالتفاف على القضية الوطنية
من التجارب الفلسطينية الثلاث للانتخابات التي جرت في ظل الاحتلال أرصد النتائج التالية: الأولى كانت في عام 1976، حيث جرت انتخابات لرؤساء بلديات الضفة الغربية، وحين نجح رؤساء بلديات يؤيدون منظمة التحرير الفلسطينية، تمّ إما محاولة اغتيال بسام الشكعة (نابلس) وكريم خلف (رام الله) وإبراهيم الطويل (البيرة) أو إبعاد بعضهم محمد ملحم وفهد القواسمي. التجربة الثانية كانت في عام 1996 وجاءت في ظل اتفاقيات أوسلو المشؤومة. وحين جاءت النتائج على مقاس سلطة الاحتلال تم قبولها والاعتراف بها على أنها «ديمقراطية». ثم جرت الانتخابات الثالثة في عام 2006، وحين كانت النتائج مفجعة لأقطاب المقاطعة ولسلطة الاحتلال، تمّ العمل على إلغائها ـ عملياً ـ وتشتيت النواب الذين نجحوا أو سجن بعضهم. ومع ذلك لماذا يتم انتخاب هذا المجلس؟ إنه مجلس تشريعي لا يملك أن يغيّر أي بند من بنود أوسلو.
فما الحكمة من تكرار هذه التجارب؟ وما هو الملحّ في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية؟ لا شك في أن «خطة ترامب للسلام» الموبوءة بكل آثام الاستعمار القديم وبكل جبروت الإمبريالية الحديثة، تتضمن وعداً باستخدام السلطة الفلسطينية في مرحلة ما من إعادة هيكلة غزة، جغرافيا وديموغرافياً، حسب خبراء التطوير العقاري وبناء الملاهي بمواصفات كوشنر وويتكوف، ولم تحدد الخطة شروط «إصلاح» السلطة. ولعلم مخططي «خطة ترامب» فإنه لم يبق شيء لم يتم «إصلاحه» في السلطة حسب شروط «سي السيد»! فهي قائمة على الفساد، وهو لا يحتاج الى إصلاح، لأن الفساد مكوّن أساسي في هيكلية السلطة وديمومتها، ولديها قوة شرطة درّبها الجنرال ديتون، وغيّر عقيدتها لكي تتوافق مع شروط الأمن الإسرائيلية. وقد أكد ذلك دايتون، في تقريره للكونغرس. وتستهلك القوات الأمنية بمختلف أجهزتها ومسمياتها أكثر من 45% من الميزانية بشكل مباشر وغير مباشر. وتمّ تعيين الوزير سموتريتش، مسؤولاً عن شؤون الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك السلطة الفلسطينية التي هي تابعة ـ قانونياً- للحاكم العسكري، وأثبتت السلطة ولاءً مطلقاً للاحتلال واعتبرت أن خدمته «أمراً مقدساً»، فلم تحرّك أي جهاز أمني أو أي أفراد منه لحماية – مثلاً- الرعاة في مسافر يطا، ولا لحماية الفلاحين في موسم قطف الزيتون في جيوس وسلفيت. وقتلت مقاومين فلسطينيين وسلّمت آخرين لسلطة الاحتلال، ولم يصدر عنها بيان إدانة مثلاً، دفاعاً عن الجوعى في غزة، وما زالت تحارب أي معونة تقدّم للاجئين الذي جرفت مخيماتهم في الضفة الغربية. ولم يبق من «الإصلاحات» شيء لم يتم إنجازه، والسلطة جاهزة بانتخابات أو من دونها، لتنفيذ الأوامر التي يصدرها «المعلم» وربما كانت الانتخابات هي محاولة نفخ عضلات السلطة، كي يبدو أن الأمر مستساغ للناظرين. السلطة كاملة «الإصلاحات» المطلوبة.
وباختصار، فإن محاولة إجراء انتخابات لمجلس تشريعي لا يملك من أمره شيئاً، أو انتخابات رئاسية، لا يملك الرئيس حق الوصول إلى مكتبه، من دون إذن من ضابط الاحتلال، ستكون محاولة بث الحياة في أوسلو التي يجب تصفيتها كما طالب المجلس الوطني والمجلس المركزي بذلك.
أما انتخابات المجلس الوطني، فهي «فرض عين» ويجب القيام به «كلما كان ذلك ممكناً»، وحيث لن يكون ذلك ممكناً، فإن تاريخ التجارب الفلسطينية أثبت أن «التوافق الوطني» هو الحل الأمثل، على أن يتم ذلك «بحسن نيّة» وليس مراعاة للشكل. إن التوافق بين عناصر أهل المقاطعة، مثلاً، لن يكون «توافقاً» بحسن نيّة، بل هو «تواطؤ». إن التوافق القائم على «حسن نيّة» يجب أن يضم كل الأطياف السياسية في الساحة الفلسطينية بمختلف التوجهات والأوضاع الاقتصادية والطبقية والمناطقية، فالشعب الفلسطيني ينتشر على مساحات جغرافية واسعة ويخضع لمؤثرات مختلفة، وبالتالي سيكون من علامات الصدق والمصداقية ومؤشرات النجاح، أن تتاح الفرصة لمختلف القطاعات في أن تكون ممثلة ولها حق الإدلاء بآرائها، إن في ذلك إثراءً للنقاش والوصول إلى نتائج أكثر نضجاً.
إن انتخابات التوافق على إعادة إنتاج مجلس وطني يستند إلى قاعدة شعبية واسعة سيكون الرد الحاسم على كل المناورات الرخيصة التي تحاول الالتفاف على القضية الوطنية بالتمسك باتفاقيات بائسة تلتزم بها بعض القيادات الفلسطينية، ولكن العدو تحلل منها منذ زمن بعيد. إن نجاح تجربة إعادة إنتاج مجلس وطني مرهون أولا بإسقاط اتفاقيات أوسلو وتصفية تركة أوسلو بما في ذلك كل ما ترتب على هذه الوثائق من موبقات وآثام وفساد، إن القول إن اختفاء السلطة فيه سلبيات عديدة هو قول لا يستقيم وواقع الحال، وإن وجود السلطة على وضعها الحالي هو عبء كبير على الشعب، إذ جعل العالم يتصرف معها وكأنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وهو وضع لا يستند إلى أساس واقعي أو شرعي. ثانياً، إن السلطة تعتبر التعاون مع سلطة الاحتلال «أمرا مقدّسا» وهذا يتجافى مع مشاعر الولاء للشعب الفلسطيني وقضيته، وثالثاً، إن السلطة، حتى لو فرضنا أنها شرعية (وهذا افتراض ساقط) قد جاءت بأصوات نصف الشعب الفلسطيني، ذلك أن فلسطينيي الداخل (باستثناء فلسطينيي فلسطين) هم الذين لهم حق الانتخاب طبقاً لمواصفات أوسلو. ورابعاً، إن السلطة تأتمر بأوامر الاحتلال وسيده الأمريكي. ولنا أمثلة عديدة تؤيّد انصياع السلطة لأوامر «المعلم»، منها، عدم تقديم تقرير غولدستون إلى مجلس حقوق الإنسان بناءً على تعليمات سكرتير في القنصلية الأمريكية في القدس آنذاك، ومنها كذلك وقف الدعوى التي أقامتها فلسطين ضد الولايات المتحدة، حين تمّ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشرقية، حيث ضغطت الولايات المتحده على القيادة بإسقاط الدعوى أمام محكمة العدل الدولية، ولكن تمّ الاتفاق على تجميدها، وما زالت الدعوى قائمة في سجلات المحكمة منذ عام 2018، ولكنها غير متداولة بناءً على أوامر «المعلم». وهناك أمثلة أخرى عديدة، ولكن تلك بعض الأمثلة التي يُعلن عنها. ولهذا فإن إنهاء دور القيادة الحالية هو شرط أصيل لبناء نظام سياسي فلسطيني يعتصم بكل الثوابت الوطنية كما صاغها الميثاق الوطني الفلسطيني.
محام وكاتب فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 00:00