تركيا وحلف الناتو… أيهما يحتاج الآخر؟

د. مثنى عبدالله
نيسان ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 00:00
عُقدت على مدى يومين القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في العاصمة التركية أنقرة للفترة من 7 – 8 يوليو/ تموز 2026. وهي القمة الثانية التي تستضيفها تركيا، إذ كانت الأولى قد عقدت في إسطنبول عام 2004، لكن القمة الأخيرة تكتسب أهمية خاصة، في ظل التحديات التي تواجه الحلف والمنظومة الأمنية العالمية، فما مدى أهمية تركيا لحلف الناتو؟
لا شك في أن تركيا باتت لاعبا عسكريا ودبلوماسيا على الساحة الدولية، وفي حلف الناتو أيضا، وأهميتها تزداد بسبب التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، التي تشهد سيولة في التحالفات، وعلى الرغم من أن أنقرة تجد نفسها وهي في الناتو الآن، تلعب في إطار هذا التحالف المهم، الذي أعطاها أهمية استراتيجية كبيرة على مدار العقود الماضية، لكن أيضا هي تجد هناك مساحة كبيرة للمناورة الاستراتيجية بشكل منفرد، لأنه بسبب تعقّد الملفات من روسيا إلى الشرق الأوسط حيث حرب غزة، والتطورات في إيران، والعلاقات مع إسرائيل التي تشهد توترا حادا، نجد أن تركيا وهي في قلب الناتو، تظهر إلى حد كبير لاعبا استراتيجيا له هامش مناورة كبير لحماية مصالح تركيا للأمن القومي، فحلف الناتو كبير جدا ويشبه إلى حد ما الاتحاد الأوروبي، حيث هناك مراكز قوى وتعددية في الرؤى الاستراتيجية.. وأنقرة رغم عضويتها في الحلف وأهمية تلك العضوية، فإنها تجد أن عليها أيضا أن تسلك مسارا استراتيجيا مستقلا، إلى حد ما، تحسبا لما قد يأتي، خاصة أن المنطقة تشهد تحولات كبرى، ويمكن حدوث أشياء كثيرة، بالتالي نرى أنقرة وهي تحاول أن تستقل، ليس فقط في القرار السيادي الاستراتيجي، بل أيضا عسكريا، خاصة أنه باتت لديها صناعات عسكرية متقدمة.
لا يزال حلف شمال الأطلسي بحالة صحية مقبولة، وما زال الحلف الأقوى في العالم، وهذا تم تثبيته في قمة أنقرة مؤخرا. لكن لا يمكن تجاهل اختلاف مواقف الدول الأعضاء، حيال قضايا حيوية
لقد ظهر مؤخرا الكثير من الآراء التي تقول، إن تركيا تنتهج إلى حد ما، مسارا استقلاليا عن حلف الناتو، بل إن البعض يرى انها باتت صعبة المراس داخل هذا الحلف، ويعزون هذا السلوك التركي إلى الاستقلالية العسكرية، لكن لا يمكن الركون إلى عنصر واحد في تقييم هذه الحالة التركية، بل هناك أسباب أخرى منها، أولا الموقع الجغرافي لتركيا. ثانيا الهاجس التركي في الرغبة في أن تكون قوة مُهيمنة في الشرق الأوسط وآسيا وأوراسيا، بالتالي باتت لديها القدرة على امتلاك العناصر العسكرية والعناصر الجيوسياسية. وكل هذه أهّلتها لتكون لاعبا أساسيا في ملفات أخرى منها، الهجرة وتراجع القدرة العسكرية لدى أوروبا. والحقيقة أن نزعة الاستقلال هذه ليست فقط عند الأتراك، بل يشاركهم فيها الألمان والفرنسيون أيضا، وجميعهم يحاولون أن يُطوّروا عقائد عسكرية جديدة مبنية على مفاهيم تعاونية.
إن موقع تركيا الجغرافي ووزنها السياسي في المنطقة، والدور الذي تلعبه في ملفات عديدة، يجعلها دولة مهمة بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، وبذلك فالمعادلة هي أن تركيا والحلف كل منهما بحاجة إلى الآخر، بسبب وجود أكثر من متغير على المستوى الثنائي والمستوى الإقليمي والمستوى الدولي. كما أن أجواء وظروف قبول تركيا في الناتو في عام 1953، وأجواء اليوم على مستوى الحلف ككل، وموضوع العلاقات بين أنقرة والحلف، كلها تحتاج إلى قراءة جذرية في التوازنات والعلاقات بين دول الحلف، كذلك رؤية الحلف على المستوى الإقليمي والدولي. لكن السؤال المهم هو، هل حلف شمال الأطلسي بشكل عام بصحة جيدة؟
لا شك في أن نتائج اليومين من اجتماعات الناتو، حسب الإعلان النهائي لهذه القمة، والتصريحات التي جاءت على لسان أمينه العام، تبدو كلها تصريحات إيجابية، لكن من المعلوم أن هناك مشاكل في العُمق، برزت بشكل واضح عبر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أي أن هناك مشكلة حقيقية بين دول الحلف تتعلق بقضايا عدة، لا سيما القرار المشترك ومنظومة الأمن الدفاعي. وهنا لا بد من التذكير بأنه عند وصول ترامب إلى البيت الأبيض للمرة الأولى، كان لديه توجه واضح لإنهاء زمن حلف الناتو، إلى الحد أنه اعتبره من مخلفات الماضي، لكن لعله من دون أن يدري لعب دورا إيجابيا، رُب ضارة نافعة كانت بالنسبة للأوروبيين، إذ أصّر على رفع ميزانيات الدفاع عند الدول الأوروبية، وهذا ما حصل بصورة تدريجية منذ ذلك الوقت إلى اليوم، حيث يُقدّر اليوم بين 3 ـ 5% من كل دولة، ثم أتت الحرب في أوكرانيا في عام 2022، التي أعطت زخما إضافيا لضرورة بقائه.
لكن أهم نقاش برز في قمة حلف الأطلسي الأخيرة، كان حول تطبيق المواد التي تقول بنجدة الحلفاء الآخرين، حيث إن مسألة الحرب على إيران، كان الجانب الأوروبي والأطلسي يقول هذه الحرب ليست حربنا، ولا تنطبق عليها حالة اعتداءات 11 سبتمبر مثلا، أو ما جرى في برلين في بدايات الحرب الباردة، كي تأتي الدول لنجدة الولايات المتحدة، مع ذلك وفي كل الأحوال هناك دوما تضامن كبير بين هذه الدول، فهناك خطط حول أوكرانيا جرى وضعها وتقديم دعم بـ70 مليارا. وعليه يمكن القول إنه لا يزال حلف شمال الأطلسي بحالة صحية مقبولة، وما زال هو الحلف الأقوى في العالم، وهذا تم تثبيته في قمة أنقرة مؤخرا. لكن لا يمكن تجاهل اختلاف مواقف الدول الأعضاء، حيال قضايا حيوية تواجه الحلف، مثل حرب أوكرانيا حيث نجد تفاوتا في الآراء، وهذه كبيرة بين ترامب والدول الأوروبية، وموضوع إيران التفاوت فيه أكبر، لكن هل يمكن القول إن حلف شمال الأطلسي قد جدد نفسه في القمة الأخيرة؟
يبدو أن هناك من يُفرط في التفاؤل بالقول، إن نسخة جديدة من حلف الناتو قد أفرزتها قمة أنقرة الأخيرة، وهناك جيل جديد من منظومة الحلف. طبعا لا يمكن الحكم على هذه الرؤية بأنها واقعية بشكل تام. لكن يمكن القول إن هناك تأقلما لحلف شمال الأطلسي مع المتغيرات. فالنسخة الأصلية لا تزال هي هي منذ عام 1949، حيث تأسس الحلف كردة فعل تجاه حلف وارسو، حتى إن البعض تصور عند نهاية الحرب الباردة يجب أن تطوى صفحة الحلف. لكن بسرعة لاحظنا تسلسلا كبيرا للأحداث، في بدايات القرن الحادي والعشرين، حيث جرى استخدام الحلف في البلقان وفي أفغانستان وفي الشرق الأوسط. لكن الملاحظة المهمة هو أن الجناح الأوروبي في الحلف، بات منكبّا على صناعة نوع من إمكانية الاستقلال الذاتي، وتشكيل كتلة عسكرية ضمن هذا الحلف نفسه وهذا شيء جديد.
كاتب عراقي
    نيسان ـ نشر في 2026/07/21 الساعة 00:00