المليونير الصغير
نيسان ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 00:00
لم أكن أعرف ذلك الشاب معرفةً وثيقة؛ فقد كان زميلًا لي في إحدى الجمعيات. اتصل بي مرارًا، وألحّ عليّ كثيرًا أن أقرضه مبلغًا من المال، وأخبرني بأنه خسر جميع أمواله في أحد المشاريع، وأنه لم يعد يملك ثمن علاج طفلته. وللأسف، لم أتمكن من مساعدته.
قبل أيام، قرأت نعيه، فتأثرت كثيرًا، وظلّ ضميري يلحّ عليّ: لعلني كنت سببًا، في وفاته. أحاول أن أطرد هذه الفكرة من رأسي، مع أنني أعلم أنه كان ضحيةً للأوهام التي تُسوَّق عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأسواق التداول؛ تلك الأوهام التي تعد الشباب بالثراء السريع، ثم تتركهم بالخسائر والحسرة والديون والندم.
كان مسار حياة أبناء جيلي مرسومًا سلفًا؛ فمن كان والده يملك مشروعًا، عمل معه، ومن لم تكن أسرته تملك مشروعًا، اتجه إلى الوظيفة التي كانت تضمن له الحد الأدنى من العيش. وفي بدايات حياتنا، لم يخطر ببالنا أن نصبح من روّاد الأعمال؛ فهذا المصطلح نفسه لم يكن قد وصل إلينا بعد.
أما اليوم، فلو سألت أيَّ مراهق: «ماذا ستعمل عندما تكبر؟» فقد يجيبك بثقة: «ولماذا أنتظر حتى أكبر؟ أنا رائد أعمال بالفعل!» لقد ترسّخت هذه الفكرة في أذهان كثير من الشباب بعد أن شاهدوا عشرات الأشخاص في مقتبل العمر يعرضون قصص نجاحهم، ويتحدثون عن الثروات التي جنوها، ويروون تجاربهم، ويوزّعون نصائحهم، ويستعرضون مظاهر الحياة الفاخرة التي يعيشونها، ثم يحفّزون الآخرين على السير في طريقهم وتقليدهم.
نصيحتي للشباب: لا تقعوا في فخ هؤلاء الدجّالين؛ فبناء مشروع تجاري ليس أمرًا هيّنًا، ولا طريقًا مختصرًا إلى الثراء، بل رحلة طويلة مليئة بالتحديات والمشكلات المعقّدة، وتحتاج إلى كثير من الوقت والجهد حتى يقف المشروع على قدميه.
تشير بعض التقارير إلى أن 10 % فقط من الشركات حول العالم تتمكن من الاستمرار بعد خمسة أعوام، في حين لا تتجاوز نسبة التطبيقات التي تنجح 3 %. أما في الأردن، فقد تكون النسبة أقل من ذلك؛ إذ يكفي أن نعلم أن 59 % من المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تستمر.
يقول المنطق إن فرص النجاح تتحسن كلما تراكمت الخبرة وتوافرت الأموال؛ فالمعرفة والتجربة ورأس المال تمنح صاحب المشروع قدرةً أكبر على مواجهة الأزمات، وتصحيح الأخطاء، وتجاوز العقبات. أما الذين يظهرون على مواقع التواصل الاجتماعي، فهم في الغالب من يدّعون النجاح أو يستعرضونه، بينما لا يكاد أحد يتحدث عن تجاربه الفاشلة أو عن الأموال التي خسرها في الطريق.
انظروا إلى أثرياء الأردن، واسألوهم: متى كوّنتم ثرواتكم؟ لن تجدوا واحدًا منهم يقول إنه صنع ثروته في العشرينيات من عمره. ثم انظروا إلى أشهر أثرياء العالم، مثل إيلون ماسك وبيل غيتس وستيف جوبز؛ فجميعهم لم يبلغوا ذروة نجاحهم وثرواتهم إلا بعد أن تجاوزوا منتصف الثلاثينيات. ولن يخبركم أحد على مواقع التواصل الاجتماعي، بكل صراحة، من أين حصل على الأموال التي بدأ بها مشروعه، أو من الذي أنقذه عندما تعثّر.
كثير من الأثرياء أبناء لعائلات ثرية تلقّوا دعمًا ماليًا كبيرًا من آبائهم. الأب الثري لا يوفّر لابنه المال فحسب، بل يتيح له كذلك الدراسة في أفضل المدارس والجامعات، وما تمنحه هذه المؤسسات من شبكة واسعة من العلاقات، فضلًا عن المصاهرة مع عائلات قد تقدّم له مزيدًا من الدعم. وقد يُموَّل المشروع كاملًا من أموال الأسرة، وقد يخسر صاحبه مئات الآلاف قبل أن يقف على قدميه. ومع ذلك، ثقوا تمامًا بأن أحدًا لن يحدثكم عن هذه التفاصيل حين يروي لكم قصة نجاحه.
وثقوا أيضًا بأن مشاهدة أحد المحتالين على مواقع التواصل الاجتماعي، أو متابعة مروّجي أسواق التداول، أو شراء دورة عبر «إنستغرام» بمئة دينار، لن تمنحكم سيارةً رياضية ولا شقةً في العقبة. إنهم يخدعونكم، وفي أقلّ تقدير يسعون إلى انتزاع ما تملكونه من نقود قليلة، مستغلّين أحلامكم وطموحاتكم ورغبتكم في تغيير حياتكم سريعًا.
لا أقول هذا لتثبيط الشباب أو دعوتهم إلى التخلي عن طموحاتهم؛ فقد خضت بنفسي تجارب كثيرة خسرت فيها أموالًا، أما التجارب التي نجحت، فلم تدرّ عليّ، في أحسن الأحوال، سوى قروش قليلة. وإنما أقول لهم: أمامكم متّسع من الوقت لبدء مشاريعكم لاحقًا، بعد أن تكتسبوا الخبرة الكافية، وتوفّروا قدرًا مناسبًا من المال، وتصبحوا أكثر قدرةً على تقدير المخاطر وتحمل نتائجها.
انظروا إلى سنوات العشرين على أنها مرحلة للتعلّم وبناء الخبرة، لا سباقًا محمومًا نحو الثراء. ولا تصدّقوا أبدًا ما يروّجه المجتمع من أن النجاح يُقاس بحجم الرصيد في الحساب البنكي؛ فكلما تقدّمتم في العمر، أدركتم أن هذا التعريف للنجاح ناقص وغير صحيح.
الذكي ليس بالضرورة من يبدأ حياته صاحب مشروع، بل قد يكون من يبدأ موظفًا، فيتعلّم ويكتسب الخبرة ويفهم السوق، ثم يؤسس مشروعه الخاص عندما تتوافر لديه المعرفة والإمكانات المناسبة.
لذلك، علينا أن نتحدى المفاهيم الخاطئة التي تصف الموظف بأنه غير طموح أو محدود الذكاء؛ فهو، في كثير من الأحيان، أكثر حكمةً ممن باع مصاغ زوجته أو أرض أبيه ليموّل مشروعًا لم يقده في النهاية إلا إلى السجن أو إلى أزمة قلبية، كما حدث مع صديقي.
قبل أيام، قرأت نعيه، فتأثرت كثيرًا، وظلّ ضميري يلحّ عليّ: لعلني كنت سببًا، في وفاته. أحاول أن أطرد هذه الفكرة من رأسي، مع أنني أعلم أنه كان ضحيةً للأوهام التي تُسوَّق عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأسواق التداول؛ تلك الأوهام التي تعد الشباب بالثراء السريع، ثم تتركهم بالخسائر والحسرة والديون والندم.
كان مسار حياة أبناء جيلي مرسومًا سلفًا؛ فمن كان والده يملك مشروعًا، عمل معه، ومن لم تكن أسرته تملك مشروعًا، اتجه إلى الوظيفة التي كانت تضمن له الحد الأدنى من العيش. وفي بدايات حياتنا، لم يخطر ببالنا أن نصبح من روّاد الأعمال؛ فهذا المصطلح نفسه لم يكن قد وصل إلينا بعد.
أما اليوم، فلو سألت أيَّ مراهق: «ماذا ستعمل عندما تكبر؟» فقد يجيبك بثقة: «ولماذا أنتظر حتى أكبر؟ أنا رائد أعمال بالفعل!» لقد ترسّخت هذه الفكرة في أذهان كثير من الشباب بعد أن شاهدوا عشرات الأشخاص في مقتبل العمر يعرضون قصص نجاحهم، ويتحدثون عن الثروات التي جنوها، ويروون تجاربهم، ويوزّعون نصائحهم، ويستعرضون مظاهر الحياة الفاخرة التي يعيشونها، ثم يحفّزون الآخرين على السير في طريقهم وتقليدهم.
نصيحتي للشباب: لا تقعوا في فخ هؤلاء الدجّالين؛ فبناء مشروع تجاري ليس أمرًا هيّنًا، ولا طريقًا مختصرًا إلى الثراء، بل رحلة طويلة مليئة بالتحديات والمشكلات المعقّدة، وتحتاج إلى كثير من الوقت والجهد حتى يقف المشروع على قدميه.
تشير بعض التقارير إلى أن 10 % فقط من الشركات حول العالم تتمكن من الاستمرار بعد خمسة أعوام، في حين لا تتجاوز نسبة التطبيقات التي تنجح 3 %. أما في الأردن، فقد تكون النسبة أقل من ذلك؛ إذ يكفي أن نعلم أن 59 % من المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تستمر.
يقول المنطق إن فرص النجاح تتحسن كلما تراكمت الخبرة وتوافرت الأموال؛ فالمعرفة والتجربة ورأس المال تمنح صاحب المشروع قدرةً أكبر على مواجهة الأزمات، وتصحيح الأخطاء، وتجاوز العقبات. أما الذين يظهرون على مواقع التواصل الاجتماعي، فهم في الغالب من يدّعون النجاح أو يستعرضونه، بينما لا يكاد أحد يتحدث عن تجاربه الفاشلة أو عن الأموال التي خسرها في الطريق.
انظروا إلى أثرياء الأردن، واسألوهم: متى كوّنتم ثرواتكم؟ لن تجدوا واحدًا منهم يقول إنه صنع ثروته في العشرينيات من عمره. ثم انظروا إلى أشهر أثرياء العالم، مثل إيلون ماسك وبيل غيتس وستيف جوبز؛ فجميعهم لم يبلغوا ذروة نجاحهم وثرواتهم إلا بعد أن تجاوزوا منتصف الثلاثينيات. ولن يخبركم أحد على مواقع التواصل الاجتماعي، بكل صراحة، من أين حصل على الأموال التي بدأ بها مشروعه، أو من الذي أنقذه عندما تعثّر.
كثير من الأثرياء أبناء لعائلات ثرية تلقّوا دعمًا ماليًا كبيرًا من آبائهم. الأب الثري لا يوفّر لابنه المال فحسب، بل يتيح له كذلك الدراسة في أفضل المدارس والجامعات، وما تمنحه هذه المؤسسات من شبكة واسعة من العلاقات، فضلًا عن المصاهرة مع عائلات قد تقدّم له مزيدًا من الدعم. وقد يُموَّل المشروع كاملًا من أموال الأسرة، وقد يخسر صاحبه مئات الآلاف قبل أن يقف على قدميه. ومع ذلك، ثقوا تمامًا بأن أحدًا لن يحدثكم عن هذه التفاصيل حين يروي لكم قصة نجاحه.
وثقوا أيضًا بأن مشاهدة أحد المحتالين على مواقع التواصل الاجتماعي، أو متابعة مروّجي أسواق التداول، أو شراء دورة عبر «إنستغرام» بمئة دينار، لن تمنحكم سيارةً رياضية ولا شقةً في العقبة. إنهم يخدعونكم، وفي أقلّ تقدير يسعون إلى انتزاع ما تملكونه من نقود قليلة، مستغلّين أحلامكم وطموحاتكم ورغبتكم في تغيير حياتكم سريعًا.
لا أقول هذا لتثبيط الشباب أو دعوتهم إلى التخلي عن طموحاتهم؛ فقد خضت بنفسي تجارب كثيرة خسرت فيها أموالًا، أما التجارب التي نجحت، فلم تدرّ عليّ، في أحسن الأحوال، سوى قروش قليلة. وإنما أقول لهم: أمامكم متّسع من الوقت لبدء مشاريعكم لاحقًا، بعد أن تكتسبوا الخبرة الكافية، وتوفّروا قدرًا مناسبًا من المال، وتصبحوا أكثر قدرةً على تقدير المخاطر وتحمل نتائجها.
انظروا إلى سنوات العشرين على أنها مرحلة للتعلّم وبناء الخبرة، لا سباقًا محمومًا نحو الثراء. ولا تصدّقوا أبدًا ما يروّجه المجتمع من أن النجاح يُقاس بحجم الرصيد في الحساب البنكي؛ فكلما تقدّمتم في العمر، أدركتم أن هذا التعريف للنجاح ناقص وغير صحيح.
الذكي ليس بالضرورة من يبدأ حياته صاحب مشروع، بل قد يكون من يبدأ موظفًا، فيتعلّم ويكتسب الخبرة ويفهم السوق، ثم يؤسس مشروعه الخاص عندما تتوافر لديه المعرفة والإمكانات المناسبة.
لذلك، علينا أن نتحدى المفاهيم الخاطئة التي تصف الموظف بأنه غير طموح أو محدود الذكاء؛ فهو، في كثير من الأحيان، أكثر حكمةً ممن باع مصاغ زوجته أو أرض أبيه ليموّل مشروعًا لم يقده في النهاية إلا إلى السجن أو إلى أزمة قلبية، كما حدث مع صديقي.
نيسان ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 00:00