الوثائق السرية للسياسة الأمريكية
نيسان ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 00:00
للذين ما زالوا يعتقدون بأنه من الممكن الاعتماد على دولة الولايات المتحدة الأمريكية في المساعدة على إيجاد حل عادل إنساني للموضوع الفلسطيني، وعلى الأخص في مشاهد احتلال فلسطين التوسّعي البربري المتعاظم، والتعامل مع شعبها ومقاومته بالقتل والتهجير وانتهاك الأعراض، وحرق وتدمير الأرض وما عليها من طبيعة وعمران، أو على مساهمة هذه الدولة في بناء أنظمة ديمقراطية في أي قطر عربي، أو دولة إسلامية.. لهؤلاء جميعاً أقول لهم «إقرأوا ولو القليل عن تاريخ هذه الدولة الاستعمارية الأنانية الدموية اللاأخلاقية، لتعرفوا أن تاريخ فكر وسلوكيات هذه الدولة لا يمكن أن تقوم بذرة مما تظنون أو تأملون.
دعوني فقط أقوم بداية باستعراض المبادئ والمنطلقات والخطوط الحمر، وخطط المؤامرات التي جاءت في بعض ما سُمح حتى الآن رسمياً، بنشره بشأن السياسة الخارجية الأمريكية.
أما المشاهد الفكرية والسلوكية الداخلية لأنظمة الحكم الأمريكي عبر العقود الطويلة، التي لا تقل في بشاعاتها عما خطط للخارج فسأتركه لأحرار ومفكري ومثقفي أمريكا، الذين لا يتوقفون عن ذكرها ونقدها يومياً بشتى السبل.
فما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وبالتحديد في عام 1948، ومع تساقط أو ضعف العديد من دول أوروبا، ممّن خاضوا أو واجهوا الحرب، كتب جورج كنان رئيس التخطيط في وزارة الخارجية، مذكرة جاء فيها بما معناه أن أمريكا أصبحت تملك نصف ثروة العالم، مع أن نسبة تعداد سكانها لا يزيدون عن 6%، وبالتالي سيغار منها الكثيرون. وعليه فعلى الوزارة أن تتعامل مع العالم من دون عواطف ولا أحلام يقظة، مثل شعارات غامضة كحقوق الإنسان، أو رفع مستوى المعيشة، أو الانتقال إلى الديمقراطية، بل علينا أن نتعامل بتعابير القوة بدلاً من المثاليات. هذا ما جاء في وثيقة رسمية سرية متبناة من قبل الوزارة والمجلس الوطني للشؤون الخارجية. وفي سنة 1950 كتب المسؤول نفسه وثيقة أخرى عن دول أمريكا الجنوبية، قائلاً ما معناه أننا بدأنا مؤخراً نسمع على لسان بعض مسؤولي بعض دول أمريكا اللاتينية خزعبلات، مثل إن مسؤولية حكوماتهم المباشرة هي توفير الخدمات الاجتماعية للشعوب. وهي خزعبلات شيوعية نرفضها ونحاربها، ذلك أن ما يوجد من مواد أولية في تلك البلدان يجب أن يكون جزءاً منه لنا ولشركاتنا، ومن أجل ذلك يجب أن يكون الوجود الأمريكي في تلك البلدان ضابطاً ومهيمناً، حتى لو اضطررنا للتصرف كشرطة تمنع مثل ذلك الفكر المرفوض.
لم تكن شعارات أمريكا بأنها ناشرة ومساندة للديمقراطية في العالم إلا ادعاءات مشروطة بألف عقبة وعقبة وتحت راية ألف خائن لآمال شعبه وتطلعاته الديمقراطية المشروعة
ولم تكن تلك الأقوال أكثر من تقليد وتأكيد لمبدأ وضعته وزارة الخارجية الأمريكية تحت مسمّى مبدأ مونرو الذي يجعل أمريكا الجنوبية بكاملها منطقة نفوذ أمريكية لا ينافسها فيها أحد على الإطلاق. وفي تلك الوثائق قسّم جورج كنان العالم إلى مناطق مصلحية لأمريكا، مثل اعتبار منطقة الشرق الأوسط مصدراً مهماً من مصادر المواد الأولية وسوقاً للبضاعة الأمريكية، وأضاف لذلك، من دون خجل، أن أمريكا يجب أن تستغل ثروات تلك المنطقة لصالحها. ومن أغرب ما تكرر في الوثائق، الإصرار على أن تقف أمريكا ضد ما تسميها الحركات الليبرالية الديمقراطية الشعبية المتطرفة، إذ أن هؤلاء سيقفون دوماً ضد هيمنة الشركات الأمريكية على تلك البلدان. وكانت التوصية البارزة تقول إن بلدان العالم الثالث يجب أن تركز على التصنيع للتصدير، وليس لتحسين معيشة السكان العاديين، وعلى الأخص الفقراء منهم. كان أحد الأهداف الرئيسية دوماً هو خدمة الرأسمالية الأمريكية، والمساعدة على ذلك بالانقلابات والاغتيالات، إن لزم الأمر، على ترسيخ نفوذ الشركات الأمريكية الكبرى عبر العالم كله. ولذلك ذكرت بعض الوثائق ضرورة محاربة الانتقال لأي نظام ديمقراطي في العالم الثالث، إذا لم يكن تحت السيطرة الأمريكية، الناعمة والخشنة إن لزم الأمر. لم تكن شعارات أمريكا بأنها ناشرة ومساندة للديمقراطية في العالم إلا ادعاءات مشروطة بألف عقبة وعقبة وتحت راية ألف خائن لآمال شعبه وتطلعاته الديمقراطية المشروعة. وما جرى لبلدان جنوب أمريكا اللاتينية من مؤامرات لوأد الديمقراطية أصبحت قصصاً معروفة. لم يكن الهدف الأمريكي الأساسي، حسب الوثائق، هو دمقرطة العالم، بل كان نشر الاستقرار الملائم للمصالح الأمريكية الاقتصادية والأمنية والسياسية على الأخص.
قد تكون هناك أسرار أخرى في وثائق جديدة، ذلك لا نعرفه، لأن قسماً كبيراً منها لا تزال غير مسموح بنشرها أو معرفة ما فيها.
جئت بكل ذلك لأطرح السؤال الآتي: هل أن وثائق مثل هذه كتبت من قبل وزارة الخارجية الأمريكية والمجلس الوطني للعلاقات الخارجية، تناسب ما وصل العرب إليه من إقحام أمريكا في كل شؤونهم وقضاياهم، اعتقاداً منهم بأنها ستكون دولة محايدة وراغبة في مساعدة الشعوب العربية؟ يا شباب وشابات العرب ادرسوا هذا التاريخ بتمعّن واحكموا بأنفسكم على الأكاذيب التي تسمعونها يومياً.
كاتب بحريني
دعوني فقط أقوم بداية باستعراض المبادئ والمنطلقات والخطوط الحمر، وخطط المؤامرات التي جاءت في بعض ما سُمح حتى الآن رسمياً، بنشره بشأن السياسة الخارجية الأمريكية.
أما المشاهد الفكرية والسلوكية الداخلية لأنظمة الحكم الأمريكي عبر العقود الطويلة، التي لا تقل في بشاعاتها عما خطط للخارج فسأتركه لأحرار ومفكري ومثقفي أمريكا، الذين لا يتوقفون عن ذكرها ونقدها يومياً بشتى السبل.
فما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وبالتحديد في عام 1948، ومع تساقط أو ضعف العديد من دول أوروبا، ممّن خاضوا أو واجهوا الحرب، كتب جورج كنان رئيس التخطيط في وزارة الخارجية، مذكرة جاء فيها بما معناه أن أمريكا أصبحت تملك نصف ثروة العالم، مع أن نسبة تعداد سكانها لا يزيدون عن 6%، وبالتالي سيغار منها الكثيرون. وعليه فعلى الوزارة أن تتعامل مع العالم من دون عواطف ولا أحلام يقظة، مثل شعارات غامضة كحقوق الإنسان، أو رفع مستوى المعيشة، أو الانتقال إلى الديمقراطية، بل علينا أن نتعامل بتعابير القوة بدلاً من المثاليات. هذا ما جاء في وثيقة رسمية سرية متبناة من قبل الوزارة والمجلس الوطني للشؤون الخارجية. وفي سنة 1950 كتب المسؤول نفسه وثيقة أخرى عن دول أمريكا الجنوبية، قائلاً ما معناه أننا بدأنا مؤخراً نسمع على لسان بعض مسؤولي بعض دول أمريكا اللاتينية خزعبلات، مثل إن مسؤولية حكوماتهم المباشرة هي توفير الخدمات الاجتماعية للشعوب. وهي خزعبلات شيوعية نرفضها ونحاربها، ذلك أن ما يوجد من مواد أولية في تلك البلدان يجب أن يكون جزءاً منه لنا ولشركاتنا، ومن أجل ذلك يجب أن يكون الوجود الأمريكي في تلك البلدان ضابطاً ومهيمناً، حتى لو اضطررنا للتصرف كشرطة تمنع مثل ذلك الفكر المرفوض.
لم تكن شعارات أمريكا بأنها ناشرة ومساندة للديمقراطية في العالم إلا ادعاءات مشروطة بألف عقبة وعقبة وتحت راية ألف خائن لآمال شعبه وتطلعاته الديمقراطية المشروعة
ولم تكن تلك الأقوال أكثر من تقليد وتأكيد لمبدأ وضعته وزارة الخارجية الأمريكية تحت مسمّى مبدأ مونرو الذي يجعل أمريكا الجنوبية بكاملها منطقة نفوذ أمريكية لا ينافسها فيها أحد على الإطلاق. وفي تلك الوثائق قسّم جورج كنان العالم إلى مناطق مصلحية لأمريكا، مثل اعتبار منطقة الشرق الأوسط مصدراً مهماً من مصادر المواد الأولية وسوقاً للبضاعة الأمريكية، وأضاف لذلك، من دون خجل، أن أمريكا يجب أن تستغل ثروات تلك المنطقة لصالحها. ومن أغرب ما تكرر في الوثائق، الإصرار على أن تقف أمريكا ضد ما تسميها الحركات الليبرالية الديمقراطية الشعبية المتطرفة، إذ أن هؤلاء سيقفون دوماً ضد هيمنة الشركات الأمريكية على تلك البلدان. وكانت التوصية البارزة تقول إن بلدان العالم الثالث يجب أن تركز على التصنيع للتصدير، وليس لتحسين معيشة السكان العاديين، وعلى الأخص الفقراء منهم. كان أحد الأهداف الرئيسية دوماً هو خدمة الرأسمالية الأمريكية، والمساعدة على ذلك بالانقلابات والاغتيالات، إن لزم الأمر، على ترسيخ نفوذ الشركات الأمريكية الكبرى عبر العالم كله. ولذلك ذكرت بعض الوثائق ضرورة محاربة الانتقال لأي نظام ديمقراطي في العالم الثالث، إذا لم يكن تحت السيطرة الأمريكية، الناعمة والخشنة إن لزم الأمر. لم تكن شعارات أمريكا بأنها ناشرة ومساندة للديمقراطية في العالم إلا ادعاءات مشروطة بألف عقبة وعقبة وتحت راية ألف خائن لآمال شعبه وتطلعاته الديمقراطية المشروعة. وما جرى لبلدان جنوب أمريكا اللاتينية من مؤامرات لوأد الديمقراطية أصبحت قصصاً معروفة. لم يكن الهدف الأمريكي الأساسي، حسب الوثائق، هو دمقرطة العالم، بل كان نشر الاستقرار الملائم للمصالح الأمريكية الاقتصادية والأمنية والسياسية على الأخص.
قد تكون هناك أسرار أخرى في وثائق جديدة، ذلك لا نعرفه، لأن قسماً كبيراً منها لا تزال غير مسموح بنشرها أو معرفة ما فيها.
جئت بكل ذلك لأطرح السؤال الآتي: هل أن وثائق مثل هذه كتبت من قبل وزارة الخارجية الأمريكية والمجلس الوطني للعلاقات الخارجية، تناسب ما وصل العرب إليه من إقحام أمريكا في كل شؤونهم وقضاياهم، اعتقاداً منهم بأنها ستكون دولة محايدة وراغبة في مساعدة الشعوب العربية؟ يا شباب وشابات العرب ادرسوا هذا التاريخ بتمعّن واحكموا بأنفسكم على الأكاذيب التي تسمعونها يومياً.
كاتب بحريني
نيسان ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 00:00