أثرياء لندن يراهنون على تقاعد فاخر

نيسان ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 00:00
عندما باع أندرو جودوين وزوجته جين منزلهما البالغة قيمته مليوني استرليني في منطقة بارسونز غرين غرب لندن، وانتقلا إلى شقة قيمتها 1.3 مليون جنيه استرليني داخل مجمع سكني فاخر للمتقاعدين في فولهام، أثار قرارهما استغراب أصدقائهما.
لكن الزوجين يستمتعان بالحياة في بيئة توفر الراحة وخدمات الاستقبال والدعم الطبي.
ويقول أندرو: «لاحظت أن الإنسان يصبح أكثر قلقاً مع التقدم في العمر، لكنني أشعر هنا بقدر أكبر من الطمأنينة».
تقع شقة جودوين في أحد مشروعين سكنيين في لندن تديرهما شركة «ريفرستون»، المختصة في الإسكان الفاخر لمن تجاوزوا الخامسة والستين من العمر والمدعومة من «جولدمان ساكس لإدارة الأصول».
وتعمل الشركة حالياً على تطوير مشروع ثالث في هامبستيد المقرر افتتاحه في وقت لاحق من العام، حيث تبدأ أسعار الشقق الفاخرة المكونة من ثلاث غرف نوم في الطوابق العليا من 5.3 ملايين جنيه استرليني.
وتختلف الحياة في «ريفرستون فولهام» كثيراً عن الصورة التقليدية لدور رعاية المسنين. فالمبنى يضم مطعماً ومسبحاً وصالة رياضية وسينما، ويعمل فيه 25 موظفاً، بينهم ممرضتان وأخصائي علاج طبيعي.
وكانت جين، وهي فنانة تشكيلية، قد خضعت لعمليتي استبدال للركبة. ويقول أندرو، البالغ من العمر 79 عاماً الذي عمل سابقاً محللاً في قطاع التأمين بمدينة لندن المالية: «هناك الكثير من الأشخاص السعداء هنا. وتصبح الأجواء صاخبة بعض الشيء خلال حفلات المشروبات الشهرية».
ورغم افتتاح المشروع عام 2022، فإنه لم يصل بعد إلى الإشغال الكامل، إذ تبلغ نسبة الإشغال الحالية نحو 60 % فقط، بما في ذلك الشقق المحجوزة. ويشارك آل جودوين عملياً في تجربة جديدة.
فشركات مثل «ريفرستون» و«أوريينس»، التي تدير مشروعاً أكثر فخامة وارتفاعاً في التكلفة بمنطقة تشيلسي، تسعى إلى نقل نموذج «الحياة في المراحل المتأخرة من العمر» الذي أثبت نجاحه في أستراليا ونيوزيلندا إلى سوق المتقاعدين الأثرياء في لندن.
وخلال جولة داخل «ريفرستون فولهام» المطل على نهر التايمز، بدا واضحاً التوازن الدقيق الذي تحاول هذه المشروعات تحقيقه بين الفخامة والدعم العملي. فحمام إحدى الشقق، المكسو بالرخام، بدا أنيقاً للغاية، لكن بالقرب من الأرضية وُضع زر إنذار صغير وخفي يمكن استخدامه في حال تعثر أحد السكان أو سقوطه.
ويقول دنكان غارود، الرئيس التنفيذي لشركة «ريفرستون»، إن كثيراً من مالكي المنازل في بريطانيا يتبنون فكرة مفادها: «منزلي هو قلعتي وسأبقى فيه حتى أعجز حرفياً عن صعود الدرج».
أما الشركة فتسعى إلى إقناع القادرين مالياً على تحمل تكاليف هذه الخدمات باختيار ما تسميه «تطوراً تدريجياً ومريحاً في نمط الحياة».
ويبدو حجم السوق المحتملة كبيراً. فقد باع نحو 10 آلاف شخص من مالكي المنازل التي تتجاوز قيمتها مليون جنيه استرليني منازلهم وانتقلوا إلى مساكن أصغر في المملكة المتحدة خلال العام الماضي.
وتقدر شركة «سافيلز» الاستشارية أن نحو تريليون جنيه استرليني من الثروة العقارية في لندن وجنوب شرق إنجلترا مملوكة لأشخاص تزيد أعمارهم على 60 عاماً. وقد جذب ذلك مستثمرين كباراً مثل شركة «أوكتري كابيتال مانجمنت» المالكة لـ«أوريينس».
لكن الانتقال إلى مجتمع سكني للمتقاعدين قبل الوصول إلى مرحلة الضعف الصحي يمثل خطوة نفسية كبيرة. ويبلغ متوسط عمر سكان «ريفرستون فولهام» 76 عاماً.
وتقول جولي فوسيت، الرئيسة التنفيذية لشركة «أوريينس»: إن معظم المشترين لديهم خلفيات في ريادة الأعمال ويميلون إلى «تقبل المخاطرة»، لأنهم يدركون أن «احتياجات الإنسان قد تتغير بسرعة، تماماً كما كانت تتغير عندما كان صغيراً».
كما أن القرار ليس سهلاً من الناحية المالية. إذ يدفع السكان رسوماً شهرية تعرف باسم «رسوم العضوية» مقابل صيانة العقار والخدمات والمرافق، وتبلغ نحو 1600 جنيه استرليني شهرياً لشقة من غرفتي نوم بالسعر الكامل.
كذلك يدفع السكان أو ورثتهم ما يسمى «رسوماً مؤجلة» تتراوح بين 28 و30 % من سعر إعادة بيع الشقة مستقبلاً.
ويمكن للسكان خفض رسوم العضوية إلى النصف إذا وافقوا على رسوم مؤجلة أعلى تتراكم بوتيرة أسرع وتصل إلى حد أقصى يبلغ 35 %، وهو الخيار الذي اختاره آل جودوين.
وقد يفرض ذلك نقاشات عائلية حساسة. وتقول جين جودوين عن أبنائهما: «جزء من الميراث الذي كانوا سيحصلون عليه يتلاشى، لكنهم يعرفون أننا سعداء هنا».
ويضم المبنى أيضاً منطقة سباحة فاخرة وتجهيزات راقية تعزز أسلوب الحياة المترف الذي يقدمه للسكان.
رغم ذلك، فإن هذا النموذج لا يزال قيد الاختبار، سواء بالنسبة للشركات المشغلة أم السكان أنفسهم.
وأكبر عامل غامض فيه هو القيمة المستقبلية لإعادة بيع الشقق داخل هذه المشروعات. فإذا لم تحافظ الشقق على الأقل على قيمتها الأصلية عند الشراء، فإن عوائد المستثمرين ستتراجع، كما سيصبح من الصعب اجتذاب مشترين أثرياء وذوي خبرة مالية.
وقد عانت مشروعات التقاعد التقليدية في بريطانيا من تراجع قيم إعادة البيع وارتفاع رسوم الخدمات.
إلا أن جارود يرى أن نموذج الرسوم المؤجلة المرتفعة الذي تتبعه «ريفرستون» يتميز بالوضوح ويمنح الشركة حافزاً للحفاظ على جودة المشروعات وجاذبيتها للمشترين المستقبليين. ويتمثل الهدف في الوصول إلى الإشغال الكامل ثم إنشاء قوائم انتظار للراغبين في السكن.
لكن ذلك يحتاج إلى وقت. فالسكان الجدد في «ريفرستون» يستغرقون في المتوسط عاماً كاملاً منذ أول استفسار وحتى الحجز وبيع منازلهم لتوفير السيولة اللازمة ثم الانتقال فعلياً. ويضطر بعضهم اليوم إلى تقبل أسعار بيع أقل لمنازلهم في سوق عقارية أبطأ من السابق، كما يحتاج الجميع إلى قدر من الجرأة لاتخاذ هذه الخطوة.
وفي يوم مشمس يطل على نهر التايمز، بينما تتفتح الأزهار في حديقة السكان وتستعد السينما الداخلية لبث عروض الأوبرا الحية، يبدو «ريفرستون» مكاناً مثالياً للعيش. لكن الأمر سيستغرق سنوات عدة قبل أن تعرف عائلات السكان الثمن الحقيقي لهذا الخيار.
    نيسان ـ نشر في 2026/07/23 الساعة 00:00