بيرنام و'العمال': لا جديد في وسط قديم

صبحي حديدي
نيسان ـ نشر في 2026/07/24 الساعة 00:00
ثمة مقدار، غير قليل، يلفت الانتباه إلى سمة خاصة تطبع علاقة رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنام، بطرائق الأداء خلال الإدلاء بتصريحات علنية، أمام وسائل الإعلام المختلفة خصوصاً؛ وبالفارق، لجهة الدلالة والالتزام بها، بين وعد متلهف أو متعجل أو متسرع، وبين الانسحاب منه أو التراجع عنه أو الالتفاف عليه، خلال زمن قياسي قصير. وتلك السمة، الفارقة راهناً وحتى تعلو عليها سمات أخرى، لا تنفصل عن لغة فضفاضة، شبه تبشيرية، شبه تخديرية، حول التغيير النوعي الحاسم الذي يعد به البريطانيين؛ وكأنه ليس سليل حزب حكم البلاد مراراً وتكراراً، وأخضع قادتُه البريطانيين لتجارب لا حصر لها في سياسات الاقتصاد والاجتماع والدولة والخدمات العامة.
على سبيل المثال، الأكثر راهنية، كان بيرنام خلال الحملة الانتخابية الفرعية في ميكرفيلد، التي أعادته إلى مجلس العموم وبالتالي إلى رئاسة الحكومة لاحقاً، قد ألمح مراراً إلى مسألة حساسة وعزيزة على نفوس سواد البريطانيين، تخص العتبة الضريبية. وأمّا حين استقر في رئاسة الحكومة، فقد ترك للمقرّبين منه مهمة تأويل المطلب، تعديلاً أو تلفيقاً أو حتى نفياً، واستبقى لنفسه خيار وضعه «قيد الدراسة»؛ مع ملامة الناس هكذا: «مضحك أنك في هذه الأيام لا تستطيع الإجابة بنزاهة على سؤال، من دون أن يقرأ فيه الناس كلّ ما ليس فيه»؛ وأيضاً: «في هذه الوظيفة أريد الإجابة بنزاهة على الأسئلة، وأعتقد أنّ هذا هو قصارى الثقة حول السياسة وممارسة السياسة على نحو مختلف، وأنا مصمم على الاستمرار في العمل بهذه الطريقة».
فكيف، يحقّ لسائل أن يسأل، لأية «طريقة» أن تسير على هذا المنوال، المحاذر والمحذّر واللائم في آن معاً؛ إذا كان بيرنام قد بشّر البريطانيين، بعد ساعات قليلة أعقبت تكليفه برئاسة الحكومة، أنّ انتخابه لقيادة حزب العمال هو «برهة التبدّل الأعلى مغزى منذ 40 سنة»، وأنّ الحكومة التي سيترأسها سوف «تنقلنا إلى بلد تكون فيه الحياة ممكنة أكثر، وفيها يُرفع كل الناس والأمكنة عمّا هم عليه الآن»؟ وإذا عاد البريطاني القهقرى أربعة عقود في تاريخ البلد، فإنّ «نقطة التحوّل» التي يشير إليها بيرنام ليست سوى حقبة تسيدتها رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، بما مثّلته من تحولات بنيوية سياسية واقتصادية تعلن الإصلاح والتطوير والخصخصة من حيث الشكل، ولكنها في المحتوى تقتفي طرازاً متوحشاً من اقتصاد السوق وتفكيك الخدمات العامة في التعليم والصحة والنقل.
في قراءة أخرى لتلميح بيرنام إلى أواسط الستينيات في بريطانيا، ثمة ما يلطم (بل أحياناً: يصفع!) خيارات كير ستارمر، سلفه وقائد الحزب السابق المستقيل؛ ولكن، في المقابل، ثمة ما يوحي بحنين، مبطّن حتى الساعة، إلى مراحل رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، وإلى أعمدة فلسفة «العمال الجديد»، التي زعمت طيّ صفحة ثاتشر من حيث العنوان، وأبقت على بعض عناصرها الكبرى أو أعادت إنتاجها أو تدويرها من حيث التطبيق. وهذا افتراض لا يغفل سجالاً «ناعماً» دخل فيه بيرنام مع بلير، في أيار (مايو) الماضي فقط، بصدد مقال مطوّل نشره الأخير تحت عنوان «حزب العمال يلعب بالنار حول نفسه وحول مستقبل البلد»؛ حيث اقتصر «الخلاف» بين الرجلين على إهمال بلير لحال انعدام المساواة التي تهيمن اليوم في بريطانيا، وكم هي محورية وحاسمة. ولا عجب أن تقتصر نصائح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق لساكن 10 داوننغ ستريت الجديد على تجنّب العمل بدافع كسب الشعبية.
ولأنّ إصلاح أنظمة الرعاية الاجتماعية سوف يكون على رأس تحديات بيرنام الداخلية، العاجلة ولكن الأشبه بالدخول في حقل ألغام عمره، أيضاً، أكثر من 40 سنة من الثاتشرية وتخبطات بلير وغوردن براون وستارمر معاً؛ فإنّ تباشير السياسات التي سوف ينتهجها بيرنام ليست محطّ الكثير من التكهنات وتقليب الاحتمالات بين خيار وآخر. ذلك لأنّ حزب العمال، على غرار الأحزاب المسماة «اشتراكية» في معظم أقطار أوروبا، محكوم بروحية وثيقة شهيرة حملت عنوان «بيان من أجل السبيل الثالث»؛ صدرت سنة 1999 بتوقيع بلير والمستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر، وتضمنت مغازلة خط الوسط، ليس في بريطانيا وألمانيا وحدهما، بل كذلك في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وسائر أوروبا الوسطى. من جانبه كان الناخب، وهو قسط أساسي من سلطة الشارع الشعبي، قد أبدى الرأي في البيان ذاك، وألحق هزيمة نكراء بالموقّعَين معاً، فتفوّق المحافظون على «العمّال» في بريطانيا، وخسر حزب شرودر 10 نقاط بالقياس إلى الانتخابات التشريعية التي جاءت بالحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى الحكم.
تباشير السياسات التي سوف ينتهجها بيرنام ليست محطّ الكثير من التكهنات وتقليب الاحتمالات بين خيار وآخر
في صياغة أخرى، وحتى يثبت بيرنام عن حال معاكسة يتوجب أن تحاكي «نقطة التحوّل» الاستيهامية التي يبشر بها، يصعب كثيراً (كي لا يفترض المرء المحال) أن يغادر «العمال» حال التموضع الوسطية التي انزلق إليها تباعاً، وأعرب عن مستوى خضوعه لها من خلال استشراس قيادات الحزب لوأد فترة زمنية قصيرة خلاقة صعد خلالها خطّ جيريمي كوربن والجناح العمالي حقاً، التصحيحي في اعتبارات كثيرة. وتكفي، هنا، عودة وجيزة إلى حرب شعواء شنّها بلير شخصياً، وتضمنت توصيفات عالية السخرية ومقذعة وفظة؛ من طراز أنّ سياسة كوربين فانتازيا، مثل أليس في بلاد العجائب؛ أو: إذا كان قلبك هو الذي يحثّك على انتخاب كوربين، فازرع قلباً آخر؛ أو: حتى إذا كنتم تكرهونني، أرجوكم ألا تأخذوا الحزب إلى حافة الهاوية؛ أو، أخيراً، اعتبار ثورة كوربين محض فقاعة…
والحال أنّ «السبيل الثالث»، أياً كانت أقنعته وأنساق تمويهه، هو في نهاية المطاف خطّ الوسط القديم دون سواه، أي نهج الانضواء في نقطة وسطى تساوي بين أقصَيَين، وتدّعي (أي تزيّف) المصالحات العشوائية بين أيّ «يسار» وأيّ «يمين»؛ لا على التعيين، أيضاً، وبصرف النظر عن المجتمعات والطبقات والمصالح، في المحلي كما في العالمي. والإنصاف يقتضي، دائماً، ردّ الفضل إلى الاقتصادي الأمريكي الكبير جون كنيث غالبريث، في تعرية أضاليل هذا السبيل، وفضح طبيعته الملموسة، أو غيابها أصلاً: «هل يُراد منه احتلال موقع وسيط بين الصحيح والخاطئ؟ ولكن ما السبيل الأوّل والسبيل الثاني اللذان يُفترض في السبيل الثالث أن يتجاوزهما أو يتخلص منهما؟» تساءل غالبريث. وأمّا إيان ماكلين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أكسفورد، فقد اعتبر أنّ القول بسبيل ثالث «يشترط ضمناً حرّية القائل في أن يفعل ما يريد، وحرّيته في أن يقصي ما لا يريد إلى السبيل الأوّل أو السبيل الثاني».
وفي القلب من خطّ الوسط هذا تقبع مواقف بيرنام من سياسات «العمال» عموماً، وآخرها تحت قيادة ستارمر خصوصاً، من حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة: إنه لا ينفي وقوع «جرائم حرب»، حتى بلغة ملتوية فضفاضة كالعادة؛ ولكنه لا يبصر «حرب إبادة»، إما لأنها في ناظره لم تُرتكب من جانب دولة الاحتلال أصلاً، أو لأنّ الإقرار بها عالي الكلفة في حقل ألغام آخر يكتنف فضاء «العمال»: مزاعم انتشار العداء للسامية في صفوف الحزب. وإذا كان بيرنام مُلزَماُ بتصحيح خيار بالغ الانحطاط، سياسياً وأخلاقياً، انتهجه ستارمر حين صادق على «حقّ» دولة الاحتلال في قطع الماء والكهرباء والغذاء عن سكان قطاع غزّة؛ فإنه، في المقابل، غير قادر، وغير راغب أصلاً، في الانتقال بالخطّ الراهن إلى مراجعة جذرية، أو حتى جدية، تجبّ تراثاً طويلاً، تاريخ تعاقب أطواره يتجاوز حتى عمر دولة الاحتلال.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
    نيسان ـ نشر في 2026/07/24 الساعة 00:00