من يشعل حرائق أوروبا؟

نيسان ـ نشر في 2026/07/28 الساعة 00:00
في كل موسم حرائق، يعود السؤال نفسه قبل أن يبرد الرماد، هل كانت النار طبيعية، أم أن هناك من أشعلها؟ ومع الحرائق الضخمة التي تضرب فرنسا وإسبانيا هذا الصيف، صار السؤال أكثر إلحاحاً، فالصور والفيديوهات المتداولة تظهر بلدات تخلى، وطرق تغلق، وسماء تتحول إلى لون النحاس.
بحسب «الجندرمة الوطنية» الفرنسية، وهي قوة أمنية تابعة لوزارة الداخلية وتتولى مهام الشرطة في المناطق الريفية وشبه الحضرية، تم توقيف 44 شخصًا في مناطق اختصاصها للاشتباه في ارتباطهم ببعض بدايات الحرائق منذ بداية الموسم.
كما نقلت صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية، وهي صحيفة يومية تصدر من باريس وتغطي الأخبار المحلية والوطنية، عن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن عدد الموقوفين على مستوى البلاد وصل إلى 59 شخصاً في قضايا «إشعال حرائق عمدية أو عرضية»، بعض القضايا قد يكون وراءها إهمال مثل سيجارة، أو شواء ممنوع، فالحرائق تبدأ أحياناً بتصرف صغير في لحظة سيئة، فبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، 9 من كل 10 حرائق غابات تنتج عن نشاط بشري.
وأعلنت وزارة الداخلية أن 116,085 هكتاراً احترقت منذ بداية العام، وفي الجنوب الغربي، أجبرت حرائق جيروند ولاند مئات الآلاف على مغادرة منازلهم.
أما في إسبانيا، فتشير تقديرات صحف وبيانات محلية إلى أن أكثر من 113 ألف هكتار احترقت في 2026، فيما تضع بيانات «كوبرنيكوس»، برنامج الاتحاد الأوروبي لمراقبة الأرض والمناخ عبر الأقمار الصناعية، المساحات المتضررة في تحديثات أوسع فوق 207 آلاف هكتار.
وفتحت السلطات تحقيقات في أكثر من حريق، فقد ذكرت صحيفة «إل باييس»، إحدى أبرز الصحف الإسبانية واسعة الانتشار، أن حريق لا فال دويكسو في كاستيون يشتبه في أنه متعمد بسبب تعدد بؤر الاشتعال.
كما أفادت «آر تي في إي»، وهي هيئة الإذاعة والتلفزيون العامة في إسبانيا، بتوقيف مشتبه به في حريق لوزويلا قرب مدريد.
وذكرت صحيفة «لا فانغوارديا» الإسبانية، وهي صحيفة يومية مقرها برشلونة، أن الحرس المدني أوقف شخصاً وحقق مع آخر في حريق أفيلا.
ولا تكفي طائرة إطفاء ولا توقيف مشتبه به إذا كانت الأرض كلها قابلة للاشتعال، ففي أفيلا وغوادالاخارا وكاستيون ومدريد، ساعدت الرياح والحرارة وانخفاض الرطوبة على تحويل بدايات حرائق مختلفة إلى جبهات يصعب احتواؤها، وفي لا فال دويكسو، تحدثت تقارير إسبانية عن أكثر من 17 ألف نازح، واحتياج 19 شخصاً إلى رعاية طبية بسبب استنشاق الدخان، بينما قالت فرق الإطفاء إن بعض الحرائق بلغت مستوى «يتجاوز قدرة أي جهاز إطفاء في العالم» في لحظات معينة.
الفرق بين حريق صغير وكارثة وطنية لا يصنعه المشتبه به وحده، تصنعه سنوات من الجفاف، وأيام من الحرارة، وقرى محاطة بغطاء نباتي جاف، وتغير في الرياح، وضعف في الوقاية، وأحياناً سوء إدارة للغابات، فمن هنا تبدو أوروبا وكأنها تواجه حرائق تبدو للوهلة الأولى محلية، ثم تتحول بسرعة إلى أزمة مناخية وأمنية وصحية واقتصادية.
وربما لهذا لا نستطيع تحديد المذنب الحقيقي خلف هذه الحرائق، فالواقع يخبرنا أن الخطأ الإنساني قد يلتقي بالمناخ المتقلب، ولكن يجب الحذر فالوضع الراهن يخبرنا أن القارة دخلت مرحلة تصبح فيها كل شرارة اختباراً، وكل إهمال تهديداً، وفي معادلات مثل هذه، يجب أن نسأل كيف صارت الأرض مستعدة إلى هذا الحد لأن تشتعل.
    نيسان ـ نشر في 2026/07/28 الساعة 00:00