إيران… الحرب المتقطعة والضغوط الاقتصادية القصوى

إبراهيم نوار
نيسان ـ نشر في 2026/07/29 الساعة 00:00
يكشف قرار البنتاغون بتعليق العمليات العسكرية في مضيق هرمز وإيران حالة التخبط في استراتيجية الحرب الأمريكية وعدم وضوح أهدافها. كما تكشف شهادة قائد القيادة العسكرية المركزية في الشرق الأوسط (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر في اجتماع غرفة العمليات في البيت الأبيض تحت رئاسة دونالد ترامب يوم الجمعة الماضي أن قواته عجزت عن الوصول إلى 20 في المئة من الأهداف المحددة وعدم تنفيذ مهماتها ضدها. ويسود شعور عام بالإرهاق العسكري لدى القوات الأمريكية في الخليج، ما يفسر إعلان التهدئة وتعليق العمليات بشرط التزام الطرف الآخر.
إيران لن تشترط على ترامب التوقيع على إعلان بالهزيمة، وقررت تعليق عملياتها العسكرية أيضا، لكنها ستزيد بطلب إنهاء الحصار البحري المفروض على موانئها وإبعاد القطع البحرية العسكرية الأمريكية عن سواحلها، وأن تكف الولايات المتحدة عن محاولات التدخل بالقوة في إدارة الملاحة عبر مضيق هرمز.
هناك يقين كامل في تل أبيب بأن الضمان الوحيد لإزالة التهديد الإيراني لمشروع الهيمنة الإسرائيلية يتحقق أساسا وبشكل مستدام من خلال تغيير نظام الحكم في طهران
وكانت الحرب قد بدأت في منتصف العام الماضي بهجوم عسكري إسرائيلي – أمريكي مشترك استمر 12 يوما ثم توقفت من دون تحقيق أهدافها، كما توقف معها التحالف العسكري بين اسرائيل والولايات المتحدة بسبب الخلافات على أهداف الحرب. ويعتقد نتنياهو وترامب أن إيران تكون لها اليد العليا في الدبلوماسية، لكنها لا تكون كذلك في الحرب. هذا الاعتقاد خاطئ، لأن حرب يونيو/حزيران (12 يوما) 2025 فشلت في تحقيق أهدافها، وأن حرب فبراير/شباط من العام الحالي (40 يوما) لحق بها الفشل نفسه حتى توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد بوقف إطلاق النار في 17 يونيو/حزيران، ثم عادت أمريكا لانتهاك نصوص المذكرة. إسرائيل خرجت مؤقتا من العمليات القتالية المباشرة، لكنها لا تزال تشارك بصيغة غير مباشرة من خلال القيادة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وليس خافيا أن العلاقة بين رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير وقائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط براد كوبر توفر أرضية كافية للتنسيق بين الطرفين. ويلعب كوبر دورا مباشرا في تحديد بنك الأهداف العسكرية والمدنية في إيران التي يتم إصدار الأوامر بضربها فيما بعد. كما أن مطار بن غوريون يعتبر أكبر قاعدة لطائرات إعادة التموين بالوقود في الجو التي تحتفظ بها القوات الأمريكية في المنطقة. أيضا فإن القوات الأمريكية تحتفظ في إسرائيل بمركز رئيسي لتخزين الأسلحة والذخائر. هذه المستويات من التنسيق العسكري المباشر تتوازى مع مستوى عال من التنسيق والتعاون والضغط من خلال الكونغرس والبنتاغون والبيت الأبيض، ولا تتوقف إسرائيل في أي وقت عن محاولة استخدامها من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية الإقليمية، وأولها في الوقت الحاضر هو تغيير النظام السياسي في إيران. وهناك يقين كامل في تل أبيب بأن الضمان الوحيد لإزالة التهديد الإيراني لمشروع الهيمنة الإسرائيلية، يتحقق أساسا وبشكل مستدام من خلال تغيير نظام الحكم في طهران. ومن ثم، ونتيجة لعجز استراتيجية الحرب القصيرة المكثفة عالية التركيز وقطع رؤوس القيادات، يحاول نتنياهو إقناع البيت الأبيض بالانتقال إلى استراتيجية أخرى تتلخص في استمرار الضغوط القصوى على إيران عسكريا واقتصاديا بشكل متصل، ربما لسنوات وليس لأشهر، من أجل تصفية قوة النظام الإيراني واستنزافه من الداخل حتى يسقط. هذه الاستراتيجية تواجه مقاومة صريحة داخل البيت الأبيض بقيادة جى دي فانس نائب الرئيس، خصوصا بعد أن انضم إليه رئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين في التحذير من خطورة تداعيات الحرب. يضاف إلى ذلك تزايد ضغوط داخل الكونغرس تحذر من الاستسلام لإسرائيل وتقديم أولوياتها على ضرورات حماية المصالح الأمريكية.
وعن الاستراتيجية الإسرائيلية بإسقاط النظام الإيراني من الداخل يقول مئير بن شبات رئيس مجلس الأمن الإسرائيلي سابقا في حوار مع تقرير «جيروساليم ستراتيجيك تريبيون» الصادر الشهر الحالي: «طالما لم يتغير النظام في إيران، فإن أي انتصار ضده سيكون مؤقتا، وذلك لأن النظام لن يتخلى أبداً عن طموحاته لتحقيق رؤيته: فرض الهيمنة الإيرانية على المنطقة بأكملها، وإضعاف النفوذ الأمريكي، والتعامل مع «الشيطان الصغير»- (المقصود به إسرائيل). وسيوجه كل الموارد التي يتمكن من تأمينها – تحت رعاية اتفاقية دبلوماسية أو أخرى – للحصول على قدرة عسكرية نووية، ومنظومة صواريخ باليستية ضخمة، وشبكات (إرهاب) بالوكالة». وهنا قد ينشأ جسر اللقاء بين الاستراتيجية الإسرائيلية والاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، لمواصلة استنزاف إيران عسكريا بحرب متقطعة، وإعادة فرض العقوبات وتشديد الحصار. نتنياهو كرر تقريبا ما قاله بن شبات أكثر من مرة في الأيام الأخيرة. ومن المرجح أن تكون الاستراتيجية الجديدة أحد الموضوعات الرئيسية على جدول أعمال اللقاء المقرر قريبا بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي.
وفي إطار تلك الاستراتيجية الجديدة، فإننا نشهد محاولات لإحداث انقلاب في أدوات المواجهة مع إيران، من حيث توسيع نطاق الحرب لتصبح حربا إقليمية مكتملة الأركان، يخوضها تحالف إقليمي يتكون من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي باستثناء سلطنة عمان وقطر. وقد تردد أن طائرات من السعودية والكويت والبحرين والإمارات شاركت في الحرب مؤخرا. وكانت هذه الدول لا تشارك رسميا من قبل، ولم يصدر عن عواصمها ما ينفي مشاركة طائراتها في الحرب. إن تحويل الحرب من طابعها الثنائي إلى طابع متعدد الأطراف قد يفتح الباب أمام قيام «تحالف للحرب على إيران» كانت الولايات المتحدة قد فشلت في تشكيله على المستوى الدولي، حيث رفضت الدول الأوروبية واليابان وكوريا الجنوبية الاستجابة لطلب الانضمام للقوات الأمريكية. التحالف العسكري الأمريكي – الإسرائيلي – الخليجي الذي تعمل المملكة الاردنية أيضا من خلاله، لا يحتاج إلى إعلان رسمي، حيث توجد فعلا اتفاقيات دفاعية وقواعد عسكرية وهيئات للتنسيق العسكري بين أطرافه، تتركز حاليا في القيادة العسكرية المركزية للولايات المتحدة وغرف العمليات المشتركة في الرياض وعمّان وتل أبيب. هذا التحالف يوفر للولايات المتحدة وإسرائيل خطأ مضمونا للتدفقات المالية لتمويل حرب استنزاف طويلة المدى ضد إيران، كما سيوفر خطوط إمدادات لوجستية مفتوحة بلا قيود.
في هذا السياق نستطيع قراءة تطورين مهمين جدا، الأول هو عودة جبهة اليمن للنشاط ضد السعودية، بضرب أهداف داخل الحدود ومنع مرور سفنها في مضيق باب المندب. التطور الثاني هو إعلان نية توقيع اتفاق لإنتاج الوقود النووي بين الولايات المتحدة والسعودية قد يسمح بتخصيب اليورانيوم (في منشأة أمريكية داخل السعودية). لكن هذا الاتفاق مشروط بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، التي يعتبرها نتنياهو حجر الزاوية في إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط تحت الهيمنة الإسرائيلية.
وبالنسبة لتقييم الوضع الراهن فإن بن شبات يكشف جانبا مهما من معضلة مضيق هرمز التي يحاول دونالد ترامب الخروج منها بأقل الخسائر. يقول بن شبات: «ليس أمام ترامب خيار سوى الانتصار في معركة مضيق هرمز. إن استسلام أمريكا لمطالب طهران لن يؤدي إلا إلى تغذية شهية نظام يستخدم هذه القضية كـ»قنبلة اقتصادية ذرية»، ويهدد باغتيال الرئيس الأمريكي، ويعطي العالم بأسره لمحة عما يمكن توقعه في المسألة النووية. لقد أوضح سلوك إيران منذ وقف مذكرة التفاهم لترامب أن هذه القضية لم تُحسم بعد. وحتى لو كان ترامب لا يزال يفضل (اتفاقاً سيئاً) على (حرب جيدة)، فإن هذا التفضيل لم يعد واضحاً كما كان من قبل». ما قاله بن شبات في شأن وقوع ترامب في مصيدة مضيق هرمز صحيح، لكن اعتقاده في أن الرئيس الأمريكي يمكن أن ينتصر في أزمة مضيق هرمز التي صنعها هو مجرد وهم. وإذا اعتقد ترامب أن المواجهة مع إيران في مضيق هرمز هي مجرد معركة صغيرة يستطيع أن ينتصر فيها فإنه أحمق جاهل لم يتعلم الدرس بعد. وربما يعلم ترامب ونتنياهو أن القيادة الإيرانية تعرف أن الرد على استراتيجية الحرب المتقطعة والضغوط الاقتصادية القصوى بسيط وسهل، يتمثل في استراتيجية المقاومة طويلة الأمد التي تقيم توازنا دقيقا بين السياستين الدفاعية والاقتصادية، وهو ما تعمل إيران فعلا على تعزيزه. لقد خسرت الولايات المتحدة حربها الاقتصادية ضد الصين، ولم يتبق من حصونها الاقتصادية قائما غير الدولار وسوق الخدمات المالية في نيويورك، بينما معركة الذكاء الاصطناعي تقترب من الحسم تكنولوجيا خلال سنوات قليلة. وهي الآن تواجه اختبارا حاسما في حرب الهيمنة العسكرية على العالم حيث تحارب في مضيق هرمز مكشوفة من دون تحالف عسكري دولي، ما يعرضها لاحتمال الهزيمة العسكرية للمرة الأولى منذ حرب فيتنام.
كاتب مصري
    نيسان ـ نشر في 2026/07/29 الساعة 00:00