اعتداءات المستوطنين… حلقة في مخطط جديد

أحمد عويدات
نيسان ـ نشر في 2026/07/29 الساعة 00:00
لم يُفاجأ الفلسطينيون، والعالم أيضا، بحجم اعتداءات المستوطنين الأخيرة في بلدة ( تل ) في قضاء نابلس، واتساعها إلى بلدات وقرى ومخيمات الضفة الغربية، لكن المفاجئ للقادة الإسرائيليين حجم مقاومة الفلسطينيين لهذه الاعتداءات، وشكل التصدي الأبرز، عند إقدام الفلاح الفلسطيني الشهيد فاروق رمضان بنزع سلاح أحد المستوطنين، وقيامه بإطلاق النار على المهاجمين الذين أصيب منهم اثنان، وقتل اثنان آخران تبين أن أحدهما برتبة ضابط ويشغل منصب قائد وحدة في سلاح المدرعات، والآخر جندي في لواء القدس، وهذا يكشف ما يقوم به جنود الاحتلال بالتخفي بملابس مدنية مؤكدين حقيقة مشروع الاستيطان الذي تقوم به الحكومة الإسرائيلية، وليس كما تزعم بأنه من فعل بضع جماعات من المستوطنين أنفسهم وذلك في محاولة لطمس الحقائق أمام الرأي العام العالمي وتزوير الوقائع، وإبعاد الشبهات عن مخطط جيش الاحتلال الذي يتلقى أوامره من نتنياهو وكاتس، اللذين أصدرا مؤخراً بياناً قالا فيه: «بدأنا مساراً لتسريع بؤر استيطانية، وإقامة بؤر جديدة في الضفة الغربية»، ما يعني إقراراً بسياسة ونهج الحكومة الإسرائيلية التوسعي الاستيطاني العدواني، المستمد من الايدولوجيا الصهيونية، ورفض هذه الحكومة المستمر والثابت للمضي بأي مبادرة سلام تجاه الفلسطينيين، أو الاستجابة لقرارات الشرعية الدولية، وإدارة الظهر للقانون الدولي الإنساني، ولكل المبادرات والمناشدات والتدخلات الدولية. بل على العكس المضي في دعم وتغطية إرهاب جماعات المستوطنين، ومصادرة المزيد من الأراضي، وحرق المحاصيل واقتلاع الأشجار، وتسميم قطعان الأغنام، ونسف الأبنية وإضرام النار في الممتلكات والبيوت على رؤوس ساكنيها، واقتحام وإحراق المساجد، واعتقال العشرات، وإعدام آخرين بدم بارد، كما حصل مؤخرا عند اعتقال ما يزيد على 80 فلسطينياً أغلبهم من بلدة (تل) التي شهدت المواجهات العنيفة وأُعدم على إثرها أربعة فلسطينيين، وأُصيب سبعة آخرون برصاص جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين من مسافة صفر.
إن أي قراءة بالأحرف الأولى لهذه الاعتداءات المتكررة وهذه الجرائم الفاشية – وتزامن ذلك مع التصعيد المتواصل في غزة، ومع إعلان الحكومة الإسرائيلية إطلاق عملية عسكرية واسعة، ونشر 26 كتيبة في أنحاء الضفة الغربية – تفضي إلى جملة من الحقائق:
تهدف الحكومة الإسرائيلية من خلال أداتها الضاربة، قطعان المستوطنين، توجيه ضربة استباقية للفلسطينيين ومحاصرتهم للحيلولة دون اندلاع انتفاضة عارمة
أولها، زيادة الضغط العسكري الفاشي الاستيطاني على الفلسطينيين لدفعهم إلى النزوح، ومن ثم إلى التهجير بعد مفاقمة أحوالهم المعيشية، وفقدان مستلزمات الحياة من مسكن ومأوى ومأمن ومأكل. وبهذا تبرز حقيقة هذه الاعتداءات على أنها ليست مجرد انتقام لحدث ما، بقدر ما هي مشروع استيطاني ممنهج وفق مخطط حكومي مدروس. وهذا يقود إلى القول إن المشهد، على الأرض، يظهر أن المستوطنين ليسوا إلا بنية عسكرية متكاملة مجهزة بالمسيّرات وسيارات الدفع الرباعي، وأنواع مختلفة من الأسلحة، وكأنهم جيش رديف لجيش الاحتلال، لكن بلباس مدني، إضافة إلى أنهم مزودون بخطاب توراتي تحريضي يحض على قتل الفلسطينيين وإحراق أملاكهم لتهجيرهم نحو مناطق (أ) وعزلهم بكانتونات محدودة، أو انتظار قدرهم بالإبادة. ثانيا، إن هذه الاعتداءات تمثل الوجه الآخر للحرب الشاملة الاقتصادية التي تشنها حكومة الاحتلال لخنق حياة الفلسطينيين في البلدات والمخيمات والمدن الفلسطينية بعد أن كانت مقتصرة على مجموعات رعوية وبدوية هنا وهناك؛ تمهيداً للامتداد الاستيطاني وللاستمرار بفرض أجندة الاحتلال. ثالثا، طمأنة اليمين الديني المتطرف – الراعي والداعم العلني المباشر لقطعان المستوطنين – بأن الحكومة ملتزمة بتعهداتها بزيادة الاستيطان وإقامة بؤر استيطانية جديدة، إذ لم يعد يكفي المستوطنين وجود أكثر من 500 مستوطنة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. رابعا، العزف على بورصة الانتخابات لكسب المزيد من أصوات المتطرفين اليمينيين، وضمان فوز نتنياهو بولاية جديدة، وتفادي سجنه، وبالتالي خروجه من الحياة السياسية، وهذا يؤكد بدوره تنامي النفوذ الديني اليميني المتطرف ممثلاً بأقطابه بن غفير وسموتريتش. خامسا، تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي الفلسطيني، وإعادة تشكيل الأرض والسكان بزيادة الحواجز التي تفصل بين القرى والمدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، وتحويلها إلى ثكنات عسكرية بعد تقطيع الأوصال بينها بهدف ربط المستوطنات مع بعضها لضمان أمنها واستقرارها تمهيداً لضم الضفة بالكامل امتثالاً لقرار الكنيست الإسرائيلي.
ولتحقيق هذا الهدف، يذهب بن غفير بعيداً بقوله: «يجب تسوية هذه البلدات كما في بيت حانون في غزة». سادسا، تؤكد هذه الاعتداءات تنامي عسكرة المجتمع الإسرائيلي واتخاذها أشكالا منظمة مختلفة كما وصف ذلك وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، موشيه ياعلون، بأنها «ارهاب يهودي» وأنه خطر على حياة الإسرائيليين. سابعا وأخيرا، تهدف الحكومة الإسرائيلية من خلال أداتها الضاربة قطعان المستوطنين توجيه ضربة استباقية للفلسطينيين ومحاصرتهم للحيلولة دون اندلاع انتفاضة عارمة رداً على تصاعد الجرائم الإسرائيلية سواء في الضفة أو غزة خشية أن تشكل هذه الانتفاضة رافعة حقيقية لتحرك رسمي فلسطيني وعربي ودولي، من شأنه أن يقلب المعادلة السياسية على رؤوس قادة الكيان وتصب في صالح النضال الفلسطيني.
بناءً على ما سبق، هل يبقى شعبنا الأعزل عرضةً لهذه الاعتداءات وهذه الجرائم دون رادعٍ أو حماية؟ المطلوب من السلطة الوطنية الفلسطينية تحرك عاجل على الارض لاتخاذ كافة الإجراءات التي تضمن حماية أرواح المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وذلك من خلال وقف التنسيق الأمني، وتوجيه قوات الأمن الفلسطينية نحو حماية القرى والبلدات الفلسطينية ورص الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية لمواجهة جرائم الاحتلال، والخروج من عباءة اتفاقات أوسلو لمواجهة مشاريع الضم ومشروع نتنياهو»إسرائيل الكبرى».
وعلى المستوى الشعبي، يجب الأعداد لإعلان عصيان مدني شامل في كافة الأراضي المحتلة. كذلك البدء بتحرك واسع على المستوى العربي والدولي، ومطالبة الدول العربية بوقف عمليات التطبيع والعلاقات مع الكيان، وكذلك العمل على مطالبة المجتمع الدولي – كما جاء على لسان المقررة الأممية في الأراضي المحتلة فرانشيسكا ألبانيز – «بحظر تزويد الأسلحة لإسرائيل وإيقاف التجارة معها فوراً.
قادة المسلحين الإسرائيليين يتحدثون عن نيتهم لتحويل الضفة إلى غزة». والمطلوب من المجموعة الدولية فرض عقوبات وحصار على الحكومة الإسرائيلية، وليس على مجموعات المستوطنين فقط، وتفعيل قرارات محكمة الجنايات الدولية وقرارات الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
إن شعباً أصبح رمزاً للصمود والثبات على أرضه، لا يمكن أن تُكسر أرادته. إن الأيام المقبلة ستحمل معها بلا شك أشكالا عديدة من المقاومة، وبوادر الأمل بالانتصار مهما بلغت التضحيات والأثمان، وإن أدار العالم ظهره لجرائم الاحتلال.
كاتب فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/07/29 الساعة 00:00