الطفلة الغزاوية والرئيس شانشيز

سهيل كيوان
نيسان ـ نشر في 2026/07/30 الساعة 00:00
فنان فلسطيني يأخذ بيد طفلة لترسم معه جدارية في غزة المدمّرة، تمثل صورة الرئيس الإسباني، ذلك كرد جميل لموقفه تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته. سرعان ما تحولت إلى ضربة إعلامية هائلة على لسان الرئيس شانشيز الذي ردّ على التحية بمثلها وزاد عليها.
لا حدود لفرحة الطفلة الغزاوية ليان القوقا، عندما بشروها بأن الرئيس رد على رسالتها، ولكن رده لم يكن في إطار المجاملات المعروفة بين رئيس وطفل، بل كان موقفاً سياسياً واضحاً أثار احترام ملايين الفلسطينيين والعرب وعشاق الحرية والطفولة والإنسانية في كل مكان.
ولا شك بأن الشعب الإسباني بغالبيته يقدر موقف رئيسه ويؤيده في هذا، بما في ذلك قسم كبير من معارضي حكومته وسياسته، فالموقف الشعبي تجاه فلسطين يأتي من مختلف فئات الشعب الإسباني وليس محصوراً في حزب واحد دون غيره.
لم يكن شانشيز الزعيم الوحيد الذي يرد على رسائل أطفال، فهنالك رؤساء دول وزعماء وحتى ملوك وأمراء ردوا على رسائل مواطنيهم أو مواطنين أجانب في المناسبات الوطنية والدينية التقليدية، وخصوصاً على الأطفال من أسر فقيرة أو من ذوي الاحتياجات الخاصة.
لكن رد شانشيز أتى في خضم اشتباك على الصورة والإعلام وخلال تعرّضه إلى هجوم من قبل مسؤولين في الحكومة الفاشية في إسرائيل بسبب مواقفه التي سبقت رده على الطفلة، وهذا ما جعل موقفه مميّزاً، وأضاف زخماً للموقف الإسباني والأوروبي من القضية الفلسطينية، وخصوصاً من حرب الإبادة في قطاع غزة التي لن تنته بعد.
شانشيز يمثل حزب العمال الاشتراكي، وهو ليس الحزب الأكبر في البرلمان الإسباني، فهو يأتي ثانياً بعد الحزب الشعبي اليميني، لكنه نجح في تشكيل ائتلاف مع أحزاب أخرى، متغلباً على منافسه اليميني ذي المواقف الأكثر محافظة من الصراع، «الحزب الشعبي» لا يعارض إقامة دولة فلسطينية ولكنه يضع «المفاوضات وأمن إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها» في الدرجة الأولى.
لإسبانيا مكانة خاصة عند العرب الذين يفخرون بتاريخهم من خلالها، ولا أخفي أنني شعرت بنشوة خفية وأنا أسمع الرئيس الإسباني يلفظ كلمة (أوخالا) التي تعني (نأمل) والتي مصدرها «ان شاء الله» العربية، وذلك خلال ردّه على ليان القوقا.
التاريخ وحده لا يصنع السياسة، فما جعل مدريد اليوم أقرب إلى الموقف الفلسطيني هو تحرك المجتمع الإسباني الذي شهد مظاهرات واسعة ونقاشات سياسية وإعلامية
حركة التحول في أوروبا من القضية الفلسطينية لم تبدأ في القصور الرئاسية، بل في الجامعات والنقابات والكنائس والساحات العامة، من شبان يلفون حول أعناقهم الكوفيات الفلسطينية في ساحات دبلن ولندن واستكهولم وروما وبرشلونة وباريس وأوسلو وبرلين وغيرها، من سيدة تقف رافعة لافتة في شارع ما في كوبنهاغن، وأخرى تبكي بحرقة بسبب المشاهد التي تصل من غزة، وتدعو لإنقاذ أطفال غزة من الإبادة، ومن هناك انتقلت إلى البرلمانات والحكومات. يعود الفضل في هذا الانتشار لوسائل التواصل الاجتماعي التي لا تنتظر تقييم أو قرارات الحكومات لما يجري.
كان الشعب الإيرلندي منذ عقود من أكثر الشعوب الأوروبية تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني، وهذا لم يكن صدفة، فذاكرة الإيرلنديين تحمل تجربة الاحتلال والسجناء السياسيين.
الإضراب عن الطعام حتى الموت عام 1981 الذي نفذه عدد من الشبان الإيرلنديين في السجون البريطانية، نُفذ بعد أشهر من إضراب السجناء الأمنيين الفلسطينيين عن الطعام في سجن نفحة في النقب عام 1980 الذي استشهد خلاله السجينان راسم حلاوة وعلي الجعفري، وكانت أخبار المضربين عن الطعام في إيرلندا وصورة (بوبي ساندز) ورفاقه الذين قضوا نحبهم خلال إضرابهم عن الطعام، تتردد وتنتشر في المخيمات والمدن الفلسطينية. ولم يكن مفاجئاً أن يسبق الرأي العام الإيرلندي حكومات أوروبية كثيرة في التضامن مع الفلسطينيين.
وإذا كانت دبلن تمثل ذاكرة التضامن، فإن لندن تمثل ذاكرة المسؤولية التاريخية واسم بلفور الذي غيّر مجرى تاريخ فلسطين، وسنوات الانتداب البريطاني وقمع الثورات الفلسطينية ثم مواقف بريطانيا المتواطئة مع الاحتلال.
مع ذلك فإن بريطانيا اليوم ليست بريطانيا قبل قرن ولا حتى قبل عقدين. فقد شهدت لندن أكبر المظاهرات الأوروبية في السنوات الثلاث الأخيرة ومنذ بداية حرب الإبادة، وارتفعت أصواتٌ في الجامعات والكنائس والنقابات والبرلمان تطالب باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين، ويعتبر جيرمي كوربن رئيس حزب العمال بين 2015 الى 2020 من أكبر الداعمين للقضية الفلسطينية. أما عمدة لندن صادق خان، فهو يطالب الحكومة البريطانية بتنفيذ مذكرة توقيف بحق نتنياهو في حال قدومه إلى بريطانيا، ويقول «إن مجرمي الحرب غير مرحب بهم في لندن»، وهذا يذكّر بموقف رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني الذي يطالب الحكومة الفدرالية الأمريكية بتنفيذ أمر توقيف ضد نتنياهو. واتهمه نتنياهو بـ «تأجيج الكراهية». هذه التطورات ما كان يتخيلها «عاقل» قبل عقد واحد من الزمن فقط.
صحيح أن الحكومات البريطانية ما زالت أكثر حذراً من حكومات مثل إسبانيا أو إيرلندا، لكن المجتمع البريطاني نفسه يشهد تحرّكا ونقاشاً لم يكن موجوداً بهذا الاتساع قبل سنوات قليلة.
التاريخ وحده لا يصنع السياسة، فما جعل مدريد اليوم أقرب إلى الموقف الفلسطيني هو تحرك المجتمع الإسباني الذي شهد مظاهرات واسعة، ونقاشات سياسية وإعلامية، وانتهى إلى مواقف حكومية أكثر وضوحاً، كان أبرزها الاعتراف بدولة فلسطين، وموقف الرئيس الإسباني من رفع علم فلسطين على يد (لامين يمال) خلال احتفالات نادي برشلونة، ومطالبه الأخرى المناوئة للاحتلال، وأخيراً الرسالة الإنسانية التي وجهها إلى الطفلة ليان القوقا في غزة وتمنياته إلى أطفال غزة بأن يعيشوا بسلام وأن يعودوا إلى مدارسهم ويمارسوا فنونهم لم تكن تلك مجرد رسالة رد على طفلة، بل كانت رسالة سياسية إلى العالم بأن يصغي إلى صرخات وآلام أطفال وأهالي قطاع غزة، الذين يعيشون بين الأنقاض والخيام وما زالت حيواتهم مهددة يومياً بالقتل وسوء التغذية وبالأمراض والتلوث البيئي والحرمان من التعليم المنتظم.
هذه التطورات لا تعني أن أوروبا باتت كتلة واحدة مؤيدة للفلسطينيين ومعادية للاحتلال. فهنالك اختلافات وتفاوتات كبيرة بين حكوماتها وأحزابها في المواقف، والحكومة الألمانية كمثال، فما زالت المصالح والتحالفات والتبعية للقرار الأمريكي تؤثر في القرارات. لكن القضية الفلسطينية باتت موضوعاً أساسياً في النقاش الأوروبي، وأصبحت اختباراً حقيقياً لمدى التزام أوروبا بالمبادئ التي طالما رفعتها عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، وكرامة المدنيين وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
الرأي العام الذي كنا نسمع به في الماضي، وكنا نلتقطه بالقطرات تحول إلى فيضان من التعاطف مع الفلسطينيين، وإدانة للاحتلال وموبقاته، بعد عقود طويلة من التأييد والدعم الأعمى لإسرائيل.
الحصار والقتل لم ينته بعد، وهو مرشح للتفاقم، وتقع مسؤولية على العرب استثمار هذا التعاطف الدولي لمحاصرة هذه الحكومة الفاشية حتى وقف جرائمها.
كاتب فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/07/30 الساعة 00:00