نتنياهو والجنائية الدولية: مَن يردع 'جناح صهيون'؟
نيسان ـ نشر في 2026/07/31 الساعة 00:00
في رحلتها إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حلقت طائرة رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، في أجواء اليونان وإيطاليا وفرنسا وكندا؛ والدول الأربع أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت، في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، مذكرة تطلب اعتقال الأخير، بتهمة اركاب جرائم حرب وجرائم بحقّ الإنسانية. لم تكن هذه سابقة، بالطبع، إذْ اعتاد نتنياهو على التحليق في الأجواء ذاتها، أو ما يماثلها، مراراً من دون إعاقة؛ ومن المنتظر أن يزور مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك، أيلول (سبتمبر) المقبل، فالمرء لا ينتظر من هذه الدول، وأشباهها، أن تُبلغ «جناح صهيون» بحظر المرور، فكيف بأن تطلق مقاتلاتها لإجبار الطائرة على الهبوط.
كذلك فإنّ المصادفة لم تكن وراء التزامن بين غرض آخر من رحلة نتنياهو إلى واشنطن، أي المشاركة في تشييع السناتور لندسي غراهام؛ وبين تآمر الأخير مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتشكيل هيئة مشرّعين عابرة للحزبين في الكونغرس الأمريكي، تتولى التنكيل بالمحكمة الجنائية وقضاتها، ممّن تجاسروا على إصدار مذكرات اعتقال بحقّ اثنين من كبار المسؤولين الإسرائيليين، وقد يتجاسرون في أيّ سياق استثنائي على المطالبة بتوقيف غراهام نفسه، أو أمثال دونالد ترامب وجو بايدن وبيل كلنتون وجورج بوش الأب والابن. صحيفة «نيويورك تايمز»، وفي مناسبة زيارة نتنياهو الأخيرة، كشفت النقاب عن تفاصيل مثيرة تخصّ مراحل التآمر تلك، والتي سبقت إعادة انتخاب ترامب وتواصلت خلال حملته وبعد فوزه أيضاً.
وتلك التفاصيل تبدو، في مقام أوّل، أقرب إلى لائحة عارٍ مخزية حول درجات الانحطاط التي يمكن أن تهبط إليها طرائق الضغوط على أعضاء الكونغرس، واستمالتهم إلى الانخراط في سيرورة تخريب منهجية ضدّ هيئة عليا تمثل القانون الدولي في اختصاصات جنائية تحديداً. كما تعكس، في مقام ثانٍ، المستويات الأشدّ ابتذالاً لأخلاقيات المقايضة المتبادلة بين نتنياهو وغراهام، حيث المصالح المنفردة أو الثنائية لا تبدأ من تفخيخ قرارات المحكمة، وتمرّ حتماً بالاحتياجات المالية واللوجستية للسناتور الهمام، ولا تنتهي عند خطب ودّ مجموعات الضغط اليهودية والصهيونية في الولايات المتحدة.
وأياً كانت الملابسات التي اكتنفت إقالة المدعي العام للمحكمة، كريم خان، حيث لا يتوجب أن تكون ذنوبه قابلة للتغطية أو التبرير بسبب من مذكرات التوقيف اللاحقة؛ فإنّ توظيف الاتهامات بسوء سلوك خان كانت على رأس أجندة العمل المشترك بين نتنياهو وغراهام، في وقت مبكر تماماً، وخلال فترة تداول قضاة المحكمة في أمر إصدار المذكرات. والتفاصيل، كما أوردتها «نيويورك تايمز»، تشير إلى أنّ المتآمرَين استعرضا فرص استغلال الادعاءات بحقّ خان، من زاوية تضخيمها أساساً، بما ليس فيها أصلاً. وإذا صحّ أنّ سلوكاً مثل هذا ليس، البتة، غريباً عن نتنياهو وغراهام، بالتساوي والتكافل؛ فليس أقلّ إشارة للعجب أنّ الصحيفة الأمريكية تكتمت على الحكاية على امتداد 24 شهراً ونيف، فلم تجد وقتاً مناسباً لإماطة اللثام عنها سوى… هبوط طائرة نتنياهو في واشنطن، لتشييع غراهام!
تلك التفاصيل تبدو أقرب إلى لائحة عارٍ مخزية حول درجات الانحطاط التي يمكن أن تهبط إليها طرائق الضغوط على أعضاء الكونغرس
وليست بعيدة في التاريخ تلك الرسالة التي توجهت إلى المدعي العام للمحكمة، وحملت تواقيع 12 من سناتورات أمريكا، وانطوت على سوية في الجلافة وقلّة التهذيب والغطرسة لا تليق حتى بعصابات اليانكي أو بارونات المافيا؛ إذ أنذر الموقعون بأنّ استهداف «السيادة الإسرائيلية» هو استهداف للسيادة الأمريكية، وخاطبوا خان هكذا: «فإذا فعلتَ واستهدفت، فإننا سنفعل ونستهدفك؛ ولقد جرى تحذيرك»! وإلى جانب السادة الجمهوريين (توم كوتون، ميتش ماكونيل، مارشا بلاكبرن، كاتي بويد بريت، تيد باد، كيفن كريمر، تيد كروز، بيل هاغرتي، بيت ريكتس، ماركو روبيو، ريك سكوت، وتيم سكوت)؛ توفّر ديمقراطيون (أمثال جو فيترمان، ريشي توريس) ساندوا الإبادة الجماعية التي كانت دولة الاحتلال ترتكبها في قطاع غزّة، وكان تلقائياً أن ينخرطوا في حملة نتنياهو ـ غراهام.
طرافة أخرى، مضحكة مبكية هذه المرّة، تطبع علاقة البيت الأبيض بالجنائية الدولية: 1) بينما تمتنع واشنطن عن الانضمام إلى الدول الـ124 التي اعترفت بالمحكمة، فإنها تهلل وترحب بمذكرة الاعتقال الدولية التي صدرت عن المحكمة ذاتها بحقّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ و2) سبق للرئيس ترامب، خلال ولايته الأولى، أن فرض عقوبات على موظفي الجنائية الدولية، الذين شاركوا في تحقيقات حول جرائم حرب محتملة ارتكبتها قوات الاحتلال الأمريكية في أفغانستان؛ و3) سارع خَلَفه بايدن إلى إبطال تلك العقوبات، تحت وطأة الانسحاب العسكري الأمريكي المتسرّع والمذلّ من أفغانستان إياها؛ وصولاً إلى 4) حيث تعود الإدارة القهقرى إلى سياسة ترامب في التهديد والوعيد والعقاب، متضافرة مع حملة غراهام ـ نتنياهو والسناتورات الأشاوس.
وأن تسير «جناح صهيون» بلا رادع أو عائق في سماءات اليونان وإيطاليا وفرنسا وكندا وسواها، محتقرة مذكرات الجنائية الدولية، أمر لا يمنع استذكار المظانّ الكثيرة التي قد تحرّض على الطعن في مصداقية المحكمة إياها؛ بصدد موازين عادلة لقياس أحكام القانون الدولي، والمساواة في تطبيقه، أو بالأحرى: العجز عن تطبيقه إلا إذا تشاطر على دول نامية وفقيرة ومهيضة الجناح، على عيار أوغندا والكونغو وأفريقيا الوسطى والسودان، أو (بدفع من الكبار، لأغراض مطعون في مصداقيتها) على رئيس قوّة عظمى نووية مثل بوتين.
وثمة وصمة عار، بين أخريات كثيرات، التصقت طويلاً بالجنائية الدولية بصدد النظر إلى مجرم الحرب بشار الأسد، حين عجز السادة القضاة عن الذهاب أبعد من أضاليل «جمع الأدلة» على الفظائع والانتهاكات وجرائم الحرب، التي تواصلت وازدادت عنفاً وبشاعة خلال 13 سنة أعقبت الانتفاضة الشعبية في آذار (مارس) 2011؛ أو قبل ذلك، في عشرات جرائم الحرب زمن الأسد الأب، وكانت مجزرة مدينة حماة، 1982، واحدة من ذراها الوحشية القصوى. وفي مثال النظام السوري البائد، لم يكن عجيباً، البتة هنا أيضاً، أنّ واشنطن وموسكو وبكين رفضت منح المحكمة تخويلاً بفتح تحقيقات رسمية، فاستمرأ النظام العربدة من زاوية رفض اختصاص المحكمة للنظر في الانتهاكات.
المثال الثاني الذي سجّل وصمة أخرى في مسمى القانون الدولي كما يهندسه الكبار، وكما يعطلونه أنى قدّروا مساساً بمصالحهم، كان «المحكمة الدولية لجرائم الحرب»، السابقة على إطلاق الجنائية الدولية؛ حين تبدت، على أقبح صورة كما قد يصحّ القول، هذه المفارقة الصارخة: مجرم الحرب الصربي سلوبودان ميلوسفتش يمثل أمام المحكمة، وشريكه في جرائم الحرب أرييل شارون يواصل ارتكاب جرائمه اليومية بحقّ الفلسطينيين؛ وسط تصفيق «العالم الحرّ» عامة، والولايات المتحدة خاصة، على المشهدين معاً. تلك «العدالة الدولية» لم تكن انتقائية وانتقاصية ومخادعة ومزيفة، فحسب؛ بل كانت مجرّد صورة أخرى، «قانونية» من حيث التوصيف، لنظام دولي يتسيده الكبار القلائل على حساب الصغار الكثر.
وفي الذكرى الـ24 لإنشاء الجنائية الدولية، بموجب نظام روما الأساسي، لا يصحّ أن تُغفل حقيقة كبرى تفيد بأن ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، أمريكا وروسيا والصين، لا تكتفي بعدم الاعتراف بهذه المحكمة وترفض الانضمام إلى مواثيقها، بل لا تتوقف عن عرقلة أعمالها بقوّة حقّ النقض (الفيتو)، كلما تعارضت خلاصات القضاة مع مصالح واشنطن وموسكو وبكين؛ هذا فضلاً عن أنّ 69 دولة عضو في الأمم المتحدة ليست منتسبة إلى المحكمة.
فمَن، والحال هذه، يجد عجباً في أنّ «جناح صهيون» تشقّ السماءات، منعتقة من كلّ مذكّرة أو قيد، مستكبرة مستهينة محتقِرة…؟
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
كذلك فإنّ المصادفة لم تكن وراء التزامن بين غرض آخر من رحلة نتنياهو إلى واشنطن، أي المشاركة في تشييع السناتور لندسي غراهام؛ وبين تآمر الأخير مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتشكيل هيئة مشرّعين عابرة للحزبين في الكونغرس الأمريكي، تتولى التنكيل بالمحكمة الجنائية وقضاتها، ممّن تجاسروا على إصدار مذكرات اعتقال بحقّ اثنين من كبار المسؤولين الإسرائيليين، وقد يتجاسرون في أيّ سياق استثنائي على المطالبة بتوقيف غراهام نفسه، أو أمثال دونالد ترامب وجو بايدن وبيل كلنتون وجورج بوش الأب والابن. صحيفة «نيويورك تايمز»، وفي مناسبة زيارة نتنياهو الأخيرة، كشفت النقاب عن تفاصيل مثيرة تخصّ مراحل التآمر تلك، والتي سبقت إعادة انتخاب ترامب وتواصلت خلال حملته وبعد فوزه أيضاً.
وتلك التفاصيل تبدو، في مقام أوّل، أقرب إلى لائحة عارٍ مخزية حول درجات الانحطاط التي يمكن أن تهبط إليها طرائق الضغوط على أعضاء الكونغرس، واستمالتهم إلى الانخراط في سيرورة تخريب منهجية ضدّ هيئة عليا تمثل القانون الدولي في اختصاصات جنائية تحديداً. كما تعكس، في مقام ثانٍ، المستويات الأشدّ ابتذالاً لأخلاقيات المقايضة المتبادلة بين نتنياهو وغراهام، حيث المصالح المنفردة أو الثنائية لا تبدأ من تفخيخ قرارات المحكمة، وتمرّ حتماً بالاحتياجات المالية واللوجستية للسناتور الهمام، ولا تنتهي عند خطب ودّ مجموعات الضغط اليهودية والصهيونية في الولايات المتحدة.
وأياً كانت الملابسات التي اكتنفت إقالة المدعي العام للمحكمة، كريم خان، حيث لا يتوجب أن تكون ذنوبه قابلة للتغطية أو التبرير بسبب من مذكرات التوقيف اللاحقة؛ فإنّ توظيف الاتهامات بسوء سلوك خان كانت على رأس أجندة العمل المشترك بين نتنياهو وغراهام، في وقت مبكر تماماً، وخلال فترة تداول قضاة المحكمة في أمر إصدار المذكرات. والتفاصيل، كما أوردتها «نيويورك تايمز»، تشير إلى أنّ المتآمرَين استعرضا فرص استغلال الادعاءات بحقّ خان، من زاوية تضخيمها أساساً، بما ليس فيها أصلاً. وإذا صحّ أنّ سلوكاً مثل هذا ليس، البتة، غريباً عن نتنياهو وغراهام، بالتساوي والتكافل؛ فليس أقلّ إشارة للعجب أنّ الصحيفة الأمريكية تكتمت على الحكاية على امتداد 24 شهراً ونيف، فلم تجد وقتاً مناسباً لإماطة اللثام عنها سوى… هبوط طائرة نتنياهو في واشنطن، لتشييع غراهام!
تلك التفاصيل تبدو أقرب إلى لائحة عارٍ مخزية حول درجات الانحطاط التي يمكن أن تهبط إليها طرائق الضغوط على أعضاء الكونغرس
وليست بعيدة في التاريخ تلك الرسالة التي توجهت إلى المدعي العام للمحكمة، وحملت تواقيع 12 من سناتورات أمريكا، وانطوت على سوية في الجلافة وقلّة التهذيب والغطرسة لا تليق حتى بعصابات اليانكي أو بارونات المافيا؛ إذ أنذر الموقعون بأنّ استهداف «السيادة الإسرائيلية» هو استهداف للسيادة الأمريكية، وخاطبوا خان هكذا: «فإذا فعلتَ واستهدفت، فإننا سنفعل ونستهدفك؛ ولقد جرى تحذيرك»! وإلى جانب السادة الجمهوريين (توم كوتون، ميتش ماكونيل، مارشا بلاكبرن، كاتي بويد بريت، تيد باد، كيفن كريمر، تيد كروز، بيل هاغرتي، بيت ريكتس، ماركو روبيو، ريك سكوت، وتيم سكوت)؛ توفّر ديمقراطيون (أمثال جو فيترمان، ريشي توريس) ساندوا الإبادة الجماعية التي كانت دولة الاحتلال ترتكبها في قطاع غزّة، وكان تلقائياً أن ينخرطوا في حملة نتنياهو ـ غراهام.
طرافة أخرى، مضحكة مبكية هذه المرّة، تطبع علاقة البيت الأبيض بالجنائية الدولية: 1) بينما تمتنع واشنطن عن الانضمام إلى الدول الـ124 التي اعترفت بالمحكمة، فإنها تهلل وترحب بمذكرة الاعتقال الدولية التي صدرت عن المحكمة ذاتها بحقّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ و2) سبق للرئيس ترامب، خلال ولايته الأولى، أن فرض عقوبات على موظفي الجنائية الدولية، الذين شاركوا في تحقيقات حول جرائم حرب محتملة ارتكبتها قوات الاحتلال الأمريكية في أفغانستان؛ و3) سارع خَلَفه بايدن إلى إبطال تلك العقوبات، تحت وطأة الانسحاب العسكري الأمريكي المتسرّع والمذلّ من أفغانستان إياها؛ وصولاً إلى 4) حيث تعود الإدارة القهقرى إلى سياسة ترامب في التهديد والوعيد والعقاب، متضافرة مع حملة غراهام ـ نتنياهو والسناتورات الأشاوس.
وأن تسير «جناح صهيون» بلا رادع أو عائق في سماءات اليونان وإيطاليا وفرنسا وكندا وسواها، محتقرة مذكرات الجنائية الدولية، أمر لا يمنع استذكار المظانّ الكثيرة التي قد تحرّض على الطعن في مصداقية المحكمة إياها؛ بصدد موازين عادلة لقياس أحكام القانون الدولي، والمساواة في تطبيقه، أو بالأحرى: العجز عن تطبيقه إلا إذا تشاطر على دول نامية وفقيرة ومهيضة الجناح، على عيار أوغندا والكونغو وأفريقيا الوسطى والسودان، أو (بدفع من الكبار، لأغراض مطعون في مصداقيتها) على رئيس قوّة عظمى نووية مثل بوتين.
وثمة وصمة عار، بين أخريات كثيرات، التصقت طويلاً بالجنائية الدولية بصدد النظر إلى مجرم الحرب بشار الأسد، حين عجز السادة القضاة عن الذهاب أبعد من أضاليل «جمع الأدلة» على الفظائع والانتهاكات وجرائم الحرب، التي تواصلت وازدادت عنفاً وبشاعة خلال 13 سنة أعقبت الانتفاضة الشعبية في آذار (مارس) 2011؛ أو قبل ذلك، في عشرات جرائم الحرب زمن الأسد الأب، وكانت مجزرة مدينة حماة، 1982، واحدة من ذراها الوحشية القصوى. وفي مثال النظام السوري البائد، لم يكن عجيباً، البتة هنا أيضاً، أنّ واشنطن وموسكو وبكين رفضت منح المحكمة تخويلاً بفتح تحقيقات رسمية، فاستمرأ النظام العربدة من زاوية رفض اختصاص المحكمة للنظر في الانتهاكات.
المثال الثاني الذي سجّل وصمة أخرى في مسمى القانون الدولي كما يهندسه الكبار، وكما يعطلونه أنى قدّروا مساساً بمصالحهم، كان «المحكمة الدولية لجرائم الحرب»، السابقة على إطلاق الجنائية الدولية؛ حين تبدت، على أقبح صورة كما قد يصحّ القول، هذه المفارقة الصارخة: مجرم الحرب الصربي سلوبودان ميلوسفتش يمثل أمام المحكمة، وشريكه في جرائم الحرب أرييل شارون يواصل ارتكاب جرائمه اليومية بحقّ الفلسطينيين؛ وسط تصفيق «العالم الحرّ» عامة، والولايات المتحدة خاصة، على المشهدين معاً. تلك «العدالة الدولية» لم تكن انتقائية وانتقاصية ومخادعة ومزيفة، فحسب؛ بل كانت مجرّد صورة أخرى، «قانونية» من حيث التوصيف، لنظام دولي يتسيده الكبار القلائل على حساب الصغار الكثر.
وفي الذكرى الـ24 لإنشاء الجنائية الدولية، بموجب نظام روما الأساسي، لا يصحّ أن تُغفل حقيقة كبرى تفيد بأن ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، أمريكا وروسيا والصين، لا تكتفي بعدم الاعتراف بهذه المحكمة وترفض الانضمام إلى مواثيقها، بل لا تتوقف عن عرقلة أعمالها بقوّة حقّ النقض (الفيتو)، كلما تعارضت خلاصات القضاة مع مصالح واشنطن وموسكو وبكين؛ هذا فضلاً عن أنّ 69 دولة عضو في الأمم المتحدة ليست منتسبة إلى المحكمة.
فمَن، والحال هذه، يجد عجباً في أنّ «جناح صهيون» تشقّ السماءات، منعتقة من كلّ مذكّرة أو قيد، مستكبرة مستهينة محتقِرة…؟
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
نيسان ـ نشر في 2026/07/31 الساعة 00:00