القمة التركية اللبنانية واستحضارات أتاتورك

وسام سعادة
نيسان ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 00:00
الزيارة الرسمية لرئيس الجمهورية اللبناني الى أنقرة هي الثالثة فقط على هذا المستوى منذ استقلال لبنان. سبقه فقط إليه كميل شمعون في الخمسينيات، أيام انحياز الأخير لحلف بغداد، وميشال سليمان عام 2009 في سياق الانفتاح التركي على عرب المنطقة. تأخرت الزيارة أكثر مما ينبغي، على حد تعبير الرئيس عون، لأن تاريخ العلاقات بين البلدين ظل محاصرا باحتقان الذاكرة التاريخية، وهو الاحتقان الذي غرف منه الرئيس السابق ميشال عون، عشية مئوية إنشاء دولة لبنان الكبير، يوم أحدث أزمة بين البلدين على خلفية تصريحاته حين وصف ما قام به الدولة العثمانية بحق اللبنانيين بـ»إرهاب الدولة» وكان رد. عون الثاني أتى في المقابل، في لحظة عالية الخطورة إقليميا ودوليا يجد فيها لبنان في الانفتاح على تركيا، لكن أيضا على باكستان، حاجة حيوية. في ظل حرب مدمرة مع إسرائيل لا يبدو أن لها من آخر قبل تفكيك حزب الله، وتخبط حربي لمسار التسوية مع إيران – ومن أهل الغلاظة من كان لا يحتمل التشكيك بأفق ما بعد مذكرة التفاهم، على اعتبار أن الإمبريالية جربت حظها وزهُقت. وهناك في الموازاة سؤال يطرح حول دور تركيا المواكب لكل من سوريا ولبنان في هذه المرحلة، وإسهامها في الترتيبات الأمنية الانتقالية.
لكن ما هو مثير الى جانب كل هذا «اندهاش» البعض بأن عون الثاني أشاد بإصلاحات مصطفى كمال أتاتورك أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فالإسلاميون العرب أتاتوركوف، أما عند قسم لا يستهان به من المسيحيين اللبنانيين فتتمازج التركوفوبيا مع الأتاتوركوفيليا. علما أنه بنتيجة حرب الاستقلال التي قادها مصطفى كمال صارت تركيا الحديثة متجانسة إسلاميا، خاصة بعد التبادل السكاني مع اليونان، وليس تفصيلا أن المتجانس دينيا بمعية الحرب كان أكثر قابلية للتحديث العلمانوي، من البلد الذي أبقى على التعددية الدينية التي على النمط العثماني، كلبنان.
لكن أحقاً يظن بعض الناس أن الحديث عن أتاتورك بحضور أردوغان يُعد أمراً سلبياً بالنسبة للأخير؟
الرئيس التركي يحرص على زيارة ضريح كمال (أنيتكابير) في ذكرى وفاته، ويقدم طروحاته على أنها تتوافق مع أتاتورك لا العكس. هو لا يدعو إلى عودة الخلافة، ولا إلى اعتبار الشريعة مصدراً أوحداً أو حتى مصدراً أساسياً للتشريع.
الزيارة الرسمية لرئيس الجمهورية اللبناني الى أنقرة هي الثالثة فقط على هذا المستوى منذ استقلال لبنان

مصطفى كمال بدوره لم يكن علمانويا في سني حرب الاستقلال التركي رفضا لمعاهدة سيفر، بل كثيرا ما عكّز على حمية الجهاد، تأسيسا على تجربته قبلذاك في ليبيا في وجه الإيطاليين. التحول في الاتجاه العلماني ظهر لاحقا. فحتى حين ألغيت الخلافة كان الدستور لا يزال يلحظ أن الإسلام هو دين الدولة. التحول بدءا من أكتوبر 1927 مع خطاب النطق أخذ الأمور في منحى أكثر تجذرا. لكن ليس منحى فصل الدين عن الدولة بل تأميم الدين. تحويل الدولة إلى مرجع تفسيره وتنظيم شؤونه الأوحد. وقومنة الدين. وهذا ما لم يكن من الممكن الاستمرار به، إحلال اسم الإله بالتركية «تانري» بدل اسم الجلالة. «تانري اولودور» بدل «الله أكبر». المفارقة أن الأتراك طوال تاريخهم بعد إسلامهم كانوا يستخدمون كلمة «تانري» للإشارة إلى الإله في يومياتهم، تماماً كما يقول الناطقون بالفارسية اليوم «خدا» لكن بسبب إصرار أتاتورك على إلغاء اسم الله العربي وتتريك الأذان، أصبحت كلمة «تانري» تثير حساسية في تركيا في حين حتى الخميني والخامنئي يحدث لهما أن يستخدما المعادل الفارسي.
ليس تفصيلاً ما قاله أتاتورك حين وقعت احتجاجات في مدينة بورصة على فرض الأذان بالصيغة التركية عام 1933، إذ أكد أن المسألة ليست دينية بل لغوية. ورغم ذلك، فإن ما أثار التهاباً أكبر هو أن إينونو هو من لجأ إلى القمع بشكل أكبر لفرض هذا الأذان بعد وفاة أتاتورك، في حين كان هناك تساهل نسبي في فترة كمال.
طوال حياة أتاتورك، لم يكن في قانون العقوبات ما يجرّم الأذان العربي بالسجن، بل كان الأمر يُدار عبر تعاميم إدارية وبلاغات من رئاسة الشؤون الدينية ووزارة الداخلية. بل إن أتاتورك تراجع عن فكرة إجبار الناس على الصلاة وقراءة القرآن بالتركية داخل الصلاة بعد أن لمس رفضاً مجتمعياً واسعاً، واكتفى بالإصرار على تتريك الأذان والخطبة. أما في عهد إينونو بين عامي 1939 و1950، فقد أصبحت المسألة «تكسير راس» وملاحقة جنائية.
لهذا السبب، تلعب الأردوغانية على ثنائية رمزية: أتاتورك جيد، أما إينونو فيتحمل وزر الشطط. ينتقد أردوغان في أكثر من خطابه قيام إينونو – بعد وفاة أتاتورك – بإزالة صورة المؤسس عن الطوابع البريدية والعملة التركية ووضع صورته مكانه.
تنقسم الأتاتوركية بين يسارها ويمينها. اليسار هو خط عصمت اينونو. واجب الدولة عنده تحديث المجتمع من فوق. اليمين يريد مصالحة النهج مع الثقافة الدينية المحافظة للمجتمع، بشرط السيطرة التامة للدولة. عدنان مندريس مثلا الذي يوصف «شهيد الأذان» بعد أن أُعدمه العسكر عام 1961، ينتمي إلى اليمين الكمالي وليس إسلامويا. للمفارقة، العسكر أنفسهم، عندما انقلبوا مجددا عام 1980 فعلوها الى حد كبير من موقع اليمين الأتاتوركي، يوم تحدث منفذ الانقلاب إيفرين عن «التوليفة التركية الإسلامية» ونص دستوريا على إلزامية تعليم الثقافة الدينية والأخلاق لجميع الطلاب المسلمين في المدارس الحكومية من المرحلة الإبتدائية وحتى الثانوية، وهو النظام المستمر حتى يومنا هذا. أردوغان ليس أتاتوركيا، لكن إسلامويته مختلفة عن تلك العربية. وحين زار مصر في عهد الإخوان، لم يفهموا عليه عندما حدثهم عن ضرورة العلمانية. صحيح أنه تربى أساساً في حضن نجم الدين أربكان، الذي كان له موقف أوضح من الكمالية، إلا أنه شدد على التمييز بين علمانية فرنسية وأخرى أنكلوساكسونية. وعبر التعديلات الدستورية الضخمة التي أجراها وحولت تركيا إلى النظام الرئاسي، جرى الحفاظ على المادة الثانية من الدستور التركي، التي تنص على أن تركيا «دولة ديمقراطية علمانية واجتماعية وقائمة على سيادة القانون»، كبند ثابت لا يمكن تغييره. وتتلخص فكرة أردوغان في أن العلمانية يجب أن تكون على مستوى الدولة لا المجتمع، وعلى مستوى الأفراد يقول: «لتكن الدولة علمانية، أما الأفراد فلا يجب أن يكونوا علمانيين».
أن يزور الرئيس العربي الوحيد تركيا فهذه، على دقتها السياسية والأمنية، لحظة لا يمكن أن تنفصل عن مخزونها التاريخي الثقافي، ومن المداخل للتفاعل الصحي مع هذا المخزون توفير جهد أفضل لفهم السياقين اللبناني والتركي لعلاقة الدين بالدولة، والحاجة من بعد هذا الجهد إلى إدراك أن ما يجمع لبنان بتركيا، رغم حاجز اللغة، قد لا يجمعه مع بلدان عربية كثيرة.
كاتب لبناني
    نيسان ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 00:00