العراق وإيران وانقلاب الموازين

أمير المفرجي
نيسان ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 00:00
مع تزايد حدة الصراع الأمريكي الإيراني يتصاعد الجدل وتتعدد الخلافات في العراق، على الرغم من نجاح زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لواشنطن والتوصيات التي تم نقلها إليه لخروج العراق من عباءة الولي الفقيه، وإنهاء وصايته على البلد. حيث يرى العديد من المهتمين بالشأن العراقي في أن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى طهران، التي جاءت بعد أيام من زيارته لواشنطن، حملت أفكارا ونوايا تختلف عن تلك التي نقلها رؤساء الوزراء السابقون، نتيجة للتغير الواضح في طبيعة وهيكلة الزعامة بعد غياب المرشد الإيراني، ما يعني تحول الجمهورية الإسلامية من نظام ولاية الفقيه إلى نظام سياسي عسكري تقوده النخبة السياسية والعسكرية، ما يعني أيضاً نهاية العامل المذهبي الولائي في العلاقة العراقية ـ الإيرانية والتعامل بالمبدأ القومي السيادي بين كلا الدولتين.
وعلى الرغم من أن زيارة رئيس الوزراء أتت في ظل بيئة عراقية شديدة التعقيد، نتيجة للإشكالية الناتجة من استمرار ولاء الأحزاب المتنفذة لنظام ولاية الفقيه، ابتداءً من صمت الحكومة العراقية عن كشف أسباب عدم توقيع الوزير المنتمي إلى منظمة بدر المقرَّبة من إيران لبنود مشروع طريق التنمية خلال زيارة الوفد العراقي لتركيا، ناهيك عن الإشكالية الثانية التي أحدثها تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن «الهجوم على المليشيات في العراق جاء بتنسيق مع الحكومة العراقية»، تبدو الأهداف الحقيقية من زيارة واشنطن أكثر وضوحا وإشارة لبدء رسم إحداثيات التغير المقبل على ميزان القوى الإقليمي، والتزام العراق بالتعاطي مع نتائجه بتعامل مستقل عن الجانب الإيراني، وحصر سلاح الميليشيات بيد الدولة، والقبول بالأمر الواقع، والتعامل من خلاله في علاقة العراق المقبلة مع الزعماء الجدد في إيران. وهذا ما يفسر التباين بين موقف رئيس الوزراء الجديد ومواقف الأحزاب العراقية وأذرعها التابعة لثقافة الولي الفقيه من هذا التغيير.
غياب سلطة وفتاوى المرشد الأعلى التي مثلتها ونفذتها الميليشيات الولائية في العراق، يعني نهاية التأثير السياسي المذهبي على العراق والعودة إلى التاريخ الذي صاغ في بودقة حضارته نواة الهوية العراقية
ففي الوقت الذي يرى الكثيرون في أن التداعيات الناتجة من نهاية نظام ولاية الفقيه في إيران، ستلقي بضلالها على طبيعة النظام السياسي في العراق، يتساءل كل من له بصيرة وطنية إلى معرفة حقيقة ما سيطرأ على البلد في الفترة المقبلة، حيث تكمن الموضوعية الوطنية، دراسة ومعرفة طبيعة وحجم التغيرات الخارجية التي فرضتها الحرب الأمريكية على إيران وأذرعها في العراق، انطلاقا من التفكير، ومن خلال التحليل وبناءً على معطيات متوفرة تتعلق بالوضع السياسي والاجتماعي القادم للبلد منذ أكثر من عقدين.
ثمة من يرى أن هناك رغبة دولية لوضع لمسات جديدة للعملية السياسية الفاشلة التي رعتها إيران في العراق، من خلال تغيير واقعي في طريقة حكم البلد، وأسس النظام السياسي الطائفي الفاسد، وإبدالها بسياسة واقعية تتوافق وتتلاءم مع التغيرات الآتية على الساحة الإقليمية والدولية، التي لا تزال تتفاعل أحداثها وأجنداتها باستمرار، ما قد تدفع بالطبقة السياسية الحاكمة على مراجعة مواقفها العقائدية والشخصية التي فرضتها على الوضع الأمني والاقتصادي العراقي، الذي يعمل الغرب على إبعاده عن التأثير الإيراني، من خلال دعم لشخصية رئيس الوزراء العراقي، يخدم المصلحة الأمريكية والغربية، ويتوافق مع ما يخطط له الغرب في الشرق الأوسط في صراع المصالح بين كبار هذا العالم.
وكي لا يبقى مفهوم السر سراً، وعلى الرغم من فشل العملية السياسية في العراق وانتشار الفساد والطائفية، لم يكن في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية تغيير النظام العراقي، طالما لم تفلح في السابق من إبعاد الخطر الإيراني وحلفاءه من هذا البلد، حيث لم يخف على أحد أن قطع رؤوس الفساد الأخيرة لم تكن تبدأ وتنجح في الوقت الحاضر، لولا هبوب رياح التغيير التي أنهت أيديولوجية الولي الفقيه، الذي وظف الولاء لإيران وسمح للنخب الفاسدة العابرة للقوميات والطوائف الى سرقة العراقيين ومصادر إعادة بناء بلدهم.
إن قراءة ما بين السطور لزيارة الوفد العراقي لواشنطن ومن ثم طهران، وما تم الحديث عنه خلف الأبواب المغلقة، الكفيل في معرفة خفايا المستقبل وفهم مغزى تغيير الأسلوب السياسي العراقي في علاقاته مع جيرانه، وبمعنى آخر نهاية فترة الوصاية المذهبية في تدوير العملية السياسية في العراق، تزامنا مع نهاية نظام ولاية الفقيه واستلام النخبة القومية الإيرانية لزمام الأمور.
ان غياب سلطة وفتاوى المرشد الأعلى التي مثلتها ونفذتها الميليشيات الولائية في العراق، يعني نهاية التأثير السياسي المذهبي على العراق والعودة إلى التاريخ الذي صاغ في بودقة حضارته نواة الهوية العراقية وحسم إشكالية التباين وخلط الجذور بالقشور في فهم علاقة البلدين، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أهمية العامل التاريخي لبلاد النهرين الذي يفتخر به العراقيون، وقدرته في التمييز بين قدسية الجذور الثابتة وزيف المعتقدات الخبيثة المتغيرة، الذي سعى من خلالها نظام الولي الفقيه في إيران، عن طريق خلق نموذج مذهبي يعتمد استراتيجياً ومالياً وعسكرياً ولائياً على الاستراتيجية القومية لبلاد فارس، ما ساعد على توسيع النفوذ الإقليمي من خلال عباءة الدين السياسي المؤثرة على المجتمعات الأخرى.
إن التغير الذي يلمسه الشارع العراقي في موقف الدولة الرسمي، ما كان ليرى النور وينجح، لولا تغير الموازين والأجندات. فالهوية الوطنية العراقية لم تتغير، وأن ما تغير هو غيابها ومحاولة وأدها، ومن ثم جعل الهوية الطائفية، الأساس في تعامل العراق مع جيرانه والعالم.
من هنا يبدو واضحاً أن استقطاب رئيس الوزراء الجديد من قبل الولايات المتحدة يدخل ضمن عملية تصحيح دور العراق التاريخي ليتناسب مع التغيرات المقبلة، والهادفة إلى إنهاء قدرة نظام المرشد النووية والعسكرية، وتنظيماته في العراق والعالم العربي، ما يعني نهاية مشروع تصدير الثورة التي جاء بها «الخميني»، وهذا ما قد يكون ما حملته في ثناياها وخفاياها زيارة علي الزيدي لواشنطن وطهران.
    نيسان ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 00:00