يا طراونة.. صمت الأمس لا يبرره كلام اليوم

نيسان ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
هناك نوعان من الصمت لا يختلفان كثيرا؛ صمت المسؤول وهو في موقع القرار، وصمت الحكومة وهي مطالبة بالإجابة، وكلاهما، حين يتعلق الأمر بأموال الناس، لا يترك خلفه إلا سؤالا كبيرا اسمه الثقة والضمير.
ما كشفه المدير العام السابق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي محمد الطراونة، عن ضغوط حكومية مورست عليه لإدارة بعض ملفات المؤسسة بما يخدم توجهات الحكومة، لا يجوز التعامل معه بوصفه مجرد رواية لمسؤول سابق، كما لا يجوز القفز مباشرة إلى إدانة أحد قبل أن تكتمل الصورة.
لكن ما لا يجوز أيضا هو أن يمر هذا الحديث وكأنه خبر عابر، فالضمان الاجتماعي ليس مؤسسة عادية، إنه أكبر صندوق ادخاري للأردنيين، وأموال المشتركين فيه ليست ملكا لأي حكومة، ولا لأي مدير عام، ولا لأي مجلس إدارة، بل هي حقوق خاصة دفعها أصحابها من رواتبهم شهرا بعد شهر، على أساس أن تبقى مصونة، وأن تدار وفق القانون والمصلحة الاقتصادية، لا وفق الاعتبارات السياسية.
وأثناء قراءتي لمنشور الزميل سمير الحياري، استوقفتني أسئلته أكثر مما استوقفتني الوقائع نفسها.
لماذا صمت محمد الطراونة كل تلك السنوات إذا كانت هذه الضغوط قد مورست فعلا؟ ولماذا اختار أن يتحدث بعد مغادرته موقعه؟.
وفي المقابل، لماذا اعتادت الحكومات أن تترك الرأي العام نهبا للروايات، ثم تتأخر في تقديم روايتها، أو لا تقدمها أصلا؟.
في تقديري لا يمكن الفصل بين السؤالين؛ فالمسؤول الذي يرى تجاوزا يمس مؤسسة عامة، ثم يختار الصمت، يتحمل مسؤولية أخلاقية لا تقل عن مسؤولية من مارس ذلك التجاوز إن ثبت وقوعه.
والحكومة التي تلتزم الصمت أمام اتهامات بهذا الحجم، لا تحمي نفسها، بل تضعف ثقة الناس بها.
الدول لا تبنى فقط بالقوانين، تبنى أيضا بسرعة كشف الحقيقة، وكل يوم يتأخر فيه التوضيح، تزداد مساحة الشك، ويصبح الناس أكثر ميلا إلى تصديق الروايات المتداولة، لأن الفراغ لا يبقى فراغا، بل يملؤه الآخرون.
لهذا لا أعتقد أن القضية اليوم هي محمد الطراونة وحده، ولا حكومة بعينها، ولا حتى منشور الزميل سمير الحياري. القضية تتعلق بالطريقة التي تدار بها مؤسسات تمس حياة الأردنيين ومستقبلهم.
إذا كانت الضغوط التي تحدث عنها المدير العام السابق قد وقعت بالفعل، فمن حق الأردنيين أن يعرفوا من مارسها وكيف مورست ولماذا لم تتوقف ومن حقهم أن يعرفوا لماذا صمت الطراونة وهو المدير والمسؤول.
وإذا لم تكن الصورة كذلك، فمن حق الأردنيين أيضا أن يسمعوا الرواية الأخرى كاملة وواضحة، لا أن تبقى الحقيقة معلقة بين رواية وصمت، فالضمان الاجتماعي لا يعيش على استثماراته فقط، إنه يعيش على ثقة الناس.
وهذه الثقة لا يحميها قانون وحده، ولا بيانات رسمية مقتضبة، وإنما تحميها الشفافية الكاملة، والمساءلة، وسرعة المكاشفة. لقد تعودنا في كثير من الملفات العامة، أن نتحدث بعد مغادرة المواقع، وأن ترد الحكومات بعد أن يستقر الجدل في أذهان الناس.
لكن الدول التي تحترم مؤسساتها لا تدير الحقيقة بهذه الطريقة، الحقيقة لا تؤجل، والثقة لا تحتمل التأجيل؛
لأن أخطر ما يمكن أن تخسره أي مؤسسة ليس المال الذي تديره، بل يقين الناس بأنها تعمل من أجلهم، لا من أجل غيرهم.
بقي أن نوجه رسالة لكل مسؤول متقاعد نقول له : لو لم تنس أن لك لسانا أيام المنصب والكرسي والخدم والحشم لكان موقفك وطنيا ولا يحتمل حتى الغمز أو اللمز، فحقائق الأمس لا يجري نقعها بالصمت، ثم تتحول تاليا الى ثارات ندفع ثمنها مرتين؛ الأولى حين لذت بالصمت دهراً والثانية حين نطقت.
    نيسان ـ نشر في 2026/08/01 الساعة 00:00