موجة سبتة الكبرى: حين يتحول اليأس الاقتصادي إلى هجرة جماعية
نيسان ـ نشر في 2026/08/04 الساعة 00:00
يوم 27 مارس 1991، هاجر في يوم واحد 27 ألف ألباني من بلادهم إلى مدينة برينديزي الإيطالية، وظل لعقود الرقم الأعلى في ما يخص الهجرة لأسباب اقتصادية واجتماعية في يوم واحد فقط. وتحطم هذا الرقم يوم 30 يوليو 2026 عندما دخل، خلال ساعات محدودة، أكثر من 50 ألف مغربي إلى مدينة سبتة الواقعة شمال المغرب والمحتلة من طرف إسبانيا. وبهذا تصبح عملية الاقتحام الجماعي لسبتة أكبر موجة للهجرة في تاريخ الهجرة الحديثة، متجاوزة ألبانيا. حدث يتجاوز البعد الاجتماعي، ويحاول البعض إلباسه بعدا جيوسياسيا، في ظل التطورات الحاصلة، على حساب البعد الاجتماعي والاقتصادي.
وتعود الهجرة من المغرب إلى إسبانيا بحرا، أو إلى سبتة ومليلية برا، إلى نهاية الثمانينيات عندما بدأت أوروبا تفرض التأشيرة على المغاربة. ويقف العامل الاقتصادي والاجتماعي وراء الهجرة، ويمكن تفسير ما وقع يوم الخميس 30 يوليو 2026 بأسباب اقتصادية. إذ يجد الشباب المغربي نفسه أمام تحديين: الأول هو فقدان الأمل في العيش الكريم في دولة تتعزز فيها طبقة أوليغارشية، والتحدي الثاني هو كيفية الهجرة إلى أوروبا، التي تبعد فقط كيلومترات معدودة عن الساحل المغربي، وأحيانا يتم الرهان على الدخول إلى سبتة ومليلية، على أمل الانتقال إلى إسبانيا. غير أن سهولة دخول أكثر من خمسين ألف مغربي إلى سبتة في ظرف ساعات، تدفع إلى استحضار عناصر أخرى لفهم ما جرى. فالمغرب يتوفر على مستوى عال من حراسة حدوده، وتوجد نقاط تفتيش للشرطة والدرك بين كل مدينة وأخرى، ولا يمكن لخمسين ألف شخص الدخول إلى سبتة بهذه السهولة، خاصة أنها منطقة حساسة.
هذا الحدث خلّف نتائج خطيرة ستكون لها انعكاسات على مستقبل العلاقات المغربية – الإسبانية بشأن الثقة. ولعل أبرز تطور مباشر لهذه الأزمة كان تصريح رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يوم 31 يوليو 2026، من سبتة، بأن «عملية الاقتحام الجماعي» كانت «اعتداءً على وحدة البلاد». ثم جاء موقف الملك فيليبي السادس في اليوم الموالي، بضرورة حماية البلاد، وهو ما تمت ترجمته مباشرة بإرسال مزيد من الجيش إلى الحدود مع المغرب، مع ضرورة تفادي الأحزاب الجدل السياسي. هذا الحادث سيفاقم من صورة المغرب كمصدر للخطر بالنسبة لإسبانيا، وذهبت مقالات كثيرة في هذا الاتجاه، تلخيصها: «بينما تعاني إسبانيا من موجة حرائق تاريخية، يباغتنا المغرب جنوبا في سبتة»، حتى إن جريدة الباييس، المعروفة بخطابها المعتدل بما في ذلك في النقد، نشرت مقالا بعنوان: «الملك محمد السادس يطلق صواريخه البشرية ضد إسبانيا».
تعود الهجرة من المغرب إلى إسبانيا بحرا، أو إلى سبتة ومليلية برا، إلى نهاية الثمانينيات عندما بدأت أوروبا تفرض التأشيرة على المغاربة، ويقف العامل الاقتصادي والاجتماعي وراءها
ننتقل الآن إلى العناصر الجيوسياسية التي تمت الاستعانة بها لتفسير هذا الحدث، أو ما ترتب عنه، رغم أن بيان وزارة الداخلية المغربية نسب كل شيء إلى التغليط الإعلامي الذي تعرض له الشباب من طرف جهات، في محاولة لإبعاد الطابع السياسي عن الحدث. هذه الأحداث وقعت في سبتة، وهي المدينة التي تطل على مضيق جبل طارق، وهو معبر مهم للتجارة العالمية. ويكفي أن أي توتر على مشارفها قادر على خلق قلق دولي ينضاف إلى التوتر الحاصل في مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، في هذه الظرفية الحالية ذات الحساسية المرتفعة بسبب تشعبات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران. ويبقى تأثير هذا الحدث على المستوى العالمي، حتى الآن، أنه شكل وقودا لليمين القومي المتطرف في الغرب لتعزيز أطروحته بأن الهجرة القادمة من الجنوب، خاصة الإسلامية، خطر على الحضارة الغربية. وهكذا رأينا سيلا من تصريحات هذا التيار، من الرئيس ترامب إلى البريطاني نيل فاراج، والفرنسي بارديلا، وحتى رجل الأعمال إيلون ماسك، ترفع من إيقاع جرس الإنذار، بينما وجد فيها حزب فوكس المتطرف في إسبانيا فرصة لتعزيز خطابه العنصري.
صلة بالعلاقات الجيوسياسية بين الرباط ومدريد، ذهب جزء من الصحافة في المغرب وإسبانيا إلى أنه، خلال زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر يوم 20 يوليو 2026، قد يكون اتفق سرا مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على التراجع عن دعم الحكم الذاتي في الصحراء الغربية. بينما تشير المعطيات إلى أن سانشيز شرح رؤية إسبانيا في الموضوع، ورفض أن يتضمن البيان الختامي أي إشارة إلى الصحراء، وهو ما يحصل لأول مرة في زيارة لرئيس حكومة إسبانية إلى الجزائر. وفي الوقت ذاته، جرى الترويج إلى أن إسبانيا ستدعم أنبوب الغاز من نيجيريا إلى الجزائر على حساب أنبوب الغاز من نيجيريا إلى المغرب. بينما لا تبدي إسبانيا ولا الاتحاد الأوروبي اهتماما بالأنبوبين، ولا يستعد الأوروبيون لتمويل أي منهما، بل ولا يأتي طرحهما في التقارير حول مستقبل الطاقة في أوروبا.
وفي معطى جيوسياسي آخر، ذهب بعض محللي الصحافة الإسبانية إلى أن الغرض من أحداث سبتة هو تذكير العالم بوجود سبتة ومليلية، وابتزاز إسبانيا في تكرار للمسيرة الخضراء في الصحراء. وكتبت جريدة «آ بي سي» يوم 3 أغسطس، في مقال مثير: «سبتة والمسيرة الخضراء، ابتزاز جديد للنقاش». في حين ذهب جزء من المحللين المغاربة إلى أن أحداث سبتة وضعت قضية سبتة ومليلية في الأجندة الدولية، بعد اقتلاع السياج الفاصل بين إسبانيا وجبل طارق في أعقاب اتفاق تاريخي بين لندن ومدريد في هذا الشأن. وعليه، نتساءل: هل كان الأمر يتطلب التضحية بـ120 مغربي، أو أكثر ماتوا غرقا، لكي يعرف العالم سبتة ومليلية بأنهما محتلتان؟ كان يكفي إصدار بيان للدولة المغربية حول المطالبة بفتح مفاوضات بشأن مستقبل المدينتين. أيعقل هذا الرأي في وقت لم تعد فيه الخطابات الملكية ولا البرلمان يتحدثان عن سبتة ومليلية منذ سنة 2010، ولا تحضر وفود من سبتة ومليلية مراسيم العرش والبيعة منذ سنوات، كما أن بيان وزارة الداخلية المغربية حول أحداث سبتة تفادى، لأول مرة، وصف سبتة ومليلية بالمحتلتين؟ ولو كانت هناك أسباب سياسية وراء هذا الحدث، هل كان رئيس الحكومة المغربية سيتوجه إلى جزيرة مايوركا الإسبانية لقضاء عطلته في ذروة أزمة سبتة؟
قد يكشف الزمن، وربما بعد سنوات، لغزا سياسيا وراء أحداث سبتة 2026، كما حدث مع أحداث سبتة 2021 (اقتحام 17 ألف مغربي سبتة) عندما كان السبب هو موقف مدريد المعارض لإعلان ترامب سيادة المغرب على الصحراء الغربية. ويبقى العامل المقبول حتى الآن لفهم ما جرى هو العامل الاجتماعي-الاقتصادي، في ظل نموذج اقتصادي تستفيد منه الأقلية على حساب الأغلبية، وترى هذه الأخيرة أن الهجرة من ضمن الحلول، في دولة تعتبر بدورها الهجرة ضمن الحلول، ويكفي أن قرابة مليوني مغربي هاجروا خلال العقدين الأخيرين لمعرفة أهمية الهجرة كمحفز.
في غضون ذلك، سيحتفظ التاريخ بأن أحداث سبتة يوم 30 يوليو 2026 سجلت أكبر موجة هجرة لأسباب اقتصادية في يوم واحد، بعدما تجاوز عدد المهاجرين ستين ألفا. ويبقى السؤال المؤلم: هل سيتحطم هذا الرقم مستقبلا، كما تتحطم الأرقام القياسية في ألعاب القوى، وكم سيكون عدد الضحايا، أم أن أحداث سبتة هي إنذار يدفع إلى مراجعة السياسات التي تدفع الشباب إلى الهجرة بهذا الشكل؟
كاتب مغربي
وتعود الهجرة من المغرب إلى إسبانيا بحرا، أو إلى سبتة ومليلية برا، إلى نهاية الثمانينيات عندما بدأت أوروبا تفرض التأشيرة على المغاربة. ويقف العامل الاقتصادي والاجتماعي وراء الهجرة، ويمكن تفسير ما وقع يوم الخميس 30 يوليو 2026 بأسباب اقتصادية. إذ يجد الشباب المغربي نفسه أمام تحديين: الأول هو فقدان الأمل في العيش الكريم في دولة تتعزز فيها طبقة أوليغارشية، والتحدي الثاني هو كيفية الهجرة إلى أوروبا، التي تبعد فقط كيلومترات معدودة عن الساحل المغربي، وأحيانا يتم الرهان على الدخول إلى سبتة ومليلية، على أمل الانتقال إلى إسبانيا. غير أن سهولة دخول أكثر من خمسين ألف مغربي إلى سبتة في ظرف ساعات، تدفع إلى استحضار عناصر أخرى لفهم ما جرى. فالمغرب يتوفر على مستوى عال من حراسة حدوده، وتوجد نقاط تفتيش للشرطة والدرك بين كل مدينة وأخرى، ولا يمكن لخمسين ألف شخص الدخول إلى سبتة بهذه السهولة، خاصة أنها منطقة حساسة.
هذا الحدث خلّف نتائج خطيرة ستكون لها انعكاسات على مستقبل العلاقات المغربية – الإسبانية بشأن الثقة. ولعل أبرز تطور مباشر لهذه الأزمة كان تصريح رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يوم 31 يوليو 2026، من سبتة، بأن «عملية الاقتحام الجماعي» كانت «اعتداءً على وحدة البلاد». ثم جاء موقف الملك فيليبي السادس في اليوم الموالي، بضرورة حماية البلاد، وهو ما تمت ترجمته مباشرة بإرسال مزيد من الجيش إلى الحدود مع المغرب، مع ضرورة تفادي الأحزاب الجدل السياسي. هذا الحادث سيفاقم من صورة المغرب كمصدر للخطر بالنسبة لإسبانيا، وذهبت مقالات كثيرة في هذا الاتجاه، تلخيصها: «بينما تعاني إسبانيا من موجة حرائق تاريخية، يباغتنا المغرب جنوبا في سبتة»، حتى إن جريدة الباييس، المعروفة بخطابها المعتدل بما في ذلك في النقد، نشرت مقالا بعنوان: «الملك محمد السادس يطلق صواريخه البشرية ضد إسبانيا».
تعود الهجرة من المغرب إلى إسبانيا بحرا، أو إلى سبتة ومليلية برا، إلى نهاية الثمانينيات عندما بدأت أوروبا تفرض التأشيرة على المغاربة، ويقف العامل الاقتصادي والاجتماعي وراءها
ننتقل الآن إلى العناصر الجيوسياسية التي تمت الاستعانة بها لتفسير هذا الحدث، أو ما ترتب عنه، رغم أن بيان وزارة الداخلية المغربية نسب كل شيء إلى التغليط الإعلامي الذي تعرض له الشباب من طرف جهات، في محاولة لإبعاد الطابع السياسي عن الحدث. هذه الأحداث وقعت في سبتة، وهي المدينة التي تطل على مضيق جبل طارق، وهو معبر مهم للتجارة العالمية. ويكفي أن أي توتر على مشارفها قادر على خلق قلق دولي ينضاف إلى التوتر الحاصل في مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، في هذه الظرفية الحالية ذات الحساسية المرتفعة بسبب تشعبات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران. ويبقى تأثير هذا الحدث على المستوى العالمي، حتى الآن، أنه شكل وقودا لليمين القومي المتطرف في الغرب لتعزيز أطروحته بأن الهجرة القادمة من الجنوب، خاصة الإسلامية، خطر على الحضارة الغربية. وهكذا رأينا سيلا من تصريحات هذا التيار، من الرئيس ترامب إلى البريطاني نيل فاراج، والفرنسي بارديلا، وحتى رجل الأعمال إيلون ماسك، ترفع من إيقاع جرس الإنذار، بينما وجد فيها حزب فوكس المتطرف في إسبانيا فرصة لتعزيز خطابه العنصري.
صلة بالعلاقات الجيوسياسية بين الرباط ومدريد، ذهب جزء من الصحافة في المغرب وإسبانيا إلى أنه، خلال زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر يوم 20 يوليو 2026، قد يكون اتفق سرا مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على التراجع عن دعم الحكم الذاتي في الصحراء الغربية. بينما تشير المعطيات إلى أن سانشيز شرح رؤية إسبانيا في الموضوع، ورفض أن يتضمن البيان الختامي أي إشارة إلى الصحراء، وهو ما يحصل لأول مرة في زيارة لرئيس حكومة إسبانية إلى الجزائر. وفي الوقت ذاته، جرى الترويج إلى أن إسبانيا ستدعم أنبوب الغاز من نيجيريا إلى الجزائر على حساب أنبوب الغاز من نيجيريا إلى المغرب. بينما لا تبدي إسبانيا ولا الاتحاد الأوروبي اهتماما بالأنبوبين، ولا يستعد الأوروبيون لتمويل أي منهما، بل ولا يأتي طرحهما في التقارير حول مستقبل الطاقة في أوروبا.
وفي معطى جيوسياسي آخر، ذهب بعض محللي الصحافة الإسبانية إلى أن الغرض من أحداث سبتة هو تذكير العالم بوجود سبتة ومليلية، وابتزاز إسبانيا في تكرار للمسيرة الخضراء في الصحراء. وكتبت جريدة «آ بي سي» يوم 3 أغسطس، في مقال مثير: «سبتة والمسيرة الخضراء، ابتزاز جديد للنقاش». في حين ذهب جزء من المحللين المغاربة إلى أن أحداث سبتة وضعت قضية سبتة ومليلية في الأجندة الدولية، بعد اقتلاع السياج الفاصل بين إسبانيا وجبل طارق في أعقاب اتفاق تاريخي بين لندن ومدريد في هذا الشأن. وعليه، نتساءل: هل كان الأمر يتطلب التضحية بـ120 مغربي، أو أكثر ماتوا غرقا، لكي يعرف العالم سبتة ومليلية بأنهما محتلتان؟ كان يكفي إصدار بيان للدولة المغربية حول المطالبة بفتح مفاوضات بشأن مستقبل المدينتين. أيعقل هذا الرأي في وقت لم تعد فيه الخطابات الملكية ولا البرلمان يتحدثان عن سبتة ومليلية منذ سنة 2010، ولا تحضر وفود من سبتة ومليلية مراسيم العرش والبيعة منذ سنوات، كما أن بيان وزارة الداخلية المغربية حول أحداث سبتة تفادى، لأول مرة، وصف سبتة ومليلية بالمحتلتين؟ ولو كانت هناك أسباب سياسية وراء هذا الحدث، هل كان رئيس الحكومة المغربية سيتوجه إلى جزيرة مايوركا الإسبانية لقضاء عطلته في ذروة أزمة سبتة؟
قد يكشف الزمن، وربما بعد سنوات، لغزا سياسيا وراء أحداث سبتة 2026، كما حدث مع أحداث سبتة 2021 (اقتحام 17 ألف مغربي سبتة) عندما كان السبب هو موقف مدريد المعارض لإعلان ترامب سيادة المغرب على الصحراء الغربية. ويبقى العامل المقبول حتى الآن لفهم ما جرى هو العامل الاجتماعي-الاقتصادي، في ظل نموذج اقتصادي تستفيد منه الأقلية على حساب الأغلبية، وترى هذه الأخيرة أن الهجرة من ضمن الحلول، في دولة تعتبر بدورها الهجرة ضمن الحلول، ويكفي أن قرابة مليوني مغربي هاجروا خلال العقدين الأخيرين لمعرفة أهمية الهجرة كمحفز.
في غضون ذلك، سيحتفظ التاريخ بأن أحداث سبتة يوم 30 يوليو 2026 سجلت أكبر موجة هجرة لأسباب اقتصادية في يوم واحد، بعدما تجاوز عدد المهاجرين ستين ألفا. ويبقى السؤال المؤلم: هل سيتحطم هذا الرقم مستقبلا، كما تتحطم الأرقام القياسية في ألعاب القوى، وكم سيكون عدد الضحايا، أم أن أحداث سبتة هي إنذار يدفع إلى مراجعة السياسات التي تدفع الشباب إلى الهجرة بهذا الشكل؟
كاتب مغربي
نيسان ـ نشر في 2026/08/04 الساعة 00:00