تركيا: حل 'المستقبل'… تأسيس 'الجديد'

بكر صدقي
نيسان ـ نشر في 2026/08/04 الساعة 00:00
حدثان في أسبوع واحد هزا الحياة السياسية في تركيا: تأسيس حزب جديد وحل حزب موجود! وكما أن «الحزب الجديد» -وهذا اسمه- لم يولد من العدم، لن يشكل حل «حزب المستقبل» نسفاً لـ»مستقبل» السياسة في تركيا. فتاريخ الحياة السياسية في هذا البلد يمتلئ بكثير من تأسيس أحزاب جديدة وحل أخرى قديمة أو انطفائها بمرور الزمن، أو إعادة إحياء أخرى من الرماد.
«الحزب الجديد» ولد من رحم حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، بعدما تدخل القضاء المسيّس في تحديد من ينبغي أن يقوده، وليس كانشقاق طبيعي في إطار ديناميات داخلية في الحزب. في حين قام أحمد داوود أوغلو المنشق عن حزب العدالة والتنمية الذي شغل منصب أمينه العام لفترة من الوقت، بتأسيس حزب محافظ بمنظور استعادة «إعدادات المصنع» الخاصة بحزب العدالة والتنمية، بعدما انحرف الحزب الأم عن تلك المبادئ برأي مؤلف «العمق الاستراتيجي» وللمفارقة أطلق على حزبه اسم «المستقبل».
وإذا كان تأسيس هذا الحزب في العام 2019، قد أثار بعض الاهتمام في حينه، لكنه سرعان ما فقد زخم البدايات، واضطر للتحالف مع غريم أيديولوجي تمثل في حزب الشعب الجمهوري استعداداً للانتخابات العامة والرئاسية في 2023، وبفضل هذا التحالف حصل على عدد من المقاعد في البرلمان بعدما قدم مرشحيه على قوائم الحزب العلماني. يبدو أن داوود أوغلو اقتنع أخيراً أنه لا مستقبل لحركته السياسية في ظل الاستقطاب الحاد وتفاقم النزوع السلطوي لدى أردوغان بعدما فاز بفترة رئاسية ثالثة، وبات من المسلمات أنه يستعد للحصول على فترة رابعة، فأصدر بياناً مطولاً خلا من أي نقد ذاتي، بل صب جام حنقه على «الظرف الموضوعي» واختلال موازين القيم، معلناً إنهاء كافة النشاطات السياسية لحزبه.
كثير من المراقبين والمحللين الأتراك يشبهون انطلاق الحزب الجديد بانطلاق حزب العدالة والتنمية الذي زحف إلى السلطة بعد عام واحد من تأسيسه
أما «الحزب الجديد» فقد انطلق بزخم كبير ليرث موقع حزب المعارضة الرئيسي من الحزب الأم الذي انشق عنه. كما هو معلوم فقد أصدرت إحدى المحاكم قراراً اعتبر نتائج المؤتمر العام الأخير باطلة «بطلاناً مطلقاً» بما في ذلك انتخاب قيادة جديدة للحزب تمثل في الوجه الشاب الصاعد أوزغور أوزال وفريقه. فقد رفع جناح الأمين العام السابق كمال كلجدار أوغلو دعوى أمام المحكمة بشأن شوائب فساد في الانتخابات الحزبية في المؤتمر. وأقرت تلك المحكمة تلك الاتهامات وأعادت قيادة الحزب إلى كلجدار أوغلو وفريقه. بعد شهرين من الأخذ والرد بين الجناحين، دعا فيها جناح أوزال إلى عقد مؤتمر استثنائي، لكن كلجدار أوغلو رفض ذلك، فلم يبق أمام القيادة المنتخبة إلا الانشقاق عن الحزب وتأسيس حزب جديد. وانشق مع أوزال 91 من نواب الحزب في البرلمان، الأمر الذي يعني بداهة أن الحزب الجديد بات هو حزب المعارضة الرئيسي، مقابل تراجع حزب الشعب الجمهوري إلى المرتبة الخامسة بين الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان.
بيد أن طموح أوزال الذي صنع أول فوز كبير لـ»الشعب الجمهوري» على «العدالة والتنمية» منذ صعود الأخير إلى السلطة في 2002، في الانتخابات المحلية للعام 2024، بعد سلسلة من الخسارات للحزب بقيادة كلجدار أوغلو، يتجاوز كونه جناح الأكثرية وحزب المعارضة الرئيسي، إلى الفوز بالسلطة في الانتخابات القادمة التي من المفترض نظرياً أن تجرى في العام 2028. ويبدو من نتائج استطلاعات الرأي أن طموحه هذا لا يفتقر إلى أساس واقعي. فالتذمر الشعبي من السلطة تتسع دوائره باطراد، لتبقى المشكلة في ظهور بديل قادر على إقناع الناخبين بأنه قادر على الفوز إضافة إلى استجابته لمطالب غالبية شعبية. وفي الانتخابات الأخيرة عبر هذا الانحسار في شعبية السلطة عن نفسه فعوقب حزب السلطة بخسارة أهم البلديات كما في تفوق نسبة التصويت للحزب المعارض على نسبة التصويت لحزب السلطة. بمعنى أن قيادة أوزال المتحالف مع أكرم إمام أوغلو – أبرز منافسي أردوغان على منصب الرشئاسة – تمكنت من إقناع الناخب التركي بأن المعارضة يمكنها أن تفوز على السلطة.
الآن تدور النقاشات في الرأي العام حول ما الذي يمكن أن يقدمه الحزب الجديد من جديد قادر على استقطاب غالبية من شأنها إنجاز التغيير بعد نحو ربع قرن من حكم حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان. ترى هل يقوم الحزب بتغيير أيديولوجي يتجاوز فيه عقيدته الكمالية المتقادمة، أم على العكس من ذلك «يعود إلى إعدادات المصنع» بالتمسك بعلمانيته المتشددة؟ هل يدعم مسار الحل السلمي الذي يقوده كل من دولت بهجلي وعبد الله أوجالان أم يتمسك بخصومته للسلطة فيرفض المسار؟ هل سيتمكن من استقطاب دوائر شعبية جديدة من خارج جمهوره التقليدي أم يسعى للحفاظ على هذا الجمهور بكتلته الثابتة؟ فالمطالبة بالسلطة تقتضي مرونة أيديولوجية وقدرة على مخاطبة كتل شعبية جديدة، محافظة، كردية، أوساط رأس المال وغيرها من التيارات الاجتماعية الساخطة على الوضع الاقتصادي المأزوم. في حين أن مرونة مماثلة تخاطر بخسارة قسم من الجمهور «الأصلي» للحزب الذي يتشكل من طبقة وسطى متعلمة علمانية بنمط حياة مديني حديث.
الحق أنه من الظلم مطالبة الحزب الجديد بإجراء مراجعات فكرية تحتاج لوقت وجهد في الوقت الذي تجد قيادة الحزب نفسها في سباق مع الزمن للملمة عضويته وتنظيم صفوفه وتمويل أنشطته استعداداً لانتخابات من المرجح أن تجرى قبل موعدها المفترض، لأن حسابات أردوغان بشأن التمكن من ترشيح نفسه للمرة الرابعة تستوجب إجراءها في موعد مبكر، إضافة إلى أن خطر الحزب الجديد ستدفعه أيضاً للإسراع أكثر قبل أن يتمكن حزب أوزال من الاستعداد بشكل جيد.
كثير من المراقبين والمحللين الأتراك يشبهون انطلاق الحزب الجديد بانطلاق حزب العدالة والتنمية الذي زحف إلى السلطة بعد عام واحد من تأسيسه. سنرى ما إذا كان التاريخ سيكرر نفسه أم لا.
    نيسان ـ نشر في 2026/08/04 الساعة 00:00