الدبلوماسية الفلسطينية ومعركة الرواية بعد السابع من أكتوبر

نادر العالول
نيسان ـ نشر في 2026/08/06 الساعة 00:00
في الحروب الكبرى، لا تُحسم المعارك بالسلاح وحده، بل بالطريقة التي تُروى بها. فمَن ينجح في تحديد نقطة البداية، يحدد تلقائيا صورة الضحية والجاني، ويرسم الإطار الأخلاقي والسياسي الذي سيفهم العالم من خلاله كل ما يأتي بعد ذلك. ولهذا لم تكن أخطر معارك ما بعد السابع من أكتوبر 2023 عسكرية فحسب، بل كانت معركة على الذاكرة والسياق؛ لأن السؤال الحقيقي لم يكن: ماذا حدث؟ بل: من أين تبدأ القصة؟
إذا بدأت الرواية صباح السابع من أكتوبر، بدا الاحتلال مجرد خلفية بعيدة، والاستيطان تفصيلا هامشيا، والحصار صفحة من الماضي، وكأن الانفجار وقع في فراغ. أما إذا بدأت من واقع شعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود، وتتوسع المستوطنات في أرضه، وتُغلق أمامه آفاق الحل السياسي، فإن السؤال يصبح مختلفا تماما: كيف أمكن لهذا الواقع أن يستمر كل هذه السنوات، دون أن ينتهي إلى انفجار؟
ولا يعني ذلك تبرير أي انتهاك بحق المدنيين، فالمدنيون ليسوا أهدافا مشروعة أينما كانوا، لكن رفض جريمة لا يقتضي محو التاريخ الذي سبقها، ولا يسمح بتحويل حدث واحد إلى تفويض مفتوح للعقاب الجماعي والتجويع والتهجير وتدمير غزة. وكان ينبغي أن تكون هذه الرسالة الأخلاقية والسياسية هي نقطة انطلاق الدبلوماسية الفلسطينية في كل عاصمة: لا دفاعا عن أي انتهاك، ولا قبولا باقتلاع الأحداث من سياقها، ولا السماح بأن يبدأ العالم قراءة القضية الفلسطينية من اللحظة التي اختارها الخصم.
القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى رواية جديدة؛ روايتها موجودة في الأرض، وفي القانون، وفي الذاكرة، وفي وجوه الضحايا. لكنها تحتاج إلى دبلوماسية تعرف كيف تحمل هذه الرواية، وتحميها من الاجتزاء
أدركت إسرائيل منذ الساعات الأولى أن كسب تعريف الحرب قد يكون أهم من كسب بعض معاركها العسكرية. فسعت إلى تقديمها باعتبارها مواجهة بدأت فجأة بين دولة تعرضت لهجوم وتنظيم مسلح، لا فصلا جديدا في صراع طويل بين قوة احتلال وشعب واقع تحت الاحتلال. ومع ترسيخ هذا التعريف، اختفى الاحتلال من واجهة النقاش، وتقدمت لغة «الدفاع عن النفس»، وأصبح السؤال المطروح عالميا: كيف يجب أن ترد إسرائيل؟ بدلا من السؤال الأهم: لماذا وصل الصراع إلى هذه المرحلة أصلا؟
وساعد على ذلك تحرك إسرائيلي سريع، ورسالة موحدة، وانتشار واسع في الإعلام والجامعات ومراكز القرار. وفي المقابل، لم تكن المشكلة أن الصوت الفلسطيني غاب بالكامل؛ فقد برز عدد من السفراء والشخصيات الفلسطينية والعربية والدولية بأداء مؤثر، لكن المبادرات الفردية، مهما بلغت جودتها، لا تُنتج سياسة عامة. فما افتقدته فلسطين لم يكن الأشخاص، بل المنظومة التي توحد الرسائل، وتدير الحضور، وتحول الجهود المتفرقة إلى استراتيجية عالمية متماسكة.
كان يفترض أن تتحول كل سفارة فلسطينية منذ الأيام الأولى إلى غرفة عمليات سياسية وإعلامية وقانونية، تتحرك باستمرار نحو وسائل الإعلام، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والبرلمانات، والنقابات، والمؤسسات الحقوقية، لا أن تكتفي باللقاءات البروتوكولية. فالروايات لا تُرسخ عبر بيان أو مقابلة عابرة، وإنما عبر حضور متواصل يعيد تقديم الحقيقة بلغات مختلفة ولجماهير متعددة. وكان ينبغي أن تلتزم جميع البعثات بمجموعة مبادئ ثابتة: الاحتلال لم يبدأ في السابع من أكتوبر، وإنهاء الاحتلال هو الطريق الحقيقي إلى الأمن، وحماية المدنيين قاعدة أخلاقية لا استثناء، ولا يجوز أن يتحول حق الدفاع عن النفس إلى حق في العقاب الجماعي.
كان يمكن لكل سفير أن يخاطب جمهوره ببساطة وهدوء: لسنا هنا لنطلب منكم تبرير ما جرى في السابع من أكتوبر، ولا لتجاهل معاناة ضحاياه، وإنما لنسألكم سؤالا واحدا: هل بدأ الاحتلال في ذلك اليوم؟ هل بدأت المستوطنات والحواجز والحصار صباح ذلك التاريخ؟ وهل كانت الدولة الفلسطينية في طريقها إلى التحقق ثم جاء ذلك اليوم ليقضي عليها، أم أن فرصها كانت تتآكل عاما بعد عام؟ فحين يُعاد طرح هذه الأسئلة، يصبح من الصعب اختزال تاريخ شعب كامل في يوم واحد.
لقد امتلكت فلسطين، وما تزال، رصيدا قانونيا وسياسيا مهما؛ فقرارات الشرعية الدولية، وآراء المحاكم الدولية، والمواقف الحقوقية لم تكن يوما خالية من السند القانوني للقضية الفلسطينية. لكن قيمة هذه القرارات لا تكمن في بقائها داخل الملفات، بل في تحويلها إلى أدوات تأثير سياسي وإعلامي. فالقرار الذي لا يصل إلى الرأي العام، ولا يُترجم إلى ضغط على الحكومات ومراكز القرار، يبقى انتصارا قانونيا محدود الأثر. ومن هنا فإن وظيفة الدبلوماسية ليست جمع الوثائق، بل تحويل القانون إلى نفوذ، والحق إلى رأي عام، والرأي العام إلى سياسة.
ولذلك لم يكن مطلوبا من الدبلوماسية الفلسطينية أن تطالب بوقف الحرب فحسب، بل أن تمنع أيضا فصل المأساة الإنسانية عن جذورها السياسية. فالعالم قد يتعاطف مع الضحية، لكنه قد ينسى سبب وجودها أصلا. وقد تتحول فلسطين من قضية تحرر وطني إلى ملف إغاثة إنسانية، ومن شعب يطالب بحريته إلى شعب ينتظر المساعدات. والإغاثة، مهما بلغت أهميتها، تعالج نتائج الظلم، لكنها لا تنهي النظام الذي ينتجه. كما أن مخاطبة العالم لا يمكن أن تتم بلغة واحدة. فما يقنع طالبا جامعيا ليس بالضرورة ما يؤثر في نائب برلمان، وما يخاطب الرأي العام الأوروبي يختلف عما يلامس المجتمع الأمريكي أو الآسيوي. القضية واحدة، لكن طرق تقديمها متعددة. والدبلوماسية الحديثة لا تكتفي بعلاقاتها مع الحكومات، بل تتحرك داخل الجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، والنقابات، والمؤسسات الحقوقية، لأن القرار السياسي كثيرا ما يُصنع خارج مكتب الوزير قبل أن يصل إليه. ومن دون بناء حضور مؤثر داخل هذه البيئات، يبقى النفوذ محدودا مهما كثرت اللقاءات الرسمية.
وكان المطلوب منذ الساعات الأولى إطلاق خطة دبلوماسية عالمية موحدة: غرفة عمليات مركزية، ورسائل متفق عليها، ومواد إعلامية وقانونية بلغات مختلفة، ومتحدثون مدربون، وقاعدة بيانات تربط جميع السفارات بالصحافيين والباحثين والبرلمانيين والمؤسسات المؤثرة. كما كان ينبغي أن تُدار السفارات بمنطق النتائج لا بمنطق النشاط؛ فلا يُقاس النجاح بعدد الاجتماعات أو البيانات، وإنما بمدى تغير المواقف، واتساع التحالفات، وتأثير الرسالة في الفئات المترددة، وهي الفئة التي كانت تمثل ساحة المعركة الحقيقية.
وفي الوقت نفسه، لم تعد الدبلوماسية الحديثة حكرا على السفراء. فالأكاديمي، والطبيب، والمحامي، والإعلامي، والفنان، ورجل الأعمال، جميعهم قادرون على صناعة النفوذ إذا جرى تنظيم جهودهم. وتمتلك فلسطين ثروة هائلة من الكفاءات المنتشرة حول العالم، لكن معظمها تحرك بصورة فردية، لا ضمن شبكة وطنية محترفة تجمع الخبرات، وتوحد الرسائل، وتوزع الأدوار. ولو أُحسن استثمار هذه الطاقات، لتحولت السفارات إلى مراكز تنسيق تقود شبكة عالمية من المؤثرين، بدل أن تبقى وحدها في الميدان. كما أن المعركة الإعلامية لم تكن معركة أجوبة، بل معركة أسئلة. فالخصم لا ينتصر فقط عندما يقدم رواية أقوى، وإنما عندما يجبرك على قضاء وقتك كله في الدفاع عن نفسك، بينما يعفي نفسه من الإجابة عن الأسئلة الجوهرية. لذلك كان ينبغي للمتحدث الفلسطيني أن يجيب بوضوح عن المبادئ الأخلاقية، ثم يعيد الحوار مباشرة إلى الاحتلال، والاستيطان، والعقاب الجماعي، وحقوق الشعب الفلسطيني، بدل أن يبقى أسيرا للأسئلة التي يفرضها الطرف الآخر.
لكن إصلاح الأداء لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإعادة تعريف وظيفة الدبلوماسية الفلسطينية نفسها؛ باختيار السفراء على أساس الكفاءة والقدرة على التأثير، لا الأقدمية أو الاعتبارات الأخرى، وبإنشاء مركز وطني متخصص في إدارة الرواية والدبلوماسية العامة، يعمل طوال العام على دراسة اتجاهات الرأي العام، وتحليل خطاب الخصم، وتدريب المتحدثين، وإنتاج المحتوى، وتزويد البعثات بكل ما تحتاجه من معلومات وأدوات. فإدارة الرواية ليست دعاية، بل القدرة على جعل الحقيقة مرئية ومفهومة في عالم تتنافس فيه القصص بقدر ما تتنافس فيه الجيوش.
في النهاية، لم يكن المطلوب من الدبلوماسية الفلسطينية أن تبرر حدثا، بل أن تمنع هذا الحدث من ابتلاع تاريخ كامل. فالقصة التي تُنتزع من سياقها تتحول إلى أداة لتزييف الذاكرة، والحدث الذي يبدأ من منتصفه يقود دائما إلى حكم ناقص.
لقد أثبت الفلسطيني، بصموده وشهادته، أنه قادر على اختراق كثير من الحواجز التي بنتها الرواية الإسرائيلية، لكن بطولة الأفراد لا يمكن أن تكون بديلا عن كفاءة المؤسسات.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى رواية جديدة؛ روايتها موجودة في الأرض، وفي القانون، وفي الذاكرة، وفي وجوه الضحايا. لكنها تحتاج إلى دبلوماسية تعرف كيف تحمل هذه الرواية، وتحميها من الاجتزاء، وتنقلها من التعاطف إلى الفهم، ومن الفهم إلى الموقف، ومن الموقف إلى السياسة. لأن أخطر ما قد يحققه أي خصم ليس احتلال الأرض وحده، بل احتلال النقطة التي يبدأ منها العالم قراءة تاريخك. فمن يفقد حقه في رواية البداية، يصبح دفاعه عن النهاية أكثر صعوبة، والقضية التي تعجز عن مخاطبة العالم لا تفقد عدالتها، لكنها قد تفقد قدرتها على تحويل تلك العدالة إلى قوة سياسية مؤثرة.
كاتب فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/08/06 الساعة 00:00