الارض الزراعية ليست مجرد عقار

محمد المحيسن
نيسان ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 00:00
لا يمكن اختصار الحديث عن الأرض والزراعة، بكلمات عابرة او بأغنية تراثية أو دندنة عود، أو مقولة لا تصلح إلا للاستهلاك إعلامي. نعم الزراعة هي همّ وطني، وهمّ اقتصادي وهمّ اجتماعي بل هي أم الهموم.
لم تعد الزراعة، ولا المزارع الأردني، تحتل مكاناً متقدماً في أولويات السياسات العامة، وكأن الأرض التي كانت لعقود مصدر الأمن والاستقرار أصبحت عبئاً يمكن تجاوزه. ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن الحديث الرسمي عن التنمية لا يواكبه اهتمام مماثل بحماية القطاع الذي يؤمّن الغذاء ويحافظ على الإنسان في أرضه.
في المقابل، يمضي المزارعون سنوات وهم يواجهون وحدهم ارتفاع كلف الإنتاج، وشح المياه، وتقلبات الأسواق، وضعف التسويق، وتراجع الدعم، حتى بات كثير منهم يقف بين الديون والخسائر، بينما تتراجع المساحات المزروعة عاماً بعد آخر.
لم تكن أزمة الزراعة يوماً أزمة مزارعين فقط، بل أزمة اقتصاد وأمن غذائي ومجتمع. ومع ذلك، ظل هذا القطاع يتراجع على سلم الأولويات، في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات المحلية والإقليمية التي تؤكد أن امتلاك القدرة على إنتاج الغذاء لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة، بما شهدته من أزمات عالمية وارتفاع في أسعار الغذاء وتعطل في سلاسل التوريد، أن الدول التي فرطت بقطاعها الزراعي أصبحت أكثر هشاشة أمام المتغيرات الدولية. أما الدول التي حافظت على أرضها الزراعية فقد امتلكت هامشاً أكبر لحماية أمنها الغذائي واستقرارها الاقتصادي.
ومن هنا، فإن الجدل الذي رافق التعديلات على قانون الملكية العقارية، وما تزامن معه من مخاوف واعتراضات بشأن استملاك آلاف الدونمات في مناطق الأغوار الجنوبية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره خلافاً قانونياً فحسب، بل باعتباره نقاشاً وطنياً حول مستقبل الأرض الزراعية في الأردن.
فالاستملاك، متى اقتضته المنفعة العامة، هو أداة قانونية معروفة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبحت الأراضي الزراعية الخصبة هي الخيار الأسهل لكل مشروع جديد؟ وهل جرى استنفاد البدائل الممكنة قبل الوصول إلى اقتطاع مساحات تعد من أكثر الأراضي إنتاجاً في المملكة؟
الأرض الزراعية ليست مجرد رقم في سجل عقاري، ولا قيمة مالية يمكن تعويضها بشيك. إنها مصدر رزق لآلاف الأسر، وركيزة للإنتاج الزراعي، وحاضنة للثروة الحيوانية التي تعتمد على مخلفات المحاصيل والأعلاف المحلية. وكل دونم يخرج من دائرة الإنتاج يترك أثراً يتجاوز صاحبه ليطال الاقتصاد الوطني بأكمله.
وإذا كانت الدولة تسعى إلى جذب الاستثمار وتنفيذ مشاريع تنموية، فإن التنمية الحقيقية لا تكون على حساب الأمن الغذائي، بل بالتوازن بين حاجات الاستثمار وضرورة الحفاظ على الموارد الزراعية. فلا تعارض بين التنمية والزراعة عندما تكون هناك رؤية واضحة، وتخطيط طويل الأمد، واختيار مدروس للمواقع، وتعويض عادل، وحوار حقيقي مع المجتمعات المحلية.
المقلق اليوم ليس مشروعاً بعينه، وإنما تكريس نهج يجعل الأرض الزراعية الحلقة الأضعف كلما ظهرت حاجة لمشروع جديد. فمع كل استملاك أو تغيير في استعمالات الأراضي تتقلص الرقعة الزراعية، بينما يزداد اعتمادنا على الاستيراد في عالم لم يعد يضمن لأحد استمرار تدفق الغذاء أو استقرار أسعاره.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للزراعة بوصفها قضية سيادية، لا قطاعاً هامشياً. فالدول تقاس اليوم بقدرتها على إنتاج غذائها بقدر ما تقاس بقوة اقتصاداتها.
ما يحتاجه الأردن ليس المزيد من الشعارات عن دعم الزراعة، بل سياسات تحمي الأرض المنتجة، وتمنح المزارع الثقة بأن الدولة تنظر إليه باعتباره شريكاً في حماية الأمن الوطني، لا مجرد رقم في معادلة اقتصادية.
فالزراعة ليست مهنة فحسب، والأرض ليست سلعة، والأمن الغذائي ليس شعاراً يرفع في المناسبات. إنها منظومة واحدة، وإذا اختل أحد أركانها، سيدفع الجميع الثمن.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً في كل تشريع أو قرار يتعلق بالأرض هو: هل نحافظ على ما تبقى من الأراضي الزراعية للأجيال القادمة، أم نستيقظ بعد سنوات لنكتشف أننا كنا نغرد جميعاً... في وادٍ غير ذي زرع؟
    نيسان ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 00:00