كيف سيواجه العراق الإفلاس؟

يحيى الكبيسي
نيسان ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 00:00
أطل علينا الناطق الرسمي باسم الحكومة العراق ليخبرنا بكل ثقة أن «الدولة بعيدة عن شبح الإفلاس»، وأنه «عدنا فلوس»، و «الدولة ليست فقيرة»! وفات الناطق الرسمي أن الإفلاس ليس توصيفا لغويا يحيل إلى انعدام المال لدى المفلس، بل هو مصطلح قانوني يحيل إلى عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية، وبالتالي عجز الدولة العراقية عن توفير رواتب جيوش موظفيها ومتقاعديها (يبلغ عدد الموظفين الرسميين 4.074.697فردا، فيما يبلغ عدد المتقاعدين 3.6 مليون متقاعد فعلي، يضاف إليهم 2.059 مليون أسرة تتقاضى رواتب رعاية اجتماعية، يتقاضون جميعا ما يزيد عن 5.933 مليار دولار شهريا، أي حوالي 67% من إجمالي الموازنة العامة) يعني أنها باتت مفلسة!
في نهاية تموز 2023 نشرت صحيفة فايننشيال تايمز أن دقائق كانت تفصل الأرجنتين عن إعلان إفلاسها وعدم قدرتها عن سداد ديونها لولا تدخل صندوق النقد الدولي وعقد اتفاق طارئ لصرف 7.5 مليار دولار بشكل عاجل لها، علما أن الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين في العام 2023 بلغ ما يقارب 649.5 مليار دولار (لم يزد الناتج المحلي للعراق في العام 2023 عن 268.9 مليار دولار)!
كتبنا قبل شهرين تقريبا مقالا عن «الدولة الهشة والاقتصاد الأكثر هشاشة»، قلنا فيه إن مراجعة مؤشرات الاقتصاد الكلي والمالية العامة في العراق، على مدى السنوات الماضية، تكشف عن تحكم الارتجال والشعبوية، وغياب اقتصاد حقيقي في العراق، فهو اقتصاد ريعي في المطلق، وكل ما عداه هي قطاعات طفيلية ترتبط ارتباطا مباشرا بدورة هذا الريع في الأنشطة الاقتصادية. لتأتي لحظة إغلاق مضيق هرمز لتكشف عن هذه الحقيقة بطريقة صادمة. فالعراق كان يصدر ما يزيد عن 100 مليون برميل شهريا عبر مضيق هرمز، أي ما نسبته 93.8% من صادراته. ولكن حسب بيانات شركة سومو لم يتمكن العراق سوى من تصدير 20 مليون برميل خلال شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو عن طريق مضيق هرمز، ارتفعت في شهر تموز/ يوليو الى ما يقارب 30 مليون برميل، وهو ما يعني أن العراق لم يتمكن خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة سوى بيع 50 مليون برميل، أي 16% فقط من طاقته التصديرية، وبأسعار مخفضة، وهذه الأرقام توضح حجم الأزمة!
المشكلة أنه ليست هناك بدائل متاحة يمكن اللجوء اليها، سوى استنزاف الاحتياطي النقدي في البنك المركزي العراقي بطريقة غير قانونية، فقانون البنك يحظر إقراض الحكومة! وبالفعل تكشف الأرقام عن تراجع احتياطيات البنك المركزي من 101.082 مليار دولار نهاية شهر كانون الثاني/ يناير 2026 إلى 93.673 مليار دولار نهاية شهر أيار/ مايو. أي بتراجع بلغ 7.409 مليار دولار خلال أربعة أشهر! وحسب ما صرح به مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية في لقاء تلفزيوني يوم الأربعاء 5 آب/ أغسطس، فقد واصل هذا الاحتياطي انخفاضه ليصل إلى 80 مليار دولار فقط، أي بتراجع بلغ أكثر من 13.6 مليار دولار خلال شهري حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو، وهذه الأرقام تعكس حدة هذا الاستنزاف!
في المقابل قام البنك المركزي بضخ 13.7 ترليون دينار عراقي لزيادة الكتلة النقدية المتداولة. فبحسب بيانات البنك ارتفع حجم العملة المطبوعة من 99.79 ترليون دينار نهاية العام 2025، إلى 113.56 ترليون دينار حتى نهاية شهر أيار/ مايو، وهو مسار خطير سيفاقم الأزمة على المدى المتوسط!
الإفلاس ليس توصيفا لغويا يحيل إلى انعدام المال لدى المفلس، بل هو مصطلح قانوني يحيل إلى عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية
أما بالنسبة للدين العام، فالأرقام تكشف عن ارتفاع حجم الدين العام خلال السنوات الثلاث الأخيرة بشكل خطير، وذلك بسبب سياسات الإنفاق غير العقلانية التي اعتمدتها حكومة السيد محمد شياع السوداني. فوفقا لبيانات البنك المركزي فقد بلغ حجم الدين الداخلي حتى نهاية العام 2025 ما مقداره 69.1 مليار دولار، في حين لم يزد حجم هذا الدين الداخلي عن 48.6 مليار دولار نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 2022 مع نهاية ولاية حكومة السيد مصطفى الكاظمي. وهذا يعني أن حجم الدين الداخلي ارتفع بأكثر من 20.5 مليار دولار خلال ثلاث سنوات! يضاف الى هذا المبلغ مليارات الدولارات من الديون المترتبة على الحكومة لصالح الشركات والمقاولين، والتي لا يُعرف حجمها الفعلي بسبب غياب الشفافية المطلق في هذا الموضوع (البعض يوصلها رقم كارثي يبلغ 200 ترليون دينار عراقي، أي الى أكثر من 151 مليار دولار). فبحسب رئيس اتحاد المقاولين العراقيين، بلغ حجم ديون المقاولين فقط قرابة 41 ترليون دينار عراقي، أي ما يزيد عن 31 مليار دولار!
أما بالنسبة للدين الخارجي فقد بلغ 54.1 مليار دولار نهاية العام 2025 (بضمنها الديون المجمدة لدول الخليج العربي التي تبلغ 41 مليار دولار).
هذه الأرقام الكارثية مرشحة للصعود أو الانخفاض، حتى في حالة الوصول إلى اتفاق نهائي يوقف الحرب الأمريكية الإيرانية، لأن المفاوضات المتقطعة التي تجري بين الطرفين إنما تتحدث عن وقف مؤقت. فإن نهاية هذه الحرب لن تعني عودة العراق الى وضعه الطبيعي فيما يتعلق بتصدير النفط إلا بعد أربعة الى ستة أشهر على أشد التقديرات تفاؤلا، وهذا يعني أن العراق بحاجة الى حلول عملية أخرى غير تقليدية لمواجهة هذه الأزمة.
واحدة من هذه الحلول، وسبق لنا أن أشرنا اليه في مقالة سابقة، وهو اللجوء إلى الادخار القسري للموظفين، من خلال استقطاع 25% من الراتب الفعلي مقابل سندات حكومية بهامش فائدة سنوية، وبهذه الطريقة يمكن للحكومة تخفيض حجم الرواتب بنسبة تزيد عن 20% شهريا، بدلا من اللجوء الى رفع سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، أو اللجوء الى زيادة الكتلة النقدية.
الأخطر في سياق هذه الأزمة هو انعكاس طبيعة العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية عليها. فالشروط الأمريكية المتعلقة بسلاح الميليشيات الوكيلة لإيران في العراق يمكن أن تزيد الأزمة سوءا إذا ما قرر الأمريكيون الى إيقاع عقوبات مالية واقتصادية على العراق في حالة الإبقاء على سلاح هذه الميليشيات، خاصة بعد قصفها للمصالح الأمريكية في العراق، وقصفها لدول الخليج العربي في سياق الحرب القائمة. فهذا السلاح لم يعد موضوعا داخليا، بل أصبح موضوعا دوليا، وواضح أن هناك قرارا بأن لا يسمح مرة أخرى بمنظمات مسلحة ما دون الدولة بشكل عام، بعيدا عن ارتباطات وإيديولوجيات هذه المنظمات. كما يمكن للأمريكيين تعطيل أي مسعى من العراق للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي (وهي فكرة مطروحة حاليا).
لهذا كله يحتم هذا الوضع الجميع اتخاذ مواقف عقلانية، تحديدا الإطار التنسيقي، الذي يشكل الغطاء الرسمي لهذه الميليشيات، صحيح تماما أن قرار نزع سلاح الميليشيات هو قرار إيراني، ولكن يمكن للإطار، إن توفرت الإرادة، أن يصل الى تسوية مع الإيرانيين بهذا الشأن. فأي تأخير أو توقف في تحويلات الدولار، وأي عقوبات مالية أو اقتصادية أو سياسية ستجعل الوضع أشد كارثية. ففي النهاية، وكما يعلم الجميع، قرار الحكومة الحقيقي هو قرار الإطار التنسيقي!
٭ كاتب عراقي
    نيسان ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 00:00