جون إسبوزيتو ومجتمعات الإسلام: أحد آخر النبلاء؟

صبحي حديدي
نيسان ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 00:00
الأمريكي من أصول إيطالية جون ل. إسبوزيتو (1940 ـ 2023)، الذي رحل مؤخراً في فيلادلفيا، بنسلفانيا، لم يكن باحثاً كبيراً، ارتقى مراراً إلى مستوى العالِم واسع المعرفة والإلمام، في شؤون الإسلام ومجتمعات المسلمين بصفة عامة، ثمّ شجون الإسلام السياسي وتفرعاته وملابساته وحقائقه ومعطياته الفعلية مقابل أضاليله وتنميطاته على نحو خاصّ، فحسب. كان، أيضاً وأوّلاً ربما، أنموذجاً فريداً في هذا الفرع من العلوم والأبحاث والدراسات، حيث التعقيد والتشابك والصعوبات بوّابات لإساءة الفهم، أو الابتسار، أو التزييف، أو التسطيح، أو التهويل، أو هذه كلها مجتمعة متداخلة، عن سابق قصد وتصميم غالباً.
وثمة تفصيل لافت في السنوات الأبكر من حياة إسبوزيتو، كانت له آثاره الأعمق على تكوّن نظرة إلى الإسلام والمسلمين مختلفة جذرياً، لا تنطلق مسبقاً من أنساق سلبية شائعة، ومسلمات تشكيك متفق عليها، وفرضيات عدائية أو تختلق صياغات استعداء بين الأديان التوحيدية، ثمّ على نحو محدد بين التراث اليهودي ـ المسيحي الغربي في مواجهة الإسلام ديانة وثقافة وتاريخاً. ذلك لأنّ إسبوزيتو الفتى الكاثوليكي بدأ حياته في سنّ الـ14 طامحاً إلى الرهبنة، فقضى 10 سنوات في دير للرهبان الفرنسيسكان الكبوشيين، حيث أتيحت له فرصة (صحية ومعافاة، كما قد يصحّ القول) للتعرّف على الإسلام من دون حساسيات مسبقة الصنع؛ ولكن ليس من دون حسّ نقدي رفيع، وتمحيص عالي الدقة لما هو صالح وطالح في تمثيل التاريخ الإسلامي وعقائد المسلمين وفرقهم ومذاهبهم وطوائفهم وحركاتهم، ثمّ سياساتهم في مقام أثير اكتسب صدارة خاصة بمرور العقود وتعاقب المتغيرات.
ولم يكن عجيباً أنّ خروجه من الدير، وانخراطه لاحقاً في دراسات أكاديمية وأبحاث متعمقة، أسفر عن كتابات تزيد على 50 مؤلفاً، وإشراف على تحرير كبرى المراجع الموسوعية عن الإسلام، وتأسيس وإدارة «مركز التفاهم المسلم ـ المسيحي» في جامعة جورجتاون. ولم ينقضِ زمن طويل قبل أن يتحوّل إسبوزيتو إلى مصدر معلومات موضوعية ومنصفة وصائبة حول الإسلام السياسي تحديداً، خاصة في أعقاب سقوط الشاه وصعود الثورة الإسلامية في إيران، وأزمة الرهائن في السفارة الأمريكية، وصولاً إلى هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة، وما سُمّي بـ»الحرب على الإرهاب». وعلى أكثر من وجهة إيجابية، رصينة ومكينة وعالية الاطلاع، ظلّ إسبوزيتو بمثابة النقيض الساطع لأمثال برنارد لويس (الذي استحقّ لقب «بطريرك الاستشراق»)، والعشرات من المستشرقين زاعمي معرفة الإسلام في الغرب.
في كتابه «التهديد الإسلامي: خرافة أم حقيقة»، 1992، وهو أوّل بين مجموعة إصدارات متميزة ونوعية وفارقة؛ يتناول إسبوزيتو مسائل محورية مثل طبيعة الإسلام المعاصر، وما إذا كانت وجهته الإصلاح أم الثورة؛ وعلاقة الغرب بالإسلام، من حيث جذور الصراع واللقاء أو المواجهة؛ وجوهر الصلة بين الإسلام ومفهوم الدولة، بمعنى القوى التي تحرّك النهوض أو تعطله؛ وإشكاليات «جند الله»، في مستوى التنظيمات الجهادية الإسلامية؛ وصولاً إلى مناقشة الأطروحة الأكثر شيوعاً في تسعينيات القرن المنصرم: صدام الحضارات. ومنذ السطور الأولى في مقدمة الكتاب، لا يتردد إسبوزيتو في الجزم: حضور الإسلام، في مستوى ديانة عالمية وسطوة عقائدية، يشمل أكثر من خمس سكان العالم، إلى جانب انتشاره العالمي، سوف يواصل ملء فراغ ما بعد انطواء الحرب الباردة، وسوف يغذي طرائق المبالغة في بثّ المخاوف من انبعاث نمط جديد لـ»إمبراطورية شرّ» كانت تُنسب إلى الشيوعية.
كتاب ثانٍ، ضمن المتميز والنوعي والفارق، صدر سنة 2010 تحت عنوان «مستقبل الإسلام»، وعلى صفحات فصوله الأربعة يناقش إسبوزيتو وجوه الإسلام والمسلمين المتعددة؛ ويفصّل العلاقة بين الله والسياسة، ليس من دون عقد مقارنات مع أديان ومعتقدات أخرى؛ ثمّ يتساءل: أين المصلحون المسلمون، في الماضي والحاضر معاً؛ وينتقل إلى علاقة أمريكا بالعالم المسلم، وهل تُبنى سُبُل جديدة. ومن الجدير بالذكر أنّ إسبوزيتو لا يفوّت فرصة السخرية من «أنبياء الكوارث» في عصرنا، أمثال برنارد لويس («مؤرّخ الشرق الأوسط، ومستشار إدارة بوش في حربها الفاشلة ضدّ العراق» كما يصفه)، ممّن يواصلون العزف على أوتار ترهيب الغرب من الإسلام، تحت طائلة «فقدان الهوية والولاء والثقة الذاتية واحترام الثقافة الأصيلة» إذا استسلموا لموجات المهاجرين المسلمين.
إسبوزيتو، كانت له آثاره الأعمق على تكوّن نظرة إلى الإسلام والمسلمين مختلفة جذرياً، لا تنطلق مسبقاً من أنساق سلبية شائعة
كتاب ثالث بعنوان «ما يحتاج الكلّ معرفته عن الإسلام»، 2011، تقصد فيه إسبوزيتو الذهاب أبعد، وبالتالي أعمق وأشمل وأوسع نطاقاً، من مجرّد التعريف الأكاديمي بالدين والمجتمعات والصلات التوحيدية والإشكاليات المعاصرة السياسية منها على وجه التحديد؛ فشاء تسطير طراز نبيل من تصحيح المغالطات وتعديل الرؤى المسبقة ودفع الأضاليل، في آن معاً. والكتاب ينهض على 234 علامة استفهام (؟)، تتوزع على الفصول التالية: العقيدة؛ الإسلام والأديان الأخرى؛ العادات والثقافة؛ العنف والإرهاب؛ المجتمع، السياسة، الاقتصاد؛ والمسلمون في الغرب؛ بالإضافة إلى مسرد مصطلحات غنيّ ومتعدد الميادين، ولائحة قراءات مفيدة تقترح عشرات المراجع متباينة العصور واللغات.
في «الإسلام والديمقراطية بعد الربيع العربي»، 2016، كتاب رابع بالاشتراك مع تامارا سون وجون أو. فول؛ يعيد إسبوزيتو التشديد على أفكار كثيرة سبق أن طرحها في مجمل مؤلفاته، ولكنه هنا يضعها في سياقات ومآلات التجارب الديمقراطية في المجتمعات المسلمة (تركيا، من زاوية الصلة بالنظام العلماني، ثمّ الباكستان وإيران وأندونيسيا والسنغال)، والانتفاضات الشعبية العربية (تونس ومصر). ولعلّ من المفيد اقتباس ما يقوله الكتاب في المقدمة، حول «صدمة» الغرب إزاء تطلّع الشعوب العربية إلى التغيير الديمقراطي؛ كما في مقالة غريغوري غوس في فصلية «فورين أفيرز» لعام 2011، المعنونة «لماذا غفلت دراسات الشرق الأوسط عن الربيع الغربي»؛ أو تصريح هيلاري كلنتون، من موقع وزيرة خارجية الولايات المتحدة: «نحن نواجه يقظة عربية لم يكن أحد يتخيلها والقلّة فقط تكهنوا بها قبل سنوات قليلة».
وفي أية محصلة تنصف إرث إسبوزيتو، فإنّ ما يحضر في كتاباته ومقارباته من منهجيات، موضوعية ورزينة بقدر ما عادلة ومتوازنة؛ هو، على وجه التحديد، ما غاب ويغيب عن تسعة أعشار الدراسات الغربية التي لم تتناول الإسلام كديانة وثقافة، والمجتمعات المسلمة كاجتماع إنساني متحرّك وخاضع للتطور أسوة بأيّ وكلّ مجتمع، بصرف النظر عن العقائد والثقافات. الغائب الأكبر هو الأبعاد السياسية والثقافية والتاريخية والاجتماعية لظواهر (لأنّ من السخف اعتبارها محض ظاهرة واحدة متماثلة متطابقة) معقدة وشائكة ومتباينة؛ ليس من الحكمة أبداً ردّها إلى باعث عقائدي أو عقيدي واحد، أو حتى إلى سلسلة أسباب ذات صلة بما سُمّي صراع الحضارات وحروب الثقافات. في عبارة أخرى أوضح توصيفاً للمشهد: هنالك إقحام، قسري ومفتعل غالباً، لسياسات انتقائية وانتقاصية؛ وإلزام، نظري عموماً، بفرضيات تخصّ ميزان القوّة الكوني الراهن، في تجلياته العقائدية والدينية والثقافية؛على خلفيات تقحم، إلزامياً هنا أيضاً، تواريخَ حروب الإخضاع والهيمنة والغزو.
وإذْ لا يتجاوز منتقدو إسبوزيتو سقف اتهامه بتجميل الإسلام والمجتمعات المسلمة، وغضّ النظر عن ظواهر سياسية معاصرة تقرن الإسلام بالعنف والإرهاب، وردّها إلى تنميطات قديمة تجري إعادة تدويرها في أخرى جديدة؛ فإنّ الرجل يرحل اليوم عن عالمنا وقد صنع نموذجاً في حقول دراساته لم يُفتقد طويلاً وعبر عصور تمتد على قرون فقط، بل هو اليوم مفتقَد كثيراً، وشبه غائب؛ بما يبيح رثاء إسبوزيتو كواحد من آخر النبلاء في ميادين شائكة مثل دراسات الإسلام والمجتمعات المسلمة.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
    نيسان ـ نشر في 2026/08/07 الساعة 00:00