أمريكا العارية… ترامب وأزمة الذخيرة الاستراتيجية

سامح المحاريق
نيسان ـ نشر في 2026/08/08 الساعة 00:00
أثارت التقارير المسربة عن نقص مخزون الذخيرة الأمريكية، غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورآها إضعافا للموقف التفاوضي لبلاده في مواجهة إيران، لأن ذلك يظهر وكأنه نجاح للاستراتيجية الإيرانية، التي استنزفت المخزون الأمريكي، خاصة في بعض الفئات الحرجة من الأسلحة، وعدم قدرة الأمريكيين على الارتقاء تجاه التحديات، التي ترافقت مع دخول الطائرات المسيرة إلى المعادلة في الحرب الجارية مع إيران.
حتى الأوساط الشعبية التي لا تمتلك خبرات عسكرية تتحدث عن المشكلة، التي تمثلها المسيرة التي تتكلف 50 ألف دولار في الحدود القصوى ويتطلب التعامل معها أحيانا صواريخ تزيد تكلفة الواحد منها على ثلاثة ملايين دولار، ما يجعل الحرب باهظة التكلفة على الأمريكيين، الذين افترضوا أنهم لن يخوضوا حروبا كثيفةً بعد انتهاء الحرب الباردة، واكتفوا بتدخلات غير متزامنة في بعض الدول، وكانوا يستثمرون في سمعتهم العسكرية، أكثر مما يعتمدون على فاعليتها.
الخسارة في السمعة الأمريكية التي تكبدها ترامب بصورة شبه مجانية، لتظهر بلاده غير قادرة على تأمين ممر مائي صغير، أتت نتيجة رداءة الأداء الرئاسي للرئيس ترامب
في اقتصاديات الحرب تبدو الولايات المتحدة في موقف صعب نسبيا، فالإيرانيون يقاتلون على أرضهم، وتكلفة الجندي الإيراني أقل بكثير من تكلفة الجندي الأمريكي، الذي يريد أن يتوجه إلى القتال في قواعد مجهزة بتكلفة عالية، وفي الأوقات الصعبة يجري نقله إلى الفنادق من فئة الخمسة والأربعة نجوم، ليفتح ذلك النقاش حول مدى ملاءمة بنية الجيش الأمريكي للحروب الاستنزافية الطويلة، مقارنة بتفوقه التقليدي في الحروب القصيرة عالية الكثافة، التي لا تعني أكثر من فتح باب الريح أحيانا من غير تصورٍ لإغلاقه واتقاء ما يجلبه من أزمات ومشاكل.
في المقابل، يستطيع الإيرانيون حشد مئات الآلاف من الشباب العقائدي الذين يمكنهم أن يأكلوا فعليا من خشاش الأرض، والإيرانيون لديهم تجربة سابقة في الحرب العراقية الإيرانية، على تحويل الجسد البشري نفسه إلى سلاح ميداني في تعاملهم مع حقول الألغام العراقية. بعبارات عملية، تستطيع إيران التعامل مع مستويات من الخسائر والتقشف والتعبئة، لا يستطيع الأمريكيون تسويقها سياسيا على المستوى الشعبي، ولا يمكن تمريرها على المستوى السياسي. دخلت واشنطن الحرب بسيرة ذاتية غير مشجعة، كتبت فصولها في أفغانستان والعراق، وما زال بعض فصولها يكتب في أوكرانيا، التي كانت هي الأخرى ثقبا أسود يستهلك الذخيرة الأمريكية، في حرب متصلة تتوالى فصولها من غير الاقتراب من أي حسم أو نتيجة سياسية.
في هذه الحالة يجد الأمريكيون أنفسهم أمام خيار الاتفاق، الذي يعني عمليا الخروج صفر اليدين، لأنه لا يعتبر خطوة متقدمة عما أنجزه الرئيس أوباما في اتفاقه السابق، ويشكل ضربة للرئيس ترامب على المستوى الشخصي، يمكن أن يدفع ثمنها عاجلا في الانتخابات النصفية المقبلة، وآجلًا بما يمكن أن يواجهه من تبعات سياسية وقانونية، بعد أن يتحول إلى الرئيس الفاشل الذي أدى إلى تعرية الولايات المتحدة وتجريدها من سمعتها بوصفها جزءا من رأس مالها الرمزي في مواجهة العالم.
تحدث الرئيس الأمريكي في الأسابيع الماضية عن تطوير منصات لمواجهة الطائرات المسيرة من خلال أشعة الليزر، خلال فترة في حدود 36 شهرا وهو ما يصعد الحرب الاستنزافية، التي يمكن أن تخوضها إيران على أكثر من جبهة لاستهلاك الذخيرة الأمريكية في مواجهة الصواريخ والمسيرات العشوائية وحتى الأقل جودة وتكلفة مع الوقت. تعلم طهران مدى تردد الرئيس الأمريكي وجهاز حربه في خوض حرب واسعة المدى على البنية التحتية، وداخل المدن الإيرانية لأنها لا تمتلك استراتيجية للخطوات التالية، وما الذي يمكن أن تطلقه إيران في لحظات سقوطها وتقطيع أوصالها من ردود فعل عنيفة وفي جميع الاتجاهات، وبحيث يصبح التدخل الأمريكي بريا ضروريا من أجل إخماد الأثر الارتدادي للذراع العقائدية في إيران، ما سيتكلف إجرائيا وميدانيا أضعاف ما جرى توظيفه في العراق وسوريا في مواجهة حركات مثل «داعش» و»القاعدة».
الرئيس ترامب ونزعته الاستعراضية، لم يدرك اللحظة التي يجب أن يتوقف عندها، ويتجنب الانتقال من التهديد إلى ضربة عميقة إلى إيران، تمثلت في اغتيال المرشد الأعلى ومحاولة ضرب تسلسل القيادة بصورة متصلة مع استهداف جزء من منصات الصواريخ الإيرانية، والتحريض الإسرائيلي بقي قائما على تقديرات تتعلق بتصور ما يمكن أن يوصف بنجاح استخباراتي في الداخل الإيراني ولم يدرك أن الخبرة الإسرائيلية في الحروب الضيقة والخاطفة لا ينطبق بالضرورة على إيران، فالبلد متسع ومعقد ولديه نزعة من العسكرة لا تقل عن القائمة في إسرائيل، ولذلك لا يمكن أن يعامل بطريقة الحروب التي خاضتها إسرائيل سابقا. يمكن أن تتجنب الولايات المتحدة الأثر المباشر لإعلان تراجع مخزون ذخيرتها والحاجة إلى الاستثمار في تصنيع المزيد من الذخيرة في المدى القصير، من خلال تسوية مع إيران تمنحها الفرصة لإعادة إنتاج نفسها وبناء أولوياتها، ولكن الأثر البعيد المدى على جبهات أخرى سيصبح غير قابل للتجنب ويمكن أن يصبح جزءا من فصول النهاية الأمريكية ليس بمعنى اضمحلالها وتراجعها على النمط الذي كان يحدث للإمبراطوريات السابقة، ولكن في عودتها إلى لاعب خلفي في الساحة العالمية، أو تحديدها في فضاء جغرافي في النصف الغربي من العالم.
الخسارة في السمعة الأمريكية التي تكبدها ترامب بصورة شبه مجانية، لتظهر بلاده غير قادرة على تأمين ممر مائي صغير، أتت نتيجة رداءة الأداء الرئاسي للرئيس الذي يحاول الهرب من استحقاقات الحالة الراهنة، من خلال مهاجمة الرئيس السابق بايدن والعودة إلى الماضي، مثل عجوز يفقد قدرته على الاتصال مع الواقع بالصورة اللازمة، وعلى الأمريكيين ربما التفكير في مسارات مواجهة تفجرها تايوان مع الصين مع وجود القدرة التصنيعية الهائلة في آسيا، ومدى تكلفة ذلك على مستقبل أمريكا، التي ستضطر وقتها في الأغلب ولو ضمنيا للاعتراف بأنها لا تستطيع أن تفرض هيمنتها على الشرق الآسيوي.
القرن الأمريكي الذي بدأه روزفلت في الحرب العالمية الثانية، وواصل بناءه الرئيس أيزنهاور بسمعته العسكرية ومبادئه، التي حددت قواعد الاشتباك ومحطات التماس حول العالم، واستطاعت أن تؤسس لعبور الحرب الباردة وتفكيك الإمبراطورية السوفييتية، ينتهي مع الرئيس ترامب القادم بشخصية رجل الصفقات العقارية، والتسويق لعارضات الأزياء والمصارعين، ويهدر ما جرى استثماره في صورة أمريكا وسلطة العم سام التي بقيت مرتبطة بنموذج الرجل القوي مثل جونسون وريغان، أو نماذج ملهمة اجتماعيا مثل كارتر وأوباما، يهدره ترامب ليكون تعبيرا عن عمق الأزمة الأمريكية وقدرتها على بناء نموذج عالمي. يقرر ترامب وكأنه يقف حول حلبة المصارعة أن يخلع عن نفسه في لحظة اضطراب معطفا كان يقدمه وكأنه عملاق ومتماسك ليظهر هشاشة عظامه وترهل عضلاته، وهو الأمر الذي سيأتي بالأثر المعاكس تماما، ولكن ذلك ينسحب على سمعة أمريكا كلها، وجزء كبير للغاية مما بنته أمريكا في العقود الأخيرة كان قائما على سمعة أمريكا، أو الغول الأمريكي الغاضب الذي يفرض شروطه على الجميع، ولكن الغول بقي يأكل من ذخيرته من غير رؤية ومن غير أن يمتلك الشرعية في حروبه ليسوقها وكأنها واجب وطني، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. بقيت حرب النجوم فخا استنزف السوفييت وضرب معادلة اقتصاديات الحرب وعرى المجتمع وهشاشته من الداخل، ويبدو أن المسيرات الرخيصة ستكون عنوانا لاستنزاف أمريكي، إن لم يكن اليوم، ففي الغد القريب بعض الشيء.
كاتب أردني
    نيسان ـ نشر في 2026/08/08 الساعة 00:00