عاطل عن الحياة... لا عن العمل فقط

نيسان ـ نشر في 2026/08/13 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
قال لي: "أخبرهم عني".
شاب في ربيع لا شجر فيه ولا ماء، يحمل شهادة جامعية، وعمرا يفترض أنه في أوله، لكنه يشعر أن الحياة سبقته وتركت له مكانا على الرصيف، قال لي: "أنا عاطل عن الحياة لا عن العمل فقط". قلت له: اكتب عن نفسك. قال: "بل اكتب أنت عني... وعنهم".
وعنهم كتبت، لأن صاحب الرسالة ليس وحده، خلفه شباب كثيرون يستيقظون كل صباح من دون سبب يدفعهم إلى الاستعجال، لا وظيفة يخشون التأخر عنها، ولا موعد ينتظرهم، ولا راتب يأتي في نهاية الشهر، لديهم الوقت كله، وتلك ليست نعمة دائما، فالوقت حين لا يكون للإنسان ما يفعله به يتحول إلى عبء ثقيل.
حاولت أن أكتب بلسانه:
أعد قهوتي ببطء من لا يملك سببا للسرعة، فلا قطار يفوتني ولا موعد يخشى غيابي، الأمس يشبه اليوم، والغد ما يزال مؤجلا.
أحمل شهادتي الجامعية كما يحمل الغريب وثيقة سفر إلى بلد لا يعرفه، ورقة تقول إنني تعلمت ونجحت وكبرت، لكنها لا تقول لي ماذا أفعل بكل ما تعلمته، ولا كيف أشتري خبزي هذا الصباح.
أنظر من النافذة إلى العمال وهم يمضون إلى أعمالهم بأيديهم المتعبة وأحذيتهم المغبرة، فأحسدهم على التعب. نعم، وصل بي الأمر إلى أن أحسد إنسانا يعود في المساء متعبا، لأن تعبه يقول له إن نهاره لم يذهب هدرا.
أنا لست عاطلا عن الحلم، بل عاطل عن الاستخدام، لي يدان تستطيعان العمل، وعقل تعلم ما قيل له إنه سيحتاج إليه في مستقبله، ورغبة في أن أبدأ، لكنني كلما طرقت بابا سألوني عن الخبرة، ولا أعرف كيف أحصل على خبرة في حياة ترفض أن تمنحني البداية.
أما الفقر والغنى، فلا أعرف أين أقف بينهما، فأنا لم أصل بعد إلى استقلال اقتصادي يسمح لي حتى بأن أقول إنني فقير، ما زلت أشرب قهوتي من مال أبي، وأدفع أجرة طريقي من جيبه، وأعيش تحت سقف بناه هو، فيما تخبرني بطاقة هويتي أنني أصبحت رجلا منذ سنوات.
وهنا توقفت عن الكتابة بلسانه.
المشكلة ليست أن شابا لم يجد وظيفة، هذه أبسط صور الحكاية، المشكلة أن سنوات البطالة الطويلة تبدأ في العبث بعلاقة الإنسان بنفسه، وبأسرته، وبالمجتمع كله، نحن لا نؤجل راتبه فقط، بل نؤجل استقلاله وزواجه واحترامه لنفسه، ومشروعه الشخصي وإحساسه بأنه قادر على الوقوف على قدميه.
وفي الليل كما أخبرني، يمر أبوه قرب غرفته، لا يعاتبه ولا يسأله، لكن الابن يسمع في الصمت سؤالا لا يحتاج إلى كلمات: إلى متى؟
والأقسى أن الأب قد لا يكون يسأل أصلا، لكن الابن أصبح يسمع السؤال في رأسه، فيعود إلى سيرته الذاتية للمرة الألف، يغير ترتيب الكلمات، ويضيف دورة تدريبية، ويحذف أخرى، ويرسلها إلى عنوان جديد، وفي كل مرة يضغط فيها زر «إرسال»، يرسل معها شيئا من أمله ثم ينتظر.
لهذا لا أحب أن نتحدث عن البطالة باعتبارها رقما اقتصاديا فقط، خلف كل رقم إنسان له أب وأم وأصدقاء وأحلام وعمر يتحرك في اتجاه واحد، والعمل ليس راتبا في نهاية الشهر فحسب؛ إنه كرامة واستقلال ومكان للإنسان داخل مجتمعه وشعور بأن وجوده مطلوب.
وأخطر ما يمكن أن نفعله بشبابنا ليس أن نعجز عن توفير الوظائف لهم اليوم، بل أن نتركهم طويلا حتى يقتنعوا بأن المجتمع لا يحتاج إليهم أصلا، عندها لن نكون أمام أزمة بطالة فقط، بل أمام جيل تتآكل علاقته بالحياة نفسها.
قد يجد صديقنا الشاب عملا غدا أو بعد عدة سنين، لكن من يعيد إليه الأمس؟ من يعيد إليه السنوات التي عاشها ضيفا في جيب أبيه، ومتهما أمام نفسه، ومنتظرا دوره في الحياة؟ الوظيفة المتأخرة قد تنقذ ما بقي من المستقبل، لكنها لا تعيد عمرا أكلته البطالة.
    نيسان ـ نشر في 2026/08/13 الساعة 00:00