تغريبة بني هلال والتعريبة الهاشمية

حازم قشوع
نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00
لم تكن تغريبة بني هلال مجرد رحلة قبائل عبر الصحراء من المشرق إلى إفريقيا، بل كانت، في جوهرها، قصة انتقال جماعات بشرية من مجال إلى آخر، بحثًا عن الماء والأرض والأمن والنفوذ. ولهذا فإن استحضارها اليوم لا ينبغي أن يكون لاستعادة الماضي، وإنما لفهم حاضر عربي يشهد من جديد حركة واسعة في موازين القوة والجغرافيا.
فأبو زيد الهلالي، كما صورته السيرة الشعبية، لم يكن مجرد فارس يبحث عن المجد، وإنما كان عنوانًا لمرحلة تتحرك فيها الجماعات عندما تضيق بها الجغرافيا وتتغير شروط الحياة. وفي المقابل، كان الزناتي خليفة يمثل قوة محلية تمتلك المجال وتدافع عن حدود نفوذها في إفريقيا، حيث تونس الحالية. ومن هنا تبدأ المقارنة مع عالمنا المعاصر.
فاليوم لا تتحرك القبائل كما كانت تتحرك في زمن التغريبة، ولكن المصالح تتحرك، ورؤوس الأموال تنتقل، والطاقة تعيد رسم الخرائط، والممرات التجارية تتحول إلى أدوات نفوذ، والمياه والغذاء والتكنولوجيا تدخل جميعها في معركة القوة. لقد تغيرت أدوات التغريبة، لكن منطقها لم يتغير تمامًا. ففي زمن أبي زيد كان السؤال: أين الماء؟ وأين الأرض؟ وأين الطريق الآمن؟ أما اليوم فأصبح السؤال: من يملك الطاقة؟ ومن يتحكم بالموانئ والممرات البحرية؟ ومن يمتلك التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟ ومن يستطيع تأمين الغذاء والمياه وسلاسل الإمداد؟
ومن هنا يمكن قراءة المنطقة العربية باعتبارها تعيش تغريبة جديدة، ولكن بلا جمال ولا سيوف؛ تغريبة تتحرك فيها المصالح عبر الحدود، وتنتقل فيها الثروة من مكان إلى آخر، وتتنافس القوى الكبرى على بناء مناطق النفوذ.. وفي هذا المشهد تظهر إفريقيا الجديدة، لا بوصفها تونس وحدها، وإنما باعتبارها المجال المتوسطي والإفريقي الذي أصبح محل تنافس دولي متزايد. فالمتوسط لم يعد بحرًا يفصل الشمال عن الجنوب، بل أصبح مساحة استراتيجية للطاقة والهجرة والتجارة والأمن، وأصبح الساحل الإفريقي والبحر الأحمر وشرق المتوسط امتدادًا لمعادلة جيوسياسية واحدة.
أما «الزناتي خليفة» المعاصر، فلا يمكن اختزاله في شخص أو دولة، فهو رمز لكل قوة تحاول حماية مجال نفوذها في مواجهة قوى وافدة أو متحركة. وكذلك فإن «أبا زيد الهلالي» المعاصر ليس شخصًا بعينه، وإنما يمكن أن يكون دولة أو مشروعًا أو تحالفًا يبحث عن مكان جديد في النظام الإقليمي.
ومن هنا يمكن استحضار مشروع الثورة العربية الكبرى، الذي جاء إلى المشرق العربي دفاعًا عن أمنه واستقراره وهويته وفاعلية حضوره في المنظومة العربية، بوصفه محاولة تاريخية لصناعة مجال عربي قادر على حماية ذاته وصياغة مستقبله. وإذا كانت تلك المرحلة قد واجهت خرائط النفوذ القديمة، فإن المرحلة الراهنة تواجه خرائط جديدة تتشكل بالاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والممرات الاستراتيجية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة؛ فالمنطقة لا تواجه حربًا واحدة، وإنما تواجه إعادة توزيع للأدوار. إيران تبحث عن عمقها وممراتها، وإسرائيل تسعى إلى إعادة صياغة أمنها ومجالها، وتركيا تتحرك باتجاه دوائر نفوذ جديدة، والخليج يعيد بناء موقعه الاقتصادي والاستراتيجي، بينما تحاول الولايات المتحدة والصين وروسيا تثبيت مواقعها في الشرق الأوسط وإفريقيا.. وفي وسط هذه الحركة تقف الدول العربية أمام سؤال تاريخي: هل تكون مجرد ممرات في تغريبة الآخرين، أم تتحول إلى صاحبة مشروع يحدد اتجاه الطريق؟
وفي الخلاصة، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة قد تشهد هجرات للاستثمارات كما للسكان، وحالة من عدم اليقين لدى قادتها، ومناخًا من الفوضى يهدد الأمن والاستقرار. وهنا يحضر الطرح الذي ارتبط بكونداليزا رايس حول «الفوضى الخلاقة»، بعد اهتزازات امتدت قرابة خمسة عشر عامًا، بدأت مع موجة الربيع العربي وما رافقها من تحولات وانقسامات.
لقد بدأت المنطقة تدخل، بصورة أو بأخرى، في أتون تغريبة هلالية جديدة، ولكن بأدوات العصر. فإذا لم يحدث استدراك بفعل ذاتي عربي تقوده العقول القادرة على قراءة التحولات وصناعة القرار، فقد تتحول حركة رؤوس الأموال إلى هجرة استثمارات، وحركة السكان إلى هجرات بشرية، وحركة النفوذ إلى إعادة رسم للخرائط، بحيث يصبح الأمن والاستقرار نفسه سلعة تبحث عنها المجتمعات والدول بدل أن يكون حقًا طبيعيًا لها.
لقد كان الماء في زمن بني هلال مفتاح الحياة، وأصبح اليوم الماء والطاقة والغذاء والمعلومات والممرات التجارية مفاتيح القوة. وكانت القبيلة تتحرك بحثًا عن مجالها الحيوي، وأصبحت الدول اليوم تبحث عن مجالها الاستراتيجي. وكانت إفريقيا نهاية التغريبة، أما اليوم فإن الجغرافيا العربية كلها تبدو وكأنها أمام تغريبة جديدة لا نعرف بعد أين ستكون نهايتها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيكون أبو زيد الهلالي الجديد، على أهمية ذلك، ولا من سيكون الزناتي خليفة الجديد، وإنما: من سيكتب تغريبة المنطقة الجديدة؟.. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه أحيانًا يعيد طرح الأسئلة نفسها بأدوات مختلفة. وفي زمن التحولات الكبرى، قد تكون أخطر التغريبات هي تلك التي لا نرى فيها القوافل وهي تتحرك؛ لأن القوافل اليوم قد تكون رأس مال، أو طاقة، أو تقنية، أو سلاحًا، أو ممرًا تجاريًا، أو مشروعًا جيوسياسيًا.
وهنا تأتي «التعريبة الهاشمية» بوصفها نقيضًا لفكرة التغريبة؛ أي الانتقال من حالة التلقي إلى حالة الفعل، ومن انتظار ما ترسمه القوى الأخرى إلى بناء مشروع عربي قادر على صناعة المجال وحماية الذات...فالمطلوب عربيًا ألا نكون مجرد رواة لتغريبة جديدة، بل صنّاعًا لخريطة جديدة تحفظ المكان، وتصون الهوية، وتمنح المنطقة القدرة على كتابة مستقبلها بنفسها. وهذا يتطلب بوصلة عربية تحفظ الذات، ومشروعًا للنهضة يجمع بين «درع الزناتي» الذي يحمي المجال، و«سيف الهلالي» الذي يصنع المبادرة ويتقدم نحو المستقبل.
ومن هنا يمكن أن تعاد قراءة الثورة العربية الكبرى في صورتها المعاصرة، لا باعتبارها استعادة للماضي، وإنما باعتبارها رسالة هاشمية عربية متجددة، تحمل قيم الضاد، وتدافع عن الأمن والسلم الإقليمي والإنساني، وتجمع ما تفرق من عناصر القوة العربية في مشروع واحد.
إن «التعريبة الهاشمية» ليست تغريبة جديدة باتجاه مكان آخر، وإنما عودة إلى الذات العربية من أجل بناء مجالها، وصون رسالتها، وربط مشرقها بمغربها، وإقامة توازن بين القوة والحكمة، وبين الهوية والانفتاح، وبين الأمن والتنمية.
فإما أن نصنع طريقنا بأيدينا، وإما أن نجد أنفسنا نسير في طريق رسمه الآخرون الا اذا تم توحيد «درع الزناتي» و«سيف الهلالي» عبر مشروع يرسم اتجاه بوصلة عربية هاشمية تعيد للمنطقة قدرتها على المبادرة، وتحول التغريبة من حركة اضطرار إلى مشروع اختيار، ومن جغرافيا مستقبلة للأحداث إلى جغرافيا تصنع المستقبل.
    نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00