الأدب العربي ضد استعمار العقل
نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00
قضى الإنسان العربي عقودا وهو يتلمس طريقه في ظل الاستبداد، عرف السجون والمنافي والاستبعاد، كم راكم معاناة لا يُحسد عليها في مواجهة التشدد، عندما تغول المعتقد على العقل، في زمن ساد فيه صوت واحد محا الأصوات الأخرى. ثم بات هذا الإنسان يجد نفسه في مسلك مفخخ جراء صعود التكنولوجيا وسلطة الخوارزميات، بما أودى إلى تمييع الرأي وتكبيل المخيلة.
هكذا صار العربي محاصرا، يقف معزولا في أرض لا تخلو من منحدرات، يعيش بين أوبئة داخلية، ما جعله يفتقر إلى التخييل، محروما من التفكير وكذلك من الحق في الاعتراض، سلب منه صوته بعدما سلب منه الحق في الحلم وفي الخروج من الركود. وغدا رقما في بلده لا كينونة، يُنظر إليه كجزء من منظومة لا بوصفه حالة منفردة لها خياراتها وقدراتها في عدم الانسياق إلى المتفق عليه. صار الناس يتساوون في ما بينهم، لا في الواجبات والحقوق، بل في مسايرة السائد وعدم الانحراف عن الخيارات الجماعية، يرضون بالحياة المفخخة التي نصبت لهم، ولا يخرجون منها.
إن التعصب يلغي الاختلاف، كما إن التكنولوجيا تلغي الحق في الاعتراض، تحكم على الإنسان بأن يصير شبيها للآخرين، بأن يحاكي أفعالهم وتصوراتهم، أن يطابق نظرتهم للوجود، ويظن هذا الفرد أن مخالفة الآخرين يترتب عنها إقصاء له، وسوف يجد حاله خارج السياق، وبالتالي تقل قيمته إزاء نظرائه. لذلك يبدو الأدب العربي، في المرحلة الراهنة، خلاصا لا بد منه، إنه مركب نوح الذي يرجو كل واحد أن يعثر فيه على مقعد. في زمن تطرح فيه التكنولوجيا الإجابات الهينة، بما يطابق العقول التي لا تود أن تحرج نفسها بطول التأمل أو تدبر أو نظرٍ بتأنٍ، وفي زمن يتحول فيه العقل إلى متلقٍ لا منتج، يتراءى الأدب العربي منفذا يطرح الأسئلة المربكة، يبحث عن الحجة والبرهان لا عن الإجابة سريعة الذوبان في العقول.
إن الأدب يطرح الأسئلة التي من شأنها أن تحرر العقل من استعمار التكنولوجيا. الأدب يعيد العربي إلى إنسانيته، يتيح له الحق في ارتكاب الخطأ، بعد أن ظن أن الخطأ يحط من قدره ويقلل من شأنه. هذا الأدب العربي يفكك لغة الاستبداد، لأن المستبد لا يتكل على علم ولا معرفة، بل يتكل على احتلال المخيلة، يعمم سردية واحدة ويفرض على الآخرين المصادقة عليها، وكأنها مقدس لا يحق الخروج عنه. بينما الأدب يعدد من زوايا النظر ويخلص الإنسان من ضيق الرؤية، بل يحيله إلى تأمل الأشياء على أوجهها. ففي زمن الاستبداد يتماهى الناس مع بعضهم بعضا، يتحولون إلى نسخ طبق الأصل، يصير التشابه قاعدة بينما التمايز إثما، ويأتي دور الأدب في توسيع دائرة النقاش، يفيد الأدب بأن الرواية الواحدة خدعة، بل إن كل واقعة تحتمل روايات. يلعب التخييل دورا لا بد منه في فضح الانغلاق، كما يحرج التطرف الذي يروج إلى معتقد واحد على حساب بقية المعتقدات الأخرى.
الأدب من حقه أن يصير وطنا بحد ذاته، وطنا يلجأ إليه الإنسان العربي كلما ضاقت الجغرافيا التي يحيا فيها. يحتمي به ويتفادى الهزات التي يحدثها الاستبداد أو التطرف أو تغول التكنولوجيا. إن الأدب يُعلم الإنسان ألا يكتفي باليقين، بل أن يعلي من شأن السؤال. هذا الأدب العربي من شأنه أن يحرر الفرد من استعمار العقل ويعيد إليه حريته وإن كانت حرية مقيدة بقوانين أو شرائع. من محاسن الأدب، المناورة، فالاستبداد يتكل على عكاز اللغة، يحرف الكلام والمعاني بما يطيل في عمره، فإن كان الإنسان ناقما عن الحال يشار إليه بأنه عميل وأن قوله يملى عليه من أيادٍ خارجية، وإن كان مستاء يشار إليه بأنه شخص يود زرع خطاب كراهية، أو بث القنوط في النفوس، فالمستبد يكسب معركته الأولى عندما يحتكر اللغة لنفسه، بينما الأدب يعيد للغة حميميتها، يسمي الأشياء بمسمياتها، ويحول الطغيان إلى سخرية، إن اللغة الساخرة واحدة من الأدوات التي تضعف من الاستبداد، إنها تحرر الإنسان العربي من سوء التأويل، وتُعيد إليه ثقته في نفسه.
هذه اللغة التي يحتكرها الاستبداد بوسعها أن تتحرر عندما يتدخل الأدب. فالاستبداد لا يرى الناس في تعددهم، لا يراهم في اختلافهم العقائدي أو الإثني، بل يود أن يحاصرهم في تعريف واحد، يحولهم إلى أرقام تتكاثر من غير أن يطفو من بينها اختلاف واحد، بينما الأدب يجعل من كل إنسان حكاية، وكل حكاية تتمايز عن أخرى، هكذا تتكاثر الحكايات، ومعها تتكاثر وجهات النظر حيال الحياة. إن الأدب يضع التطرف في مأزق كذلك، والتطرف لا يضيره شيء أكثر من الذاكرة المشتعلة لذلك ينحو إلى محوها واستخلافها بذاكرة معطوبة، بالتالي يجدر بالأدب الحفاظ على هذه الذاكرة بأن تستمر وألا يصيبها العمى تحت مخدر التشدد. إن الرواية مثلا عمود يساهم في أن يحافظ مجتمع إنساني على صلته بذاكرته، ألا يصيبها خدر، وبالتالي لا يسهل استعمار ماضيها. وعندما يدخل الإنسان إلى حلبة سباق في تماهٍ مع سباق التكنولوجيا ومع لعبة السوشيال ميديا، التي تجعل من السرعة منطقا لها، يذكرنا الأدب بفضائل البطء والصبر والتأمل. إن الأدب نقيض السرعة وبالتالي يناقض معارك السوشيال ميديا التي تندلع على حين غفلة ثم تندحر على حين غفلة كذلك. هذه المواقع الاجتماعية التي أعادت الإنسان إلى عصور مضت، يدخل إليها كمن يدخل إلى معركة، يظن أن المنتصر فيه هو من يتسابق في تعميم خبر، أو في كسب لايكات نظير نشر صورة، ولا نجاة من معترك السوشيال ميديا أفضل من الأدب، الذي يُربي الإنسان أن يتخذ مسافة إزاء التهافت. لأن السرعة بوسعها أن تودي إلى الخيارات الأكثر تطرفا، إلى خيارات يسهل الندم عليها. هذه التكنولوجيا التي تخدع النظر وتوحي للإنسان بالخلود، بينما الأدب يعيد للفرد العربي هشاشته، وهشاشة الإنسان تعيده إلى الأدب وألا ينخدع بسوق التكنولوجيا الجديدة.
كاتب جزائري
هكذا صار العربي محاصرا، يقف معزولا في أرض لا تخلو من منحدرات، يعيش بين أوبئة داخلية، ما جعله يفتقر إلى التخييل، محروما من التفكير وكذلك من الحق في الاعتراض، سلب منه صوته بعدما سلب منه الحق في الحلم وفي الخروج من الركود. وغدا رقما في بلده لا كينونة، يُنظر إليه كجزء من منظومة لا بوصفه حالة منفردة لها خياراتها وقدراتها في عدم الانسياق إلى المتفق عليه. صار الناس يتساوون في ما بينهم، لا في الواجبات والحقوق، بل في مسايرة السائد وعدم الانحراف عن الخيارات الجماعية، يرضون بالحياة المفخخة التي نصبت لهم، ولا يخرجون منها.
إن التعصب يلغي الاختلاف، كما إن التكنولوجيا تلغي الحق في الاعتراض، تحكم على الإنسان بأن يصير شبيها للآخرين، بأن يحاكي أفعالهم وتصوراتهم، أن يطابق نظرتهم للوجود، ويظن هذا الفرد أن مخالفة الآخرين يترتب عنها إقصاء له، وسوف يجد حاله خارج السياق، وبالتالي تقل قيمته إزاء نظرائه. لذلك يبدو الأدب العربي، في المرحلة الراهنة، خلاصا لا بد منه، إنه مركب نوح الذي يرجو كل واحد أن يعثر فيه على مقعد. في زمن تطرح فيه التكنولوجيا الإجابات الهينة، بما يطابق العقول التي لا تود أن تحرج نفسها بطول التأمل أو تدبر أو نظرٍ بتأنٍ، وفي زمن يتحول فيه العقل إلى متلقٍ لا منتج، يتراءى الأدب العربي منفذا يطرح الأسئلة المربكة، يبحث عن الحجة والبرهان لا عن الإجابة سريعة الذوبان في العقول.
إن الأدب يطرح الأسئلة التي من شأنها أن تحرر العقل من استعمار التكنولوجيا. الأدب يعيد العربي إلى إنسانيته، يتيح له الحق في ارتكاب الخطأ، بعد أن ظن أن الخطأ يحط من قدره ويقلل من شأنه. هذا الأدب العربي يفكك لغة الاستبداد، لأن المستبد لا يتكل على علم ولا معرفة، بل يتكل على احتلال المخيلة، يعمم سردية واحدة ويفرض على الآخرين المصادقة عليها، وكأنها مقدس لا يحق الخروج عنه. بينما الأدب يعدد من زوايا النظر ويخلص الإنسان من ضيق الرؤية، بل يحيله إلى تأمل الأشياء على أوجهها. ففي زمن الاستبداد يتماهى الناس مع بعضهم بعضا، يتحولون إلى نسخ طبق الأصل، يصير التشابه قاعدة بينما التمايز إثما، ويأتي دور الأدب في توسيع دائرة النقاش، يفيد الأدب بأن الرواية الواحدة خدعة، بل إن كل واقعة تحتمل روايات. يلعب التخييل دورا لا بد منه في فضح الانغلاق، كما يحرج التطرف الذي يروج إلى معتقد واحد على حساب بقية المعتقدات الأخرى.
الأدب من حقه أن يصير وطنا بحد ذاته، وطنا يلجأ إليه الإنسان العربي كلما ضاقت الجغرافيا التي يحيا فيها. يحتمي به ويتفادى الهزات التي يحدثها الاستبداد أو التطرف أو تغول التكنولوجيا. إن الأدب يُعلم الإنسان ألا يكتفي باليقين، بل أن يعلي من شأن السؤال. هذا الأدب العربي من شأنه أن يحرر الفرد من استعمار العقل ويعيد إليه حريته وإن كانت حرية مقيدة بقوانين أو شرائع. من محاسن الأدب، المناورة، فالاستبداد يتكل على عكاز اللغة، يحرف الكلام والمعاني بما يطيل في عمره، فإن كان الإنسان ناقما عن الحال يشار إليه بأنه عميل وأن قوله يملى عليه من أيادٍ خارجية، وإن كان مستاء يشار إليه بأنه شخص يود زرع خطاب كراهية، أو بث القنوط في النفوس، فالمستبد يكسب معركته الأولى عندما يحتكر اللغة لنفسه، بينما الأدب يعيد للغة حميميتها، يسمي الأشياء بمسمياتها، ويحول الطغيان إلى سخرية، إن اللغة الساخرة واحدة من الأدوات التي تضعف من الاستبداد، إنها تحرر الإنسان العربي من سوء التأويل، وتُعيد إليه ثقته في نفسه.
هذه اللغة التي يحتكرها الاستبداد بوسعها أن تتحرر عندما يتدخل الأدب. فالاستبداد لا يرى الناس في تعددهم، لا يراهم في اختلافهم العقائدي أو الإثني، بل يود أن يحاصرهم في تعريف واحد، يحولهم إلى أرقام تتكاثر من غير أن يطفو من بينها اختلاف واحد، بينما الأدب يجعل من كل إنسان حكاية، وكل حكاية تتمايز عن أخرى، هكذا تتكاثر الحكايات، ومعها تتكاثر وجهات النظر حيال الحياة. إن الأدب يضع التطرف في مأزق كذلك، والتطرف لا يضيره شيء أكثر من الذاكرة المشتعلة لذلك ينحو إلى محوها واستخلافها بذاكرة معطوبة، بالتالي يجدر بالأدب الحفاظ على هذه الذاكرة بأن تستمر وألا يصيبها العمى تحت مخدر التشدد. إن الرواية مثلا عمود يساهم في أن يحافظ مجتمع إنساني على صلته بذاكرته، ألا يصيبها خدر، وبالتالي لا يسهل استعمار ماضيها. وعندما يدخل الإنسان إلى حلبة سباق في تماهٍ مع سباق التكنولوجيا ومع لعبة السوشيال ميديا، التي تجعل من السرعة منطقا لها، يذكرنا الأدب بفضائل البطء والصبر والتأمل. إن الأدب نقيض السرعة وبالتالي يناقض معارك السوشيال ميديا التي تندلع على حين غفلة ثم تندحر على حين غفلة كذلك. هذه المواقع الاجتماعية التي أعادت الإنسان إلى عصور مضت، يدخل إليها كمن يدخل إلى معركة، يظن أن المنتصر فيه هو من يتسابق في تعميم خبر، أو في كسب لايكات نظير نشر صورة، ولا نجاة من معترك السوشيال ميديا أفضل من الأدب، الذي يُربي الإنسان أن يتخذ مسافة إزاء التهافت. لأن السرعة بوسعها أن تودي إلى الخيارات الأكثر تطرفا، إلى خيارات يسهل الندم عليها. هذه التكنولوجيا التي تخدع النظر وتوحي للإنسان بالخلود، بينما الأدب يعيد للفرد العربي هشاشته، وهشاشة الإنسان تعيده إلى الأدب وألا ينخدع بسوق التكنولوجيا الجديدة.
كاتب جزائري
نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00