نحن واللّغات: 'عرّبت ياسر يا سي محمد'!

مالك التريكي
نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00
بالموازاة مع تعليم العربية، كان تعليم الفرنسية في بلدان المغرب العربي في الستينيات والسبعينيات يبدأ منذ السنة الأولى من التعليم الابتدائي، أي عندما يكون معظم الأطفال في سن السادسة، وبعضهم أصغر قليلا. في السنة الأولى كانت السيدة صلّوحة، ابنة مدينة المنستير، تعلمنا بالعربية في حصة الصباح، وبالفرنسية في حصة بعد الظهر. وفي السنة الثانية بقيت السيدة صلوحة تعلمنا بالعربية صباحا، والآنسة راضية، ابنة بلدة منزل عبد الرحمن القريبة من مدينة بنزرت، تعلمنا بالفرنسية بعد الظهر. كان التعليم منصبا في التعليم الابتدائي على تدريس اللغتين بالتساوي نحوا وصرفا ورسما وعلى حفظ المختارات الشعرية عن ظهر قلب، بينما كانت مادة الحساب تدرس بالفرنسية.
وقد كان من الشائع زمن طفولتي أن تبكر العائلات، من مختلف الشرائح الاجتماعية، بإرسال أطفالها في سن الرابعة والخامسة إلى الكتّاب لحفظ نصيب من القرآن الكريم. كما كانت معظم العائلات، الموسرة منها والكادحة، المتعلمة وغير المتعلمة، تحرص في الوقت ذاته على إرسال أطفالها إلى مدارس الراهبات (التي كانت تقبل الأولاد والبنات على حد سواء) لتعلم مبادئ الفرنسية، بحيث يكونون على أحسن استعداد منذ تلك السن الباكرة لتعلم، أو بالأحرى لمواصلة تعلم، كلتا اللغتين في المدارس الابتدائية.
فلينظر القارئ الكريم: هل يرى في هذا المسلك الاجتماعي العام أي أثر لتشنّج أو حيرة أو ضياع أو عذاب ضمير؟ هل يرى في هذا المسلك الشعبي العفوي أي أثر لما يسمى بالمسألة اللغوية أو القضية الوطنية أو إشكالية الهوية، الخ؟ كَلّا! لم تكن هذه المسائل الشائكة التي صارت تحتل الخطاب العام، مثلما يتجلى في الجدال العارم الذي يحتدم الآن في الجزائر بمناسبة الإصلاحات التي أعلنتها وزارة التربية، لتخطر لعائلاتنا العربية والأمازيغية المسلمة ولمجتمعاتنا، بمختلف فئاتها وشرائحها، على بال لأنها كانت عائلات ومجتمعات من انفتاح الذهن وسعة الأفق وواقعية الموقف بحيث لم تكن ترى في الازدواج اللغوي خطرا أو محنة أو مؤامرة، بل كانت ترى على العكس من ذلك تماما أن الازدواج اللغوي الأصيل هو في الوقت ذاته نعمة معرفية وسلاح عملي. نعمة مُغنية للذات، وسلاح فعال في معترك الحياة.
كان من الشائع أن تبكر العائلات، من مختلف الشرائح الاجتماعية، بإرسال أطفالها في سن الرابعة والخامسة إلى الكتّاب لحفظ نصيب من القرآن الكريم
ولكن ما كانت العائلات والمجتمعات تأخذه مأخذ البداهة وترى أنه من طبائع الأشياء قد صار بعد مدة قصيرة من الاستقلال مجال صراع بين أجنحة النخب الحاكمة في البلدان الثلاثة. من ذلك أن محمود المسعدي، هذا الكاتب الفذ الذي أغنى الثقافة العربية المعاصرة بأحد أقوى المتون الأدبية، قد كان يتزعم الجناح الذي يرى في تونس ضرورة الحفاظ على التعليم الفرنسي بأكمله، مع حصر العربية في دراسة اللغة والأدب. وقد أتيح له أن ينتهج هذه السياسة لما تولى وزارة التربية من عام 1958 إلى 1968. أما محمد مزالي، مؤسس مجلة «الفكر»، فقد كان يتزعم التيار الذي يقول بوجوب التعريب. وقد أتيح له أن ينتهج هذه السياسة نظرا إلى أنه تولى وزارة التربية في السبعينيات ما لا يقل عن ثلاث مرات انتهت، عام 1980، بتعيينه رئيسا للحكومة. وقد روى مزالي أنه لما قابل بورقيبة، للمرة الأخيرة، عقب إقالته من رئاسة الحكومة في صيف 1986 حياه الرئيس بكل لطف ولم يزد على أن قال له «يا سي محمد عرّبت ياسر (أي كثيرا) التعليم. قلت لك لا تعرّب»!
وكانت تونس قد بدأت «تعرّب» منذ منتصف السبعينيات، حيث صارت مادّتا التاريخ والفلسفة تدرّسان بالعربية بعد أن كانتا بالفرنسية. وقد بقيت مادة الجغرافيا، في عهدي، وكل المواد العلمية، مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية، تدرس بالفرنسية. وإذا كان تعريب مادّتيْ التاريخ والفلسفة في التعليم الثانوي مفهوما، بل ومطلوبا، فإن ما لم أفهمه آنذاك، ولا أستطيع فهمه حتى اليوم، مع بالغ تقديري للأستاذ مزالي رحمه الله، هو قرار التخلي المجاني عن الازدواج اللغوي المبكر بتأخير تدريس الفرنسية حتى السنة الرابعة من التعليم الابتدائي، علما أن «حدّوثة» الاستعاضة عن الفرنسية بالإنكليزية (بدل تمتين التكوين بتعميم تعليم كلتا اللغتين الأوروبيتين معا) ما كانت عهدئذ قد أدركت بلداننا بعد.
أما النتيجة، في عموم المغرب العربي، فقد أوجزها صديق فاضل من أساتذة الجامعة الجزائريين قائلا: «معظم طلابنا الآن أُمّيّون، ولكنهم يتميزون بازدواج اللغة!»، أي بخليط مشوّش من عربية متذبذبة ومن فرنسية تقريبيّة، بدون وجه أمل في إتقان أي منهما.
٭ كاتب تونسي
    نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00