هل يحتاج بشار الأسد وشركاه إلى محاكمة أصلاً؟

د. فيصل القاسم
نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00
يثير موقف منظمة العفو الدولية الرافض لأحكام الإعدام الصادرة بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب وغيرهم من المجرمين استغراباً واسعاً لدى كثير من السوريين الذين عاشوا سنوات الحرب بكل ما حملته من قتل واعتقال وتعذيب وتهجير. فكيف يمكن لمنظمة أمضت سنوات في توثيق الانتهاكات التي ارتكبتها النظام السوري الساقط أن تنتقل من الحديث عن الضحايا إلى التركيز على حقوق المتهمين؟ وكيف يمكن اختزال مأساة شعب كامل في نقاش قانوني عقيم يتعلق بالمحاكمات الغيابية وعقوبة الإعدام؟
إن الاعتراض على هذه الأحكام يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن ملايين السوريين لم يكونوا شهوداً على أحداث سياسية عابرة، بل كانوا ضحايا لواحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ سوريا الحديث. عشرات الآلاف من المعتقلين، ومئات الآلاف من القتلى، ومدن دمرت بالكامل، وملايين النازحين واللاجئين. هذه ليست ادعاءات سياسية ولا روايات متنافسة، بل وقائع وثقتها منظمات دولية وهيئات حقوقية ولجان تحقيق مستقلة على مدى سنوات طويلة.
ومن هنا، فإن تصوير أحكام الإعدام على أنها انتهاك للعدالة يثير تساؤلات مشروعة حول مفهوم العدالة نفسه. هل العدالة هي الدفاع عن حق المتهم في الحصول على محاكمة مثالية وفقاً لجميع المعايير النظرية، أم أنها تبدأ أولاً من الاعتراف بحق الضحايا في رؤية المسؤولين عن معاناتهم يخضعون للمحاسبة؟ إن التركيز على حقوق المتهمين وحدهم يحول العدالة إلى مفهوم مجرد ومنفصل عن الواقع، ويجعل الضحايا مرة أخرى في المرتبة الثانية.
ومن الصعب على كثير من السوريين تقبل الخطاب الذي يدعو إلى إلغاء أحكام الإعدام بحجة الالتزام بالمعايير الدولية، بينما ظل المجتمع الدولي نفسه عاجزاً لسنوات طويلة عن وقف المأساة السورية أو حماية المدنيين أو منع الانتهاكات أو حتى الكشف عن مصير عشرات الآلاف من المختفين قسرياً. ولذلك، فإن الدعوات الحالية إلى إعادة النظر في الأحكام تبدو بالنسبة إلى كثيرين امتداداً لحالة طويلة من العجز والتردد التي رافقت الملف السوري منذ بدايته.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض القانون أو التقليل من أهمية الضمانات القضائية، وإنما برفض تحويل الإجراءات القانونية إلى وسيلة لتأجيل المحاسبة إلى أجل غير معلوم. فهناك من يتحدث عن ضرورة إعادة المحاكمات وإلغاء الأحكام الغيابية، لكنه لا يقدم إجابة واضحة عن سؤال جوهري، وهو كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل غياب المتهمين وعدم مثولهم أمام القضاء؟ وهل المطلوب أن تبقى ملفات الضحايا معلقة سنوات إضافية بانتظار ظروف قد لا تتحقق أبداً؟
من الصعب على كثير من السوريين تقبل الخطاب الذي يدعو إلى إلغاء أحكام الإعدام بحجة الالتزام بالمعايير الدولية، بينما ظل المجتمع الدولي نفسه عاجزاً لسنوات طويلة عن وقف المأساة السورية
إن المطالبة بإلغاء الأحكام بحجة أنها صدرت غيابياً تتجاهل أن كثيراً من الأنظمة القضائية في العالم تسمح بالمحاكمات الغيابية في ظروف محددة. كما أن غياب المتهم لا يلغي بالضرورة الوقائع المنسوبة إليه ولا يمحو الأدلة ولا يعيد الضحايا إلى الحياة. ولذلك، فإن اختزال القضية كلها في مسألة إجرائية يبدو تبسيطاً شديداً لمأساة إنسانية وسياسية وقانونية معقدة.
واللافت أن بعض المعارضين لهذه الأحكام يتحدثون عن ضرورة احترام حقوق المتهمين، لكنهم يتجنبون الحديث بالقدر نفسه عن حقوق الضحايا. أين كانت هذه الحساسية القانونية عندما كانت آلاف العائلات تبحث عن أبنائها في السجون؟ وأين كانت هذه المطالبات بالإجراءات المثالية عندما كانت المدن تتعرض للتدمير ويجبر السكان على النزوح بالملايين؟ إن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تتحول إلى أداة تمنح الجناة مساحة أكبر من تلك التي يحصل عليها الضحايا.
إن الدفاع عن حق الضحايا في القصاص لا يعني الدعوة إلى الانتقام الأعمى، بل يعني التأكيد على أن الجرائم الكبرى يجب أن تقابل بمحاسبة تتناسب مع حجمها. فالمساءلة ليست مجرد إجراء قانوني، وإنما هي أيضاً رسالة أخلاقية وسياسية تؤكد أن الإفلات من العقاب ليس قدراً محتوماً، وأن المناصب والسلطة لا تمنح أصحابها حصانة دائمة.
كما أن رفض أحكام الإعدام بصورة مطلقة باعتبارها موقفاً مبدئياً لا يلزم جميع المجتمعات بالضرورة. فهناك اختلافات قانونية وفلسفية عميقة حول هذه العقوبة، وما تراه بعض المنظمات الحقوقية موقفاً أخلاقياً قد لا تراه مجتمعات أخرى كذلك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم واسعة النطاق تركت آثاراً مدمرة امتدت إلى أجيال كاملة.
إن العدالة الحقيقية لا تقتصر على حماية حقوق المتهمين، وإنما تشمل أيضاً إنصاف الضحايا والاعتراف بمعاناتهم وإعادة الاعتبار إليهم. ولذلك، فإن الاعتراض على الأحكام الصادرة بحق بشار الأسد ومعاونيه لا يمكن فصله عن شعور كثير من السوريين بأن معاناتهم يجري تجاهلها مرة أخرى لصالح نقاشات قانونية بعيدة عن الواقع الذي عاشوه.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، ولا يمكن التعامل مع هذه التجربة بوصفها ملفاً قانونياً عادياً. فكل رقم في الإحصاءات يمثل إنساناً فقد حياته أو حريته أو منزله أو عائلته. وكل مطالبة بتأجيل المحاسبة أو إعادة الإجراءات من البداية تعني بالنسبة إلى كثير من الضحايا إعادة فتح الجراح وتأخير الوصول إلى العدالة.
ومن حق أي منظمة حقوقية أن تدافع عن المبادئ التي تؤمن بها، لكن من حق السوريين أيضاً أن يرفضوا المواقف التي يرون أنها تتجاهل حجم مأساتهم أو تقلل من حقهم في القصاص. فالعدالة التي تنسى الضحايا ليست عدالة مكتملة، والمحاسبة التي لا تنتهي بعقوبات رادعة قد تتحول إلى مجرد خطوة رمزية لا تغير شيئاً في الواقع.
ولهذا، فإن تأييد الأحكام الصادرة بحق بشار الأسد وأعوانه لا ينبع من الرغبة في الانتقام، وإنما من الإيمان بأن الجرائم الاستثنائية تستوجب محاسبة استثنائية، وأن بناء سوريا المستقبل لا يمكن أن يتم من دون مساءلة واضحة وصريحة للمسؤولين عن سنوات طويلة من الدم والدمار والمعاناة. لذلك نقول للمعترضين على أحكام الإعدام التي صدرت بحق بشار الأسد وشركاه: هل يحتاج بشار الأسد وشركاه إلى محاكمات أصلاً؟ وهل إعدام القتلة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر؟
٭ كاتب واعلامي سوري
    نيسان ـ نشر في 2026/08/15 الساعة 00:00