نظام التوجيهي الجديد في الأردن بين فلسفة المسارات وواقع الاختلالات

نيسان ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 00:00
* قراءة أكاديمية في أزمة التوازن بين العرض والطلب التعليمي من الشمولية إلى التخصص المبكر
شكل إقرار نظام الثانوية العامة الجديد "التوجيهي" في الأردن منعطفاً مفصلياً في فلسفة التعليم المدرسي. إذ انتقل النظام من النموذج الشمولي إلى نموذج توزيع الطلبة على مسارات تعليمية منذ المرحلة الثانوية، تشمل: المسار الصحي، الهندسي، الأعمال، القانون، والمسارات الأكاديمية الأخرى، إضافة إلى مسار الـ BTEC التقني
وكان الهدف المعلن من هذا التوجه هو تحقيق مبدأ "التعليم حسب الميول والقدرات"، وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل. إلا أن التطبيق الأولي للنظام في عام 2026 كشف عن عدد من الإشكاليات البنيوية والقضايا الجدلية* التي تهدد بتحويل الفلسفة الإصلاحية إلى "أزمة جيل".
اختلال معادلة العرض والطلب الجامعي
تكمن الإشكالية الجوهرية في عدم التطابق بين أعداد الطلبة الناجحين في كل مسار وبين السعة الاستيعابية للجامعات في التخصصات المناظرة
1. ضخم المسار الصحي: فاق عدد الطلبة الناجحين في المسار الصحي والحاصلين على معدلات تؤهلهم للتقدم للتخصصات الطبية والصحية عدد المقاعد المتاحة بأربعة إلى خمسة أضعاف وهذا يخلق حالة من "الاكتظاظ التنافسي" ويحرم آلاف الطلبة المتفوقين من حقهم في دراسة التخصص الذي أعدوا له.
2. تراجع المسار المهني - الأعمال: في المقابل، بلغ عدد الناجحين في مسار الأعمال نحو 2500 طالب فقط في حين تبلغ المقاعد المتاحة في هذا المسار *نحو 5 آلاف مقعد في الجامعات الحكومية و4 آلاف في الجامعات الخاصة. أي أن هناك فائضاً يزيد عن 100%* من الطاقة الاستيعابية. ما يترتب عليه كلف تشغيلية مهدرة على الجامعات الرسمية، واستغناء محتمل عن أعضاء هيئة تدريس في الجامعات الخاصة نتيجة إغلاق شعب دراسية.
هذا الخلل يعكس غياب دراسة استشرافية ربطت بين توزيع الطلبة على المسارات وبين خطط القبول الجامعي واحتياجات سوق العمل قبل عامين على الأقل من التطبيق.
إشكالية المخرجات التعليمية و"الاعتراف الأكاديمي"
أثار توزيع المباحث الدراسية داخل المسارات جدلاً علمياً واسعاً. فعلى سبيل المثال، درس طلبة المسار الصحي مادتي الأحياء والكيمياء فقط دون التطرق إلى الرياضيات والفيزياء
علمياً، هذا التوجه يشكل عقبة معرفية أمام الطلبة عند التحاقهم بالخطط الدراسية الجامعية للتخصصات الطبية التي تبنى على أساس فيزيائي ورياضي. كما أنه يغلق أمامهم باب "الاعتراف الدولي" إذ تشترط أغلب الجامعات العربية والأجنبية المرموقة دراسة مبحث الرياضيات كحد أدنى لقبول طلبة الطب وطب الأسنان. وبذلك يصبح النظام الجديد عائقاً أمام الطلبة الراغبين بالدراسة خارج الأردن.
تناقض المسارات مع سياسة "تجميد التخصصات"
تواجه الدفعة الأولى من خريجي النظام الجديد لعام 2026 مفارقة كبرى. ففي الوقت الذي وجهتهم فيه المسارات الأكاديمية نحو تخصصات معينة، أعلنت وزارة التعليم العالي عن تجميد قائمة واسعة من التخصصات وخاصة في الكليات الإنسانية مثل: اللغة العربية، العلوم السياسية، التاريخ، الجغرافيا، وبعض اللغات كما تم تخفيض أعداد المقبولين في التخصصات الطبية: الطب البشري، طب الأسنان، ودكتور الصيدلة.
هنا يبرز السؤال: كيف يتم توجيه الطالب أكاديمياً نحو مسار، ثم يتم إغلاق بوابات التخصصات المناظرة له عند بوابة الجامعة؟
غموض مسار الـ BTEC وهوية التعليم التقني
يمثل *طرح برامج الـ BTEC* لأول مرة هذا العام خطوة نحو تعزيز التعليم التطبيقي. إلا أن السماح لـ 20% من الناجحين في هذا المسار بالتقدم للمسارات الأكاديمية يطرح إشكالية فلسفية.
إذا كانت الغاية هي التوجه نحو التعليم التقني المهنيوسد احتياجات السوق من الفنيين، فما الحكمة من إعادة توجيه جزء من مخرجاته إلى التعليم الأكاديمي النظري؟ هذا "الازدواج" يفرغ المسار من هويته، ويعيده إلى دائرة التنافس التقليدي على المقاعد الجامعية.
أزمة مركبة في زمن الدمج
إن ما يواجهه جيل 2026 هو أزمة مركبة: اختلال عددي، وقصور معرفي، وتناقض سياساتي. وتتفاقم حدة هذه الأزمة في ظل دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في وزارة واحدة جديدة لم يتم بعد اختبار نجاعة هذا الهيكل المؤسسي وقدرته على معالجة مثل هذه الملفات المتداخلة.
إن معالجة هذه القضايا لم تعد ترفاً إصلاحياً، بل ضرورة وطنية ملحة فالتعليم ليس تجربة، والطالب ليس رقماً في معادلة. المطلوب اليوم مراجعة عاجلة وشاملة لآليات التوزيع على المسارات، وربطها بخارطة قبول جامعي وسوق عمل واضحة، قبل أن يتحول "نظام المسارات" من مشروع إصلاح إلى عبء يثقل كاهل جيل كامل.
باحث في سياسات التعليم العالي
خبير في إدارة المحتوى التعليمي الرقمي
    نيسان ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 00:00