تحت قبة النواب... ليست رمانة القلوب مليانة

نيسان ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
لا أظن أن ما جرى بين رئيس مجلس النواب مازن القاضي والنائب نبيل الشيشاني كان خلافا عابرا على مقترحات قوانين، ولا أن العبارة التي انتهى إليها السجال، "الي مش عاجبه المجلس يستقيل ويطلع"، ولدت في لحظتها ثم انتهت بانتهائها. في السياسة كما في الحياة، هناك جمل صغيرة تفتح أبواب غرف كبيرة، وهذه واحدة منها، فالحكاية ليست رمانة، كما يقول الأردنيون بل يبدو أن القلوب مليانة.
النائب الشيشاني اشتكى من أن الأمانة العامة للمجلس تواصلت معه ومع زملاء له لطلب سحب مقترحاتهم على القوانين، ورأى في ذلك انتقاصا مما وصفه بأنه "ما تبقى وهو قليل من هيبة المجلس". فجاء رد رئيس المجلس غاضبا وحاسما: "المجلس مصان، والي مش عاجبه المجلس يستقيل ويطلع".
ابتسمت.
ليس لأن في الأمر ما يضحك، بل لأنني شعرت أننا وصلنا فجأة إلى السؤال الحقيقي: ممن نحمي هيبة مجلس النواب؟ من النائب الذي يتحدث تحت قبته، أم من الأسباب التي دفعته إلى القول إن ما تبقى من هذه الهيبة قليل؟
هنا يا معالي الرئيس لا تؤكل الكتف من هذا الجانب.
فإذا كان النائب غير دقيق في روايته، يكفي أن تخرج الأمانة العامة أو رئاسة المجلس وتقول للناس: لم نطلب من أحد سحب مقترحاته، وهذه هي الوقائع، وينتهي الأمر. أما إذا كان قد طُلب بالفعل من نواب سحب مقترحاتهم، فلدينا سؤال آخر لا يجوز دفنه تحت غضب العبارة: لماذا؟ .
فالاقتراح ليس منحة تعطى للنائب، والتعديل ليس مشاغبة على المجلس، والاعتراض ليس اعتداء على هيبته، هذه كلها من الأسباب التي من أجلها يوجد مجلس النواب أصلا، وإذا أصبح النائب مطالبا بأن يختار بين الصمت أو الباب، فماذا تركنا له من النيابة غير المقعد؟.
الحق أن البرلمانات في العالم لا تكتسب هيبتها من انخفاض الأصوات داخلها. بعضها يشهد مشادات وصراخا واعتراضات وانقسامات حادة، ومع ذلك لا يسأل أحد عن هيبته، لأن هيبة المؤسسة هناك نابعة من قدرتها على استيعاب الخلاف، لا من قدرتها على منعه.
أما نحن، فلدينا أحيانا حساسية غريبة من الكلام. نريد نائبا يتحدث، لكن ليس كثيرا، يعترض، لكن بالقدر المناسب، يقترح، شرط ألا يربك أحدا، يراقب الحكومة، لكن من دون أن يرفع ضغط الجلسة، ثم نستغرب بعد ذلك لماذا يسأل الناس عن دور مجلس النواب.
دعوا النواب يتكلمون. بل دعوهم يزعجونكم قليلا، فهذا هو المكان الوحيد الذي انتخبهم الناس كي يزعجوا فيه الحكومة، ورئاسة المجلس، وبعضهم بعضا، إذا اقتضت مصالح ناخبيهم ذلك، النائب الهادئ دائما ليس بالضرورة نائبا حكيما، وقد يكون فقط نائبا لا يجد ما يقوله.
وأريد أن أطرق هنا باب معالي رئيس المجلس، سأدخل رأسي فقط وأقول: معالي الرئيس، لا أحد يريد كسر هيبة المجلس، لكن الهيبة لا تحتاج إلى أن نخبر الناس كل يوم بأنها مصانة، الهيبة مثل الاحترام؛ إذا اضطررت إلى إعلان وجودها كثيرا، فقد حان الوقت للسؤال عما أصابها.
ثم أسحب رأسي قبل أن ينتبه الحرس.
أما عبارة "الي مش عاجبه المجلس يستقيل ويطلع"، فالمشكلة فيها ليست حدتها فقط، بل أنها تقلب المعادلة. فالنائب الذي لا يعجبه ما يجري تحت القبة ليس مطلوبا منه بالضرورة أن يغادرها؛ ربما انتخبه الناس تحديدا لكي يبقى فيها ويقول إنه غير معجب.
وهنا تصبح الاستقالة آخر ما ينبغي اقتراحه عليه.
فإذا كان كل من اعترض عليه أن يخرج، فقد يأتي يوم تبقى فيه المقاعد كلها... ولا يبقى تحت القبة مجلس.
وبالطبع، أنا مع هيبة مجلس النواب.
وشكرا لكم على اهتمامكم بهذا الأمر.
    نيسان ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 00:00