فراس أبو قاعود يترجل بعد ثلاثة عقود.. ويترك للسنوات أن تتحدث
نيسان ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 00:00
بعد أكثر من ثلاثين عاما في الخدمة العامة، يغادر المحافظ السابق فراس أبو قاعود موقعه بهدوء يشبه لغة رجال الإدارة الذين يعرفون أن المناصب، مهما طالت الإقامة فيها، ليست سوى محطات، وأن ما يبقى بعد إغلاق باب المكتب للمرة الأخيرة ليس المسمى الوظيفي، بل السيرة التي صنعها صاحبها في الطريق.
أبو قاعود، الذي أعلن إحالته إلى التقاعد، لم يحول لحظة المغادرة إلى مناسبة لاستعراض المناصب أو تعداد الإنجازات، ولم يكتب كشف حساب طويل لثلاثة عقود من العمل. اختصر كل ذلك في كلمات قليلة، كان الأردن حاضرا فيها من أول السطر إلى آخره.
وكتب: «بعد أكثر من ثلاثين عاما قضيتها في خدمة وطني الأردن، أترجل اليوم عن موقعي الوظيفي وأنا أحمل في قلبي كل الفخر والاعتزاز بهذه المسيرة التي تشرفت أن أكون جزءا منها".
ثلاثون عاما وأكثر ليست رقما عابرا في عمر موظف عام، فهي مساحة واسعة من العمر، تتغير خلالها الحكومات والمسؤولون والوجوه والظروف، فيما يبقى على رجل الإدارة أن يؤدي واجبه في المكان الذي يوضع فيه، وأن يدرك أن الموقع الذي يشغله ليس ملكا شخصيا، وأن ساعة المغادرة آتية مهما طال البقاء.
ولعل أجمل ما في رسالة أبو قاعود أنها لم تكن مشغولة بالموقع الذي غادره بقدر انشغالها بالوطن الذي قال إنه خدمه. فقد وصف سنواته بأنها «ثلاثة عقود من العطاء والعمل والانتماء»، مؤكدا أن مصلحة الأردن ورفعته ظلتا هدفه الأول، ومستحضرا ما قال إنها قيم الإخلاص والوفاء والمسؤولية التي استلهمها من القيادة الهاشمية.
وفي الإدارة العامة، كثيرا ما تكشف لحظة المغادرة عن الرجل أكثر مما تكشفه لحظة الوصول. عند التعيين تكون الأضواء كثيرة، والتهاني كثيرة، والأبواب مفتوحة، أما عند الرحيل فلا يبقى للمسؤول إلا ما يحمله معه من ذاكرة الناس، وما يتركه خلفه من أثر.
وأبو قاعود، في رسالته، بدا مدركا لهذه الحقيقة. فلم يتحدث عن التقاعد باعتباره نهاية، بقدر ما رسم خطا فاصلا بين انتهاء الوظيفة واستمرار الانتماء، قائلا: «وإن كانت سنوات الخدمة قد انتهت بإحالتي إلى التقاعد، فإن حب الأردن سيبقى راسخا في وجداني، والانتماء لهذا الوطن الغالي سيبقى شرفا أعتز به ما حييت".
كما وجه الشكر إلى كل من شاركه مسيرته، مختتما كلماته بالدعاء للأردن بأن يبقى عزيزا شامخا، ولرايته الهاشمية بأن تبقى خفاقة، ومؤكدا أن انتهاء الوظيفة لا ينهي واجب الإنسان تجاه وطنه: «وسنبقى جنودا لهذا الوطن، أوفياء لعهدنا وانتمائنا، ما حيينا".
ولعل بين الوصول إلى المنصب ومغادرته امتحانا لا تكتبه الأنظمة ولا تقيسه كتب الإدارة. فهناك من يكبر بالموقع، وهناك من يظن أن الموقع هو الذي جعله كبيرا، ولا تظهر المسافة بين الاثنين كاملة إلا عندما تأتي لحظة الرحيل.
أما فراس أبو قاعود، فقد اختار وهو يترجل بعد أكثر من ثلاثين عاما ألا يخبر الناس كثيرا عما فعله، ولا أن يعدد لهم المواقع التي مر بها. قال فقط إنه خدم الأردن، وشكر من رافقوه، ثم مضى.
وربما تكون أجمل مغادرة لرجل خدم في الدولة طويلا، أن يغلق باب مكتبه من دون ضجيج، ويترك للسنوات التي أمضاها خلفه أن تقول ما لم يقله عن نفسه.
أبو قاعود، الذي أعلن إحالته إلى التقاعد، لم يحول لحظة المغادرة إلى مناسبة لاستعراض المناصب أو تعداد الإنجازات، ولم يكتب كشف حساب طويل لثلاثة عقود من العمل. اختصر كل ذلك في كلمات قليلة، كان الأردن حاضرا فيها من أول السطر إلى آخره.
وكتب: «بعد أكثر من ثلاثين عاما قضيتها في خدمة وطني الأردن، أترجل اليوم عن موقعي الوظيفي وأنا أحمل في قلبي كل الفخر والاعتزاز بهذه المسيرة التي تشرفت أن أكون جزءا منها".
ثلاثون عاما وأكثر ليست رقما عابرا في عمر موظف عام، فهي مساحة واسعة من العمر، تتغير خلالها الحكومات والمسؤولون والوجوه والظروف، فيما يبقى على رجل الإدارة أن يؤدي واجبه في المكان الذي يوضع فيه، وأن يدرك أن الموقع الذي يشغله ليس ملكا شخصيا، وأن ساعة المغادرة آتية مهما طال البقاء.
ولعل أجمل ما في رسالة أبو قاعود أنها لم تكن مشغولة بالموقع الذي غادره بقدر انشغالها بالوطن الذي قال إنه خدمه. فقد وصف سنواته بأنها «ثلاثة عقود من العطاء والعمل والانتماء»، مؤكدا أن مصلحة الأردن ورفعته ظلتا هدفه الأول، ومستحضرا ما قال إنها قيم الإخلاص والوفاء والمسؤولية التي استلهمها من القيادة الهاشمية.
وفي الإدارة العامة، كثيرا ما تكشف لحظة المغادرة عن الرجل أكثر مما تكشفه لحظة الوصول. عند التعيين تكون الأضواء كثيرة، والتهاني كثيرة، والأبواب مفتوحة، أما عند الرحيل فلا يبقى للمسؤول إلا ما يحمله معه من ذاكرة الناس، وما يتركه خلفه من أثر.
وأبو قاعود، في رسالته، بدا مدركا لهذه الحقيقة. فلم يتحدث عن التقاعد باعتباره نهاية، بقدر ما رسم خطا فاصلا بين انتهاء الوظيفة واستمرار الانتماء، قائلا: «وإن كانت سنوات الخدمة قد انتهت بإحالتي إلى التقاعد، فإن حب الأردن سيبقى راسخا في وجداني، والانتماء لهذا الوطن الغالي سيبقى شرفا أعتز به ما حييت".
كما وجه الشكر إلى كل من شاركه مسيرته، مختتما كلماته بالدعاء للأردن بأن يبقى عزيزا شامخا، ولرايته الهاشمية بأن تبقى خفاقة، ومؤكدا أن انتهاء الوظيفة لا ينهي واجب الإنسان تجاه وطنه: «وسنبقى جنودا لهذا الوطن، أوفياء لعهدنا وانتمائنا، ما حيينا".
ولعل بين الوصول إلى المنصب ومغادرته امتحانا لا تكتبه الأنظمة ولا تقيسه كتب الإدارة. فهناك من يكبر بالموقع، وهناك من يظن أن الموقع هو الذي جعله كبيرا، ولا تظهر المسافة بين الاثنين كاملة إلا عندما تأتي لحظة الرحيل.
أما فراس أبو قاعود، فقد اختار وهو يترجل بعد أكثر من ثلاثين عاما ألا يخبر الناس كثيرا عما فعله، ولا أن يعدد لهم المواقع التي مر بها. قال فقط إنه خدم الأردن، وشكر من رافقوه، ثم مضى.
وربما تكون أجمل مغادرة لرجل خدم في الدولة طويلا، أن يغلق باب مكتبه من دون ضجيج، ويترك للسنوات التي أمضاها خلفه أن تقول ما لم يقله عن نفسه.
نيسان ـ نشر في 2026/08/16 الساعة 00:00