العالم يتغير
نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00
بدأنا نلمس فورًا نتائج الحرب الأمريكية الإيرانية. فعلى مدى عقود، قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الضامن لحرية الملاحة العالمية، وقائدة ما يُسمّى بـ«العالم الحر». غير أن الحرب مع إيران كشفت حدود هذه الصورة؛ إذ فشلت الولايات المتحدة في فتح مضيق هرمز بالقوة أمام الملاحة، فيما منعت إيران السفن الأمريكية وسفن الكيان وسفن حلفائه من الإبحار عبر المضيق.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ فعدوى إغلاق المضائق لم تبقَ محصورة في إيران أو الحوثيين، بل بدأت تمتد إلى مناطق أخرى من العالم، فقد تابعت خبرًا يفيد بأن ماليزيا منعت سفينة شحن «إسرائيلية» من المرور عبر مضيق ملقا.
لا تقل أهمية مضيق ملقا عن أهمية مضيق هرمز؛ فهو يقع بين إندونيسيا وماليزيا، ويمر عبره نحو ثلث التجارة العالمية. وما يجري فيه يحمل دلالة تتجاوز حادثة منع سفينة بعينها، إذ يشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت تفقد قدرتها على فرض سيطرتها على الممرات المائية الاستراتيجية في العالم. لقد كشفت الحرب مع إيران حدود القوة العسكرية الأمريكية، وأصبحت نتائجها مؤشرًا أمام الدول الأخرى على مدى قدرة الولايات المتحدة على إبقاء المضائق والممرات البحرية مفتوحة بالقوة.
وعقب هذه الحادثة، بدأت بعض شركات الشحن تغيير مساراتها بعيدًا عن مضيق ملقا، واللجوء إلى مضيقي سوندا أو لومبوك؛ إذ يقع الأول جنوب جزيرة سومطرة، فيما يقع الثاني بين جزيرتي بالي ولومبوك. غير أن هذين المسارين أطول وأكثر كلفة، وهو ما يعني زيادة أعباء النقل والشحن.
وكما هو الحال في مضيق هرمز، تتمتع الصين بمرور تفضيلي عبر مضيق ملقا، الأمر الذي يعزز نفوذها البحري، وينسجم مع طموحاتها الاستراتيجية في إطار مبادرة «الحزام الأزرق».
أما الخبر الثاني، فهو «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية الشقيقة وتركيا وباكستان. ويحمل هذا الاتفاق دلالة سياسية واستراتيجية مهمة، تتمثل في بروز تكتل سُنّي يسعى إلى بناء قدر أكبر من الاستقلال بعيدًا عن المظلة الأمريكية.
وتأتي تركيا، العضو في حلف الناتو، لتؤكد بدورها استقلالية متزايدة عن الولايات المتحدة، فيما ينطبق الأمر ذاته على باكستان، التي تتلقى مساعدات أمريكية كبيرة. ومن هنا تبدو الرسالة واضحة: الولايات المتحدة لم تعد، في نظر حلفائها، قادرة على ضمان حمايتهم كما كانت في السابق، بل إن وجودها وسياساتها قد يتحولان، في بعض الظروف، من مصدر للحماية إلى مصدر للخطر نفسه.
ولهذا الاتفاق رمزية تتجاوز مضمونه العسكري المباشر؛ فهو يشير إلى أن القوى الإقليمية باتت ترى أنها قادرة على بناء منظوماتها الأمنية والدفاع عن مصالحها من دون الاعتماد المطلق على الرعاية الأمريكية. أما القواعد العسكرية الأمريكية، التي كانت يومًا رمزًا للقوة والهيمنة ونفوذ واشنطن الممتد، فقد تتحول تدريجيًا إلى بقايا نظام دولي آخذ في التراجع، بدلًا من أن تبقى دليلًا على رسوخ ذلك النظام واستمراره.
وفي رأيي، فإن هذين الحدثين يأتيان ضمن تداعيات الحرب الأمريكية على إيران؛ وهي حرب أراها خطأً استراتيجيًا ومغامرة غير محسوبة العواقب، لم تقتصر نتائجها على ساحات القتال، بل وجّهت ضربة قاسية إلى مصداقية الولايات المتحدة وهيبتها، ودفعت حلفاءها وخصومها على السواء إلى إعادة النظر في حدود القوة الأمريكية وفي مدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وفرض إرادتها.
إن العالم يتغير أمام أعيننا، وربما تكون هذه الحرب واحدة من المحطات التي ستُذكر لاحقًا باعتبارها لحظة كشفت تسارع هذا التغيير. فالهيمنة لا تقوم بالقوة العسكرية وحدها، بل تقوم أيضًا على الثقة والمصداقية والقدرة على حماية الحلفاء وضمان استقرار النظام الذي تقوده الدولة المهيمنة. وحين تبدأ هذه العناصر بالتآكل، تبدأ معها ملامح نظام جديد بالظهور.
وما يزيد من خطورة هذه المغامرة، في تقديري، أنها حرب خيضت، وفق تقديرات عدد كبير من المحللين، في المقام الأول خدمةً لمصالح «إسرائيل». وإذا كانت نتائجها قد أدت بالفعل إلى إضعاف صورة الولايات المتحدة، وتشجيع قوى إقليمية على البحث عن ترتيبات أمنية مستقلة، وفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها، فإن الثمن الاستراتيجي الذي دفعته واشنطن قد يكون أكبر بكثير مما توقعه أصحاب قرار الحرب.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ فعدوى إغلاق المضائق لم تبقَ محصورة في إيران أو الحوثيين، بل بدأت تمتد إلى مناطق أخرى من العالم، فقد تابعت خبرًا يفيد بأن ماليزيا منعت سفينة شحن «إسرائيلية» من المرور عبر مضيق ملقا.
لا تقل أهمية مضيق ملقا عن أهمية مضيق هرمز؛ فهو يقع بين إندونيسيا وماليزيا، ويمر عبره نحو ثلث التجارة العالمية. وما يجري فيه يحمل دلالة تتجاوز حادثة منع سفينة بعينها، إذ يشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت تفقد قدرتها على فرض سيطرتها على الممرات المائية الاستراتيجية في العالم. لقد كشفت الحرب مع إيران حدود القوة العسكرية الأمريكية، وأصبحت نتائجها مؤشرًا أمام الدول الأخرى على مدى قدرة الولايات المتحدة على إبقاء المضائق والممرات البحرية مفتوحة بالقوة.
وعقب هذه الحادثة، بدأت بعض شركات الشحن تغيير مساراتها بعيدًا عن مضيق ملقا، واللجوء إلى مضيقي سوندا أو لومبوك؛ إذ يقع الأول جنوب جزيرة سومطرة، فيما يقع الثاني بين جزيرتي بالي ولومبوك. غير أن هذين المسارين أطول وأكثر كلفة، وهو ما يعني زيادة أعباء النقل والشحن.
وكما هو الحال في مضيق هرمز، تتمتع الصين بمرور تفضيلي عبر مضيق ملقا، الأمر الذي يعزز نفوذها البحري، وينسجم مع طموحاتها الاستراتيجية في إطار مبادرة «الحزام الأزرق».
أما الخبر الثاني، فهو «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية الشقيقة وتركيا وباكستان. ويحمل هذا الاتفاق دلالة سياسية واستراتيجية مهمة، تتمثل في بروز تكتل سُنّي يسعى إلى بناء قدر أكبر من الاستقلال بعيدًا عن المظلة الأمريكية.
وتأتي تركيا، العضو في حلف الناتو، لتؤكد بدورها استقلالية متزايدة عن الولايات المتحدة، فيما ينطبق الأمر ذاته على باكستان، التي تتلقى مساعدات أمريكية كبيرة. ومن هنا تبدو الرسالة واضحة: الولايات المتحدة لم تعد، في نظر حلفائها، قادرة على ضمان حمايتهم كما كانت في السابق، بل إن وجودها وسياساتها قد يتحولان، في بعض الظروف، من مصدر للحماية إلى مصدر للخطر نفسه.
ولهذا الاتفاق رمزية تتجاوز مضمونه العسكري المباشر؛ فهو يشير إلى أن القوى الإقليمية باتت ترى أنها قادرة على بناء منظوماتها الأمنية والدفاع عن مصالحها من دون الاعتماد المطلق على الرعاية الأمريكية. أما القواعد العسكرية الأمريكية، التي كانت يومًا رمزًا للقوة والهيمنة ونفوذ واشنطن الممتد، فقد تتحول تدريجيًا إلى بقايا نظام دولي آخذ في التراجع، بدلًا من أن تبقى دليلًا على رسوخ ذلك النظام واستمراره.
وفي رأيي، فإن هذين الحدثين يأتيان ضمن تداعيات الحرب الأمريكية على إيران؛ وهي حرب أراها خطأً استراتيجيًا ومغامرة غير محسوبة العواقب، لم تقتصر نتائجها على ساحات القتال، بل وجّهت ضربة قاسية إلى مصداقية الولايات المتحدة وهيبتها، ودفعت حلفاءها وخصومها على السواء إلى إعادة النظر في حدود القوة الأمريكية وفي مدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وفرض إرادتها.
إن العالم يتغير أمام أعيننا، وربما تكون هذه الحرب واحدة من المحطات التي ستُذكر لاحقًا باعتبارها لحظة كشفت تسارع هذا التغيير. فالهيمنة لا تقوم بالقوة العسكرية وحدها، بل تقوم أيضًا على الثقة والمصداقية والقدرة على حماية الحلفاء وضمان استقرار النظام الذي تقوده الدولة المهيمنة. وحين تبدأ هذه العناصر بالتآكل، تبدأ معها ملامح نظام جديد بالظهور.
وما يزيد من خطورة هذه المغامرة، في تقديري، أنها حرب خيضت، وفق تقديرات عدد كبير من المحللين، في المقام الأول خدمةً لمصالح «إسرائيل». وإذا كانت نتائجها قد أدت بالفعل إلى إضعاف صورة الولايات المتحدة، وتشجيع قوى إقليمية على البحث عن ترتيبات أمنية مستقلة، وفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها، فإن الثمن الاستراتيجي الذي دفعته واشنطن قد يكون أكبر بكثير مما توقعه أصحاب قرار الحرب.
نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00